الخميس، 25 أبريل 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 13)



بينما كان الصراع بين رئيس حكومة المنفى عبد ربه منصور هادي ونائبه-رئيس وزرائه خالد بحاح على أشده بسبب عدد من الموضوعات المتراكمة ومن بينها تمكين الإخوان،  وصل بحاح، في يوم السبت الفاتح من أغسطس 2015، إلى مدينة عدن على متن طائرة عسكرية سعودية قادما من الرياض وبرفقته  6 وزراء، ليكون بذلك ارفع مسئول حكومي يعود إلى المدينة منذ إعلان استعادتها من الحوثيين.

وكان في استقبال بحاح في مطار عدن الدولي محافظ المحافظة نايف البكري وعدد من المسئولين الآخرين. وفي مستهل جولته في المدينة، بمعية مستقبليه، زار بحاح جرحى المواجهات في عدد من مستشفيات المدينة، ثم اطلع على الأضرار التي لحقت بالقصر الرئاسي في معاشيق، ومقر المنطقة العسكرية الرابعة، ومديرية الأمن. وبينما قال بحاح في تصريحات صحفية، أن عودته إلى المدينة تعد "جزء من تحرير عدن وتطبيع الحياة فيها"، فإنه ما لبث أن غادر المدينة بعد بضع ساعات من الوصول إليها متوجها إلى ابو ظبي بالإمارات العربية المتحدة.    والتقى بحاح في الأيام التالية بولي عهد أبو ظبي، وقيل أيضا انه التقى نجل الرئيس السابق احمد علي عبد الله صالح.

وأصدرت حكومة المنفى في ذات اليوم (1 أغسطس)، ربما في محاولة لموازنة التعيينات السابقة (انظر الحلقة غير المسلسلة رقم 12)، قرارا بتعيين ثلاثة مستشارين جدد للرئيس هادي هم:

- حيدر ابوبكر العطاس، وهو رئيس وزراء سابق وقيادي في الحزب الاشتراكي اليمني، لجأ إلى السعودية بعد حرب عام 1994 واستقر فيها ثم انخرط بعد ذلك بتشجيع من السعوديين في الحراك الجنوبي المطالب بانفصال الجنوب عن الشمال.

- النائب عبد العزيز جباري، وكان عضوا في مجلس النواب اليمني عن المؤتمر الشعبي العام قبل أن ينشق عنه ويؤسس مع آخرين حزب العدالة والتنمية ويتولى رئاسته.

- احمد عبيد بن دغر، وهو قيادي سابق في الحزب الاشتراكي اليمني ونائب رئيس وزراء ووزير سابق للاتصالات في حكومة الوفاق الوطني (2011-2014)، وكان آخر موقع شغله في صنعاء قبل أن ينشق عن الرئيس السابق في مطلع ابريل 2015 هو نائب رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام.

ولم تخرج هذه التعيينات عن سابقاتها في كونها ضمت أشخاصا يوالون السعودية بشكل مطلق ودون أن يشركوا في ولائهم ذاك أحدا آخر، غير أنهم وخصوصا العطاس وبن دغر كانوا بعيدين تماما عن حركة الإخوان. 



ورغم أن محافظ عدن نايف البكري باشر عمله دون تأدية اليمين الدستورية التي يبدو ان الجميع نسيها في ظل الارتباك السائد واصدر على سبيل المثال في 16 أغسطس 2015 قرارا بتعيين مدير لأمن مديرية البريقة التي وصفتها صحيفة "اليمن اليوم" المملوكة للرئيس السابق بأنها "المعقل الوحيد لحزب الإصلاح في عدن"، إلا أن تزايد المعارضة لتعيينه من جهة، وتنامي المطالب الشعبية لسكان المحافظة من جهة ثانية، قد جعلته يمتنع عن أداء اليمين الدستورية ويشترط لفعل ذلك أن يعالج الرئيس والتحالف، من بين قضايا أخرى، مشاكل جرحى الحرب في المحافظة وأوضاع اسر القتلى ومرتبات عناصر المقاومة.

وقد فعل البكري ذلك بعد تسريبات أن الرئيس والتحالف ربما أرادا من خلال تعيينه دون توفير الموارد اللازمة لحل المشاكل، حرقه والقضاء على أي شعبية يتمتع بها بين الناس. وكان دليله في ذلك أن ملف الإغاثة سلم لمها السيد المقربة من جلال هادي نجل الرئيس المستقيل وليس لمحافظ المحافظة. كما كان البكري، وفقا لتسريبات كثيرة، قد دخل في صراع مع جلال نجل الرئيس هادي الذي كان يسعى لوضع يده على ملف "إعادة اعمار عدن"، في حين كان البكري يطالب بإشراف سعودي مباشر على ملف إعادة الاعمار وعدم إيكال المهمة لأي مسئول يمني.

وفي فجر  الـ18 من أغسطس، حاولت جماعة أنصار الشريعة التي تعد من الجماعات المرتبطة بالقاعدة، دون نجاح الاستيلاء على قاعدة العند الجوية، فيما ذكرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في خبر على موقعها أن عناصر تنظيم القاعدة باتت تتحرك بحرية في المناطق التي خرج منها  الحوثيون مستغلة فراغ السلطة.  وأضافت الصحيفة، أن المكونات المؤيدة لهادي حولت انتباهها الآن نحو بعضها بعضا وأنها لا تتردد في استخدام البنادق لحل خلافاتها.  وفي ذات اليوم (18 أغسطس)، هاجم مسلحان على دراجة نارية في عدن منزل محافظ محافظة أبين الدكتور الأخضر السعيدي، ولم يسفر الهجوم عن أي خسائر بشرية.

وفي الذكرى الشهرية الأولى لتعيينه (20 أغسطس)، نجا نايف البكري محافظ عدن والقيادي في حركة الإخوان من محاولة اغتيال بقذيفة ار. بي. جي أطلقت كما ذكرت التقارير الإعلامية على كلية العلوم الإدارية بجامعة عدن التي يقع فيها المقر المؤقت للسلطة المحلية، وأودت بحياة 4 أشخاص.

وفي اليوم ذاته (20 أغسطس)، اصدر التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري في تعز بيانا يرفض فيه تعيين الشيخ حمود سعيد المخلافي القيادي بحزب الاصلاح محافظا لتعز. وجاء بيان الحزب الناصري بعد قيام مكونات المقاومة في مجلس التنسيق بتعز ومن ضمنها ممثل الناصري بترشيح الشيخ المخلافي المصنف كقيادي في الإخوان للرئيس كي يقوم بتعيينه كما كانت قد فعلت مكونات مجلس تنسيق المقاومة في عدن مع البكري. ولم يعدم الحزب الناصري الذي كان يتوقع أن يعين أمينه العام عبد الله نعمان محافظا لتعز المبررات لرفض الترشيح، ومن ذلك أن قيادات مكونات مجلس تنسيق المقاومة بتعز لم تقر ذلك الترشيح، أي أن الحزب الناصري كان ينظر إلى موافقة ممثله في مجلس التنسيق على أنه تجاوز للقيادة.

السبت، 20 أبريل 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 12)



أصدر الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وهو المؤمن الصادق في عدائه للإخوان المسلمين، في 7 مارس 2014، قرارا صنف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في خطوة يمكن إرجاعها جزئيا إلى الضغوط التي مارستها إدارة اوباما على السعوديين في هذا الشأن، وجزئيا إلى الصراع الذي كان يخوضه الملك مع تيار إخوانه السديرين على السلطة داخل المملكة، وكان الأخيرون يرتكزون إلى حد كبير في شرعيتهم السياسية على دعم الوهابية والإخوان، وإن كانت علاقاتهم بالتيارين قد اتصفت بالاضطراب على نحو مستمر.

وعندما انتقلت السلطة إلى سلمان الذي ينتمي إلى التيار السديري المحافظ ، بعد رحيل الملك عبد الله في يناير 2015، تابع الملك الجديد تنفيذ السياسة السابقة للسديرين الذين يسيطرون على الدولة السعودية العميقة منذ عقود مع التحديثات التي طرأت عليها بعد ثورات الربيع العربي، والثورات المضادة. وتمثلت سياسة سلمان بعد صعوده إلى السلطة في الآتي:

أولا، الإبقاء، وعينه على "إخوان" الداخل السعودي، على تصنيف "الإخوان المسلمين" كجماعة إرهابية، ليحافظ على السيف مسلطا على رقابهم.  

ثانيا، العمل في ذات الوقت على إبقاء شعرة معاوية ممدودة بينه  وبين الإخوان، وخصوصا إخوان اليمن، طالما أظهروا المرونة الكافية وبادلوه الولاء مقابل الدينار.

ثالثا، استخدام الإخوان كفزاعة للأمريكيين، والغرب عموما، كلما تدهورت علاقة المملكة معهم، لأي سبب كان.  



وقد لوحظ أن السعودية، بعد توصل الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مضافا إليها ألمانيا  إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي للأخيرة في 14 يوليو 2015، بدأت ودون أي مواربة بالعمل على تمكين حلفائها التاريخيين في اليمن وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين، رغم المعارضة الشديدة لتلك السياسة من قبل أطراف يمنية وسعودية وإقليمية ودولية، وهو ما كان يعني تبلور واحتدام الصراع السياسي بين معسكرين هما:

- "معسكر العلمنة" ويضم بشكل أساسي أطراف التفاهم الثلاثي الذي تم تناوله في حلقة سابقة وهم: الرئيس اليمني السابق وأفراد أسرته وأنصاره؛ الإمارات؛ وإدارة اوباما. وتتمثل الامتدادات الإقليمية لهذا التيار في: نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر؛ وأنصار النظام القديم في السعودية (نظام الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز).

- "معسكر القوى المحافظة" ويضم: حزب التجمع اليمني للإصلاح (والذي تنتظم داخله حركة الإخوان المسلمين) وأنصاره؛ رجال العهد الجديد في السعودية والذين اسقطوا صراحة تحفظاتهم على تمكين الإخوان في اليمن بعد توقيع دول الست اتفاقا مع إيران؛ ودولة قطر.  

وفي إطار التحول في الموقف السعودي من الإخوان، وبالتزامن مع إقرار مجلس الأمن الدولي بالإجماع لقرار يضفي الشرعية الأممية على الاتفاق مع إيران، أصدرت حكومة المنفى اليمنية في 20 يوليو 2015 قرارا عينت بموجبه نايف صالح عبد القادر البكري، القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، محافظا لمحافظة عدن. كان البكري، الذي وصفه موقع مقرب من حزب الإصلاح بأنه "رئيس مجلس تنسيق المقاومة الشعبية في المحافظة" يشغل قبل ذلك منصب وكيل محافظة عدن لشئون المديريات. كما تم في ذات اليوم تعيين احمد سالم ربيع علي (نجل الرئيس الجنوبي الراحل سالم ربيع علي)، والذي ينتمي إلى النخبة الأبينية المهيمنة تاريخيا في الجنوب،   وكيلا أول لمحافظة عدن.

وذكر موقع الخليج الجديد أنه على الرغم من أن البكري كان مرشح الإجماع في محافظة عدن، إلا أن الإمارات وبسبب انتماء البكري إلى "الإخوان المسلمين" رفضت تعيينه وحاولت الضغط لمنع صدور القرار. وفيما بدا على أنه محاولة لإرضاء الإمارات، ذكرت تقارير إعلامية أنه طلب من البكري قبل تعيينه الاستقالة من حزب الإصلاح، وأنه استجاب لذلك الطلب، ولم يكذب البكري في حينه تلك التقارير.    

وفي اليوم التالي لصدور قرار تعيين البكري، أي في 21 يوليو 2015، أصدر العميد ثابت قائد جواس، القيادي في المقاومة الجنوبية الموالية للسعودية،  بيانا دعا فيه إلى تغيير اسم قاعدة العند، وهي أكبر قاعدة عسكرية في اليمن،  ليصبح "قاعدة الملك سلمان." كان السوفييت قد بنوا القاعدة خلال الحرب الباردة، لتكون واحدة من أهم قواعدهم في الشرق الأوسط. وفي مرحلة ما قبل التدخل العسكري في اليمن، احتفظ الأمريكيون بعدد صغير من الجنود والطائرات في القاعدة بهدف معلن هو جمع المعلومات وشن الغارات على عناصر الجماعات الإرهابية.

وفيما بدا على أنه رد من قبل أطراف التفاهم الثلاثي على مقترح العميد جواس، قامت الطائرات الأمريكية التي تعمل تحت غطاء التحالف في 27 يوليو، بقصف قوات الجيش والمقاومة الشعبية التي يقودها العميد جواس في المواقع التي انتشرت فيها جوار قاعدة العند، وهو ما أدى إلى سقوط  12 قتيلا على الأقل، بالإضافة إلى عدد من الجرحى.

وفي 28 يوليو، اصدر الرئيس هادي قرارا تنفيذيا بدمج أفراد المقاومة الشعبية الجنوبية ولجانها وغيرها من كيانات في ما سمي بـ"الجيش الوطني" درءا، كما قيل، للاحتراب الأهلي في مرحلة ما بعد خروج الحوثيين من المحافظات الجنوبية. وكانت الخطوة، التي تعني فيما تعني دمج عناصر حزب الإصلاح في الجيش الوطني تتعارض تماما مع توجهات أطراف التفاهم الثلاثي. 

وفي 29 يوليو 2015، عينت حكومة المنفى اليمنية عبد الله العليمي باوزير،  القيادي في حزب الإصلاح بمحافظة شبوة،  نائبا لمدير مكتب رئاسة الجمهورية، بما يعنيه ذلك من أن الإخوان أصبحوا ممثلين في الدائرة الضيقة التي تتحكم بقرارات التعيين  التي يصدرها الرئيس هادي سواء بمبادرة منه أو استجابة لمبادرات التحالف، وبالسياسات المختلفة التي يتبناها.


الثلاثاء، 2 أبريل 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية (غير مسلسل 11)



عملت إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما في إطار مساعيها لإقناع السعوديين بجدوى وأهمية الاتفاق النووي الذي وقعته دول الـ5+1 مع إيران في 14 يوليو 2015 على التركيز على المسار الدبلوماسي بما يتضمنه ذلك من تكثيف التفاعلات الدبلوماسية المباشرة (بين الأمريكيين والسعوديين) أو غير المباشرة (تتم بين السعوديين وأطراف ثالثة كمسئولي الدول التي شاركت في المفاوضات مع إيران بشأن البرنامج النووي)  والتي يتخلل المباشر منها الشروح والتفسيرات والتأكيد المتكرر على التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها في مواجهة أي تهديد يمكن أن تمثله إيران دون أن يتم الإسهاب في الحديث عن النقطة الأخيرة.   

ودشن اوباما الجهود الدبلوماسية الأمريكية المباشرة الموجهة على نحو خاص إلى السعوديين في اليوم ذاته الذي شهد توقيع الاتفاق مع إيران حيث أجرى اتصالا هاتفيا مع  الملك سلمان قدم  خلاله شرحا موجزا حول تفاصيل الاتفاق الذي تم توقيعه مؤكدا في الوقت ذاته على التزام الولايات المتحدة  بأمن واستقرار الإقليم. وبدوره، أكد الملك سلمان خلال الاتصال بأن السعودية تدعم أي ترتيبات تضمن منع إيران من الحصول على السلاح النووي، وهو الرد الذي يمكن أن يفهم بطرق مختلفة، لكنه لا يتضمن قبولا أو رفضا قاطعا للاتفاق الذي تم التوصل إليه.    

وفي إطار تلك الجهود الدبلوماسية، عقد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في 16 يوليو، بتوقيت واشنطن، جلسة مباحثات مع نظيره السعودي عادل الجبير الذي كان الملك سلمان قد أرسله لاستطلاع الوضع في واشنطن عن كثب. وقال كيري خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب الجلسة بالحرف "نحن ملتزمون (أمريكا والسعودية) بالعمل معا على مواجهة أي تنظيم متطرف، بما في ذلك أنشطة إيران في الإقليم، وأي تحديات أخرى للأمن والاستقرار في المنطقة." وأضاف انه ناقش مع الوزير الجبير بعض جوانب الاتفاق مع إيران، لكنه أضاف مستدركا، في إيحاء ضمني بوجود اختلافات في وجهات النظر، أن لديه الثقة بقدرة الدولتين على الاستمرار في العمل معا.  




وفي  17 يوليو  2015، والذي صادف أول أيام عيد الفطر في السعودية، التقى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في واشنطن كلا على حده: الرئيس الأمريكي باراك اوباما؛  جون بايدن، نائب الرئيس؛ وسوزان رايس مستشارة الأمن القومي. وذكرت تسريبات، ربما قصد منها ممارسة المزيد من الضغوط على  السعوديين من جهة وإظهار العلاقات السعودية-الأمريكية بصورة تجافي ما كانت عليه، أن اوباما، الذي من النادر أن يلتقي مسئولين اقل في درجاتهم من رؤوسا الدول، قد قابل الوزير السعودي عادل الجبير في إجراء استثنائي، لأن الملك سلمان طلب منه ذلك.

وفي 20 يوليو، طرح على وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مقابلة مع الإذاعة الوطنية العامة (الأمريكية) سؤال عما إذا كان الاتفاق مع إيران سيساهم في نمو الاقتصاد الإيراني وجعل إيران بالتالي أكثر قوة وقدرة على التأثير في دول المنطقة، فأجاب كيري بالنفي معللا ذلك بوجود أسباب تمنع حدوث مثل ذلك الأمر وتتمثل في: وجود حواجز طبيعية بين فارس والعالم العربي (ربما قصد الحاجز الجغرافي المتمثل في الخليج العربي)، وجود اختلافات مذهبية بين مسلمي إيران ومسلمي الدول العربية (سنة-شيعة)؛  كون السنة يمثلون الغالبية العظمى من المسلمين قياسا بالشيعة؛  ولأن أمريكا، حسب قوله اتفقت مع دول الخليج على أنه في حال استمرار إيران في دعم الأنشطة المزعزعة للاستقرار في الدول العربية، فإنه سيتم الرد على ذلك بقوة.            

وإذا كانت جهود وزير السلم (الاسم غير الرسمي الذي يطلق على وزير الخارجية الأمريكي أحيانا) الذي كثيرا ما يتردد على السعودية في إقناع السعوديين غير كافية، فقد قام آشتون كارتر وزير الدفاع الأمريكي (وزير الحرب) في 22 يوليو، بتكليف من البيت الأبيض، بزيارة السعودية في إطار جولة إلى المنطقة  بدأها  بإسرائيل التي كانت معارضتها للاتفاق أكثر صلابة وتشددا من الموقف السعودي.

وقد التقى كارتر، خلال زيارته القصيرة للسعودية التي استمرت لبضع ساعات فقط، الملك سلمان في قصر السلام بجدة، بحضور، بالإضافة إلى مسئولين آخرين، كل من الأمير محمد بن نايف ولي العهد-وزير الداخلية، والأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد-وزير الدفاع. وجدد كارتر خلال اللقاء التزام بلاده بأمن حلفائها، وقال عقب اللقاء، في تصريحات نقلها عنه راديو سوا، أن الملك سلمان رحب بالاتفاق النووي مع إيران، لكنه ( أي الملك) أبدى تحفظا حول الآليات التي تلزم إيران بالتنفيذ من جهة، وتضمن إعادة فرض العقوبات في حال فشلت  إيران في الإيفاء بالتزاماتها. 

وفي 3 أغسطس، حضر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، اجتماعا لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي استضافه وزير الخارجية القطري خالد العطية بمدينة الدوحة. وعقب الاجتماع قال العطية، في مؤتمر صحفي عقده مع كيري، أن الاتفاق النووي مع إيران يمثل "الخيار الأفضل من بين خيارات أخرى"، وأن هناك ثقة بأن ما تم التوصل إليه "يجعل الإقليم أكثر أمنا واستقرارا."

وحول ما طرحه الجانب الأمريكي أثناء اللقاء، أشار العطية إلى أن كيري أعاد تكرار تطميناته بأن الولايات المتحدة ستمنع إيران من الحصول على سلاح نووي إذا أخفقت طهران في الإيفاء بما التزمت به، وأن الولايات المتحدة ستعمل على تعزيز جهودها في تدريب القوات الخاصة في دول الخليج وإجراء التمارين العسكرية المشتركة، وستزيد من حجم المعلومات الاستخبارية التي تشاركها مع دول الخليج بما في ذلك تلك المتصلة بعملاء إيران الذين يعملون على إثارة الشعوب، وستساعد دول الخليج في تعزيز دفاعاتها الصاروخية، وتطوير قدراتها على إفشال المحاولات الإيرانية لتهريب السلاح والأفراد.   وذهب العطية أيضا إلى أن وزير الخارجية الأمريكي، ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، اتفقوا على طرق لتسريع الدعم العسكري الذي وعد به الرئيس اوباما خلال قمة كامب ديفيد في مايو 2015.

وفي 24 أغسطس، في تأكيد جديد على الأهمية التي توليها إدارة اوباما للموقف السعودي من الاتفاق، استقبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في منزله الصيفي في جزيرة  نانتوكيت بولاية ماساتشوستس، حيث كان يقضي إجازته، وزير خارجية السعودية عادل الجبير. وذكرت التقارير أن الوزيرين ناقشا العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك بما في ذلك ملفات سوريا وإيران واليمن.

ولأن الكثير من المسئولين الأمريكيين والسعوديين قد اختاروا شهر أغسطس لقضاء إجازاتهم، فقد اتسمت اللقاءات الدبلوماسية بين الجانبيين بالتراجع الكبير قياسا بكثافتها في شهر يوليو. وكان الكل يتطلع إلى الزيارة الرسمية التي سيقوم بها الملك سلمان إلى واشنطن في مطلع شهر سبتمبر تلبية لدعوة رسمية تلقاها من الرئيس اوباما، وكشف عنها  وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر خلال زيارته للسعودية في الثلث الأخير من يوليو.

وكان الكل يراهن على أن قمة سلمان-اوباما  ستكون بمثابة تتويج للجهود الدبلوماسية الهادفة إلى التقريب بين وجهتي نظر الجانبين وردم أي فجوة ما زالت قائمة بينهما والعمل على تجديد وتعزيز التحالف الاستراتيجي بين الدولتين.  وعلى عكس ما حدث في شهر مايو، حين غير الملك سلمان خططه فجأة ولم يحضر القمة الأمريكية-الخليجية في كامب ديفيد، فقد كان هناك شعور بالاطمئنان هذه المرة بأن الملك لن يخلف وعده من جديد.

الثلاثاء، 19 مارس 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 10)



جاء أول رد سعودي معارض، وإن اتخذ طابعا غير رسمي، على الاتفاق النووي الموقع مع إيران في 14 يوليو 2015، على شكل مقال كتبه ونشره الأمير  بندر بن سلطان بن عبد العزيز، وهو سفير سابق للسعودية إلى واشنطن لفترة زادت على عقدين من الزمن ورئيس سابق للاستخبارات السعودية، وإن لفترة قصيرة.  وانتقد مقال بندر، وإن بدبلوماسية، الاتفاق النووي مع إيران مستعيرا في السياق مقولة شهيرة لهنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق  ذهب فيها إلى أنه "على أعداء أمريكا أن يخشوا أمريكا ، لكن على أصدقائها أن يخشوها أكثر." 

ويبدأ مقال بندر الذي نشر باللغتين العربية والانجليزية في منتصف يوليو على النحو التالي:

"يقول نقادٌ في الإعلام وفي السياسة إن الاتفاق النووي الذي عقده الرئيس باراك أوباما مع إيران هو نسخة طبق الأصل عن الاتفاق النووي الذي عقده الرئيس الأسبق بيل كلينتون مع كوريا الشمالية، إلا أنني، وبكل تواضع، لا أتفق مع هذا الرأي. فالرئيس كلينتون اتخذ قراره آنذاك على أساس تحليل استراتيجي للسياسة الخارجية الأميركية، وعلى معلومات استخبارية سرّية، على رغبته ونواياه الحسنة لإنقاذ شعب كوريا الشمالية من مجاعة تسببت بها قيادته. واتضح بعد ذلك أن ذلك التحليل الاستراتيجي للسياسة الخارجية كان خاطئًا، إلى جانب فشل استخباراتي كبير، لو عرف به الرئيس كلينتون قبل اتخاذه قراره لما اتخذه، وأنا واثق تمامًا من ذلك."

والواضح أن افتتاحية مقال بندر يغلب عليها الجانب الدعائي. فاستدعاء تجربة الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون يحيل إلى حالة فشلت فيها أمريكا في احتواء الانتشار النووي ويحاول تعميم ذلك الفشل إلى الحالة الإيرانية رغم أنه ليس هناك من حيث المبدأ أي تشابه بين حالتي كوريا الشمالية وحالة إيران. ففي الحالة الأولى يحاول بلد يعاني اقتصاديا ويواجه نظامه تحديات أمنية استخدام قدراته التكنولوجية في الجانب العسكري كمصدر قوة يمكنه، في إطار سعيه لحل مشاكله الاقتصادية والأمنية، أن يوازن به قوة خصومه على مائدة المفاوضات.

أما في حالة إيران، فإن ما حدث مع نهاية عقد الثمانينيات ومن خلال نظام العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة هو محاولة خلق مشاكل اقتصادية واجتماعية للنظام الثوري الإسلامي في إيران للعمل على إسقاطه، غير أن ما حدث هو أن نظام العقوبات قد عمل على تحفيز القدرات الكامنة لمواجهة التهديد الوجودي لبقاء النظام الإيراني وتوجيهها نحو تكنولوجيا التسلح بما في ذلك حيازة التكنولوجيا النووية. والأكثر من ذلك هو أن أمريكا، في حالة كوريا الشمالية، هي من تخلت عن التزاماتها بموجب الاتفاق، الأمر الذي حفز كوريا الشمالية على المضي قدما في تطوير برنامجها النووي.  

وينتقل بندر، الذي يصنف في الدوائر الأمريكية على أنه من جناح الصقور في العائلة المالكة في السعودية، بعد ذلك إلى قرار اوباما بإبرام صفقة مع إيران، فيكتب:

"الرئيس أوباما (...) اتخذ قراره بالمضي قدمًا في الصفقة النووية مع إيران وهو مدركٌ تمام الإدراك أن التحليل الاستراتيجي لسياسته الخارجية، والمعلومات الاستخبارية المحلية وتلك الآتية من استخبارات حلفاء أميركا في المنطقة لم تتنبأ جميعها بالتوصل إلى نتيجة الاتفاق النووي نفسها مع كوريا الشمالية فحسب، بل تنبأت بما هو أسوأ، إلى جانب حصول إيران على مليارات من الدولارات. فالفوضى ستسود الشرق الأوسط، الذي تعيش دوله حالة من عدم الاستقرار، تلعب فيها إيران دورًا أساسيًا."

وبالطبع فإن ذهاب بندر في مقاله، بالتلميح لا التصريح، إلى أن إيران يمكن أن تخدع الدول الخمس العظمى مضافا إليها ألمانيا لم يخلو من مبالغة ناهيك بالطبع عن أن إيران ليس لديها أي حافز لتقدم على ما قامت به كوريا الشمالية، على أن تركيز بندر هذه المرة بالتصريح وليس التلميح على المليارات التي ستحصل عليها إيران وعلى الدور الإقليمي الذي تلعبه إيران قد لامس جوهر المخاوف السعودية والإسرائيلية.

ثم يطرح بندر في مقاله السؤال التالي: " لماذا يصر الرئيس أوباما على عقد مثل هذه الصفقة رغم أنه يعرف ما لم يعرفه الرئيس كلينتون عندما عقد صفقته مع كوريا الشمالية؟" ويجيب بندر على السؤال الذي طرحه على النحو التالي:

"ليس الأمر بالتأكيد أن الرئيس أوباما ليس ذكيًا بما فيه الكفاية، ولكن لأنه ذكي بما فيه الكفاية. وأرى أن السبب الحقيقي وراء عقد هذه الصفقة هو أن الرئيس أوباما صادقٌ ومتصالح مع نفسه، ولأنه مقتنع تمامًا بأن ما يفعله هو الصحيح. واعتقده يرى أن كل ما يمكن أن يكون كارثيًا بسبب قراره هذا هو ضرر جانبي مقبول.لكن، من أكون أنا لأخرج بمثل هذا الاستنتاج العميق؟"

ورغم أن بندر لم يعد يشغل أي موقع رسمي وأن المقال بدا كما لو كان رد فعل عفوي لشخص ينتمي إلى الأسرة المالكة، إلا أنه لم يكن ليفت إدارة اوباما أن مقال بندر صاحب النفوذ في واشنطن هو في الواقع رسالة إلى الكونجرس الأمريكي بمجلسيه والى جزء هام من الرأي العام الأمريكي وأن هدف المقال محو ما يريد اوباما إقناع الكونجرس والرأي العام الأمريكي  به من أن السعوديين يؤيدون الاتفاق النهائي الذي تم التوصل إليه مع إيران.

كان من السهل، تماما كما اعتقد اوباما، أن يفهم مقال بندر من قبل المشرعيين الأمريكيين والنخب الإعلامية والفنية والثقافية وحتى الرأي العام على أنه وجهة النظر الرسمية للأسرة الحاكمة في السعودية، ذلك لأنهم لم يعرفوا بندر خلال أكثر من عقدين من الزمن في واشنطن سوى  كمعبر عن وجهة النظر الرسمية للسعودية. وما يعزز وجهة نظر أوباما هو أن بندر قد حرص في المقال ذاته على أن يذكر الأمريكيين بنفسه ليزيل أي شكوك يمكن أن تساورهم حول شخصه حيث كتب، في رده على سؤال "من أكون أنا لأخرج بمثل هذا الاستنتاج العميق؟" الذي أنهى به المقطع السابق من المقال، ما يلي:

"بكل تواضع، أنا رجل عمل مباشرة مع رؤساء الولايات المتحدة من جيمي كارتر حتى جورج دبليو بوش. وبكل تواضع، أنا رجل مثّل بلاده في الولايات المتحدة الأميركية العظيمة 23 عامًا، وقضى 17 عامًا من حياته يخدم في جيش بلاده. وإن كان كل هذا لا يؤهلني للإدلاء برأي مستند إلى معلومات أكيدة بشأن هذه المسألة، يمكنني أن أضيف أنني منذ 2005 وحتى 2015، شغلت منصب مستشار الأمن القومي لقادة بلادي، ورئيسًا للاستخبارات، ما مكنني من الاطلاع مباشرة على قرارات قيادة بلادي، وعلى التحليل الذي يقدمه الرئيس أوباما."
  
وينهي بندر مقاله، الذي يعبر عن وجهة نظره،  بالكشف عن حجم الفجوة الواسعة بين السعوديين من جهة، وإدارة اوباما من جهة ثانية، وذلك على النحو التالي:

"لقد قصرت ملاحظاتي على الاتفاق النووي الإيراني، لكن ثقوا بي حين أقول إن سياسات الرئيس بشأن الشرق الأوسط عمومًا وسوريا والعراق واليمن بصفة خاصة فتحت عيوننا على شيء لم نكن نتوقعه منه ويمكن مناقشتها في وقت آخر. أما الآن، وبكل تأكيد، أنا أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن صديقي العزيز، الثعلب القديم هنري كيسنجر، كان مصيبًا حين قال: ’على أعداء أميركا أن يخشوا أميركا، لكن على أصدقائها أن يخشوها أكثر.’ في النهاية ان الناس في منطقتي يتوكلون على الله ويعززون قدراتهم وتحليلهم للوضع بالتعاون مع الجميع، باستثناء حليفنا الأقدم والأقوى. هذا يفطر القلب، إلا أن الحقائق مرّة، ولا يمكن تجاهلها."

اكتفت إدارة اوباما برد مقتضب على مقال بندر نسب إلى مستشار لم يتم تسميته وركز على حب الأمير بندر وتبنيه لوجهة نظر الجمهوريين وهو الأمر الذي كان الأمريكيون، والديمقراطيون منهم على نحو خاص، يعرفونه جيدا منذ حضور السفير بندر في 5 نوفمبر عام 1992 بالمخالفة للأعراف الدبلوماسية إلى المقر الانتخابي للرئيس جورج بوش الأب في مدينة هيوستن بولاية تكساس ليتابع معه نتائج الانتخابات، وليظهر بشكل واضح انحياز سفير السعودية للمرشح الجمهوري الذي مني بالهزيمة في تلك الانتخابات الرئاسية لصالح المرشح الديمقراطي بيل كلينتون الذي بدأ الأمير بندر مقاله بمدحه.