الأربعاء، 30 نوفمبر، 2016

سقوط السعودية في الربيع الإيراني

مروان الغفوري

30 نوفمبر 2016


هناك حرب كبرى شيعية سنّية، تشبه حرب الثلاثين عاماً في أوروبا 1618 ـ 1648.. الحرب الدينية الكبرى في أوروبا..
طرفا الحرب:
المحور الشيعي بأكمله، دولاً ومجموعات تحت دولية..
من المحور السني: تخوض السعودية الحرب منفردة.
 

تنظر السعودية لما يجري، ويشعر قادتها بمزيد من التوتر فيرتكبون مزيداً من الأخطاء والعزلة. كان بمقدور النظام السعودي استيعاب حمقى النظام المصري، والاحتفاظ بهم إلى جواره في تلك المواجهة التي لا يبدو أن إيران مستعدة لتخفيض حدتها. 

وكان بمقدوره استيعاب الديموقراطية التركية والتعامل معها بوصفها إرادة شعبية بدلاً عن إهدار سنوات طويلة في القطيعة بين الدولتين. 

كان بمقدور السعودية أن تنسى لوقت قصير أنها السعودية الحمقاء كالعادة فتساعد، آلياً، على تحرير مدينة تعـز والساحل الغربي في اليمن بما سينعكس على طبيعة المعركة في اليمن إجمالاً. وقفت السعودية ضد ثورات الربيع العربي كلها، حتى الثورة السورية.


عاشت السعودية داخل حتميتها التاريخية: السعودية الحمقاء. وكانت الدولة التي تشعل الحرائق في كل جوارها لتشعر بالأمن. انفردت بكونها الدولة الوحيدة التي تعتقد أن الحرائق في الجوار تجلب الأمن في الدخل. 




 
قبل موت الملك عبد الله كانت السعودية قد توغلت في إشعال الحرائق في لبنان، مصر، تونس، ليبيا، الجزائر، اليمن، موريتانيا، فلسطين .. حتى فلسطين! فجأة جاء نظام جديد ليكتشف الفاجعة: الحرائق في كل مكان، والسعودية غير آمنة. لقد استطاعت جماعة صغيرة في دولة فقيرة، الحوثيون، أن تشكل تهديداً وجودياً للسعودية. لم تكن تلك بالنهاية السعيدة لمشروع نصف قرن من التسلح الاستراتيجي.

كما هي الجبهة الخارجية، جبهة الحلفاء، مفككة فإن الجبهة الداخلية السعودية رخوة ومسوّسة. لا وجود لمواطنة حقيقية، هناك فقط مستهلكون قادرون على نكاح النساء وشراء آي فون وتشجيع المنتخبات. وفي الغالب فهم موظفون بيروقراطيون خاضعون لإيديولوحيا شاملة، ومستسلمون. عند حدود قطاع اللذة هذا تنتهي المواطنة ويبدأ الظلام. 


ظلام طويل وموحش يهيمن عليه الشيخ والأمير كلياً. بينما يحسم الشيخ المسألة الثقافية والاجتماعية كلياً، ينفرد الأمير بحسم المسألة المالية والسياسية بصورة نهائية. حاصل جمع الشيوخ والأمراء لا يشكل شعباً. الشعب الحقيقي خارج الفاعلية، متروك لقطاع اللذة: تعمل السعودية كل ما من شأنه تحويل الفرد من مواطن إلى مستهلك. من الداخل لا وجود للسعودية، هناك مجتمع كبير خفي، غير مرئي، يصدر طنيناً خارج الطرق السريعة، مجتمع غير قادر على استجماع قوته لإنتاج السياسة، أو ابتكار تحولات كبيرة.

الله هو من يحمي السعودية، القرآن هو الدستور، يقول النظام السعودي. عندما تبحث عن الله في السعودية تجد الشيخ والأمير. الأول ناتئ الكرش بفعل الشحم والاسترخاء.. والثاني تبدو عليه ملامح فوق بشرية لطول ممارسته للجبروت، على حد وصف نرفال لسلطان تركي. الله هو ما لا يوجد في السعودية، أي: في الدول التي على شاكلتها. فاسمه لا يعيش في المجتمعات المقهورة، ولا داخل الأنظمة العشوائية. الله هو الهارمونية الشاملة، هو الحرية التي لا يشبهها شيء. الشيخ والأمير ليس وجهين لله، بل للظلام الدامس، الظلام ذي الجهتين.

إنها السعودية التي خاضت حرباً شرسة ضد ربيع الشعوب العربية، فسقطت في الربيع الإيراني. السعودية التي تجري حافية القدمين باحثة عن حلفاء فلا تجد سوى الإسلام السياسي إلى جوارها، ذلك الإسلام المجرّم على أرضها. في حواره مع "ذا أتلانتيك" وصف أوباما السعودية بالراكب المجّاني، قال إنها تريد أن تركب على ظهر أميركا لتخوض بها حروبها.

الراكب المجاني يخوض الحرب وحيداً، حرباً مُـرّة ضد محور شيعي عابر لحدود الدول، ولم يعد لدى السعودية من أصدقاء كثيرين ولا أصدقاء كبار. تبني تحالفات هشّة وتفشل في الحفاظ عليها. عجزت، كلياً، عن مساعدة اليمن ليصبح بلداً قوياً. اليمن القوي سيعني حدوداً جنوبية قوية وآمنة، وحليفاً إقليمياً صلباً .. وسوقاً، وشعباً سيمثلان ينبوعاً جديداً للحياة في الجزيرة العربية.

عملت السعودية مبكّراً على التخلص من الرئيس الحمدي، وكان صاحب مشروع بناء أمة من الداخل، يستهدف البنية التحتية والتعليم والكرامة الوطنية، أي التأسيس لمجتمع قوي من الداخل. كان "يمن الحمدي" سيجنب السعودية مصارع السوء، لكنها اختارت الجري وراء هواجسها التلقائية وانفعالاتها البدوية. جاءت بصالح إلى السلطة بطائرة عسكرية وتريد أن تخرجه منها بطائرة عسكرية.. عملت على الخلاص من بطل شعبي وجاءت بضابطٍ طائفي مريض، منشطر الذهن، ومسموم. بالنتيجة عملت السعودية مع نظام صالح الحليف على إنتاج الوضع اليمني الراهن. 


أمام النظام السعودي الراهن تركة ضخمة من السوء وسوء السمعة. وليس أصعب على المرء من غسل سمعة سيئة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق