السبت، 30 أكتوبر، 2010

الصراع الدولي على سقطرة

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء

عن صحيفة اليقين، العدد 4 ، 30 اكتوبر 2010

أصبحت جزيرة سقطرى فجأة محل اهتمام عدد من مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وتحول الحديث الخافت عن تنافس دولي على الجزيرة التي تبلغ مساحتها 3500 كيلو متر مربع إلى صيحات تتردد من هنا وهناك. وتناقلت وسائل الأعلام خلال الأيام الماضية أنباء عن تقديم الصومال مذكرة إلى الأمم المتحدة تطالب باعتبار أرخبيل سقطرة جزء من الصومال على اعتبار أن الأرخبيل الذي يعتبر جزء من الجمهورية اليمنية هو اقرب في موقعه الجغرافي إلي الصومال منه إلى اليمن. وقد تناقلت بعض المواقع اليمنية المشبوهة مؤخرا على لسان ما أسمته بخبير عسكري عربي قوله بأن جزيرة سقطرة قد أصبحت قاعدة عسكرية أمريكية الإ أن الواضح أن الخبر مفبرك وربما كان مصدره دوائر النظام. وذهبت صحف ومواقع وكتاب مقربون من النظام إلى التأكيد بان توقف الخطوط الجوية اليمنية عن القيام برحلات إلى جزيرة سقطرى المعزولة عن اليمن ربما كان سببه أن الجزيرة قد تحولت بالفعل إلى قاعدة عسكرية. ولا يستبعد أن تكون الحكومتين اليمنية والأمريكية تقفان خلف الأخبار والتسريبات التي تطلق كبالونات اختبار لردود فعل القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية.
ويمكن لأي قوة عسكرية في العالم تتمكن من بناء قاعدة برية وبحرية في سقطرى أن تصبح قادرة على حماية أو السيطرة على أربعة من أهم المضايق المائية في العالم وهي مضيق هرمز الذي يفصل الإمارات عن إيران، مضيق باب المندب الذي يفصل بين اليمن وجيبوتي وقناة السويس التي تمر عبر جمهورية مصر العربية، ومضيق ملقا الذي يفصل بين اندونيسيا وماليزيا. ضف إلى ذلك إن بإمكانه توجيه ضربات بالطيران أو الصواريخ إلى إيران وأفغانستان وباكستان والعراق والى كثير من الدول الواقعة على حوض البحر المتوسط وفي القارة الأفريقية دون أن يخشى تلقي ضربات مقابلة.
ومع أن نشوء صراع بين اليمن والصومال حول ملكية سقطرى في المستقبل هو أمر محتمل لأسباب كثيرة الإ أن مثل ذلك الصراع لا وجود له اليوم ولعل الغرض من تسريب خبر عن صراع مزعوم هو تهيئة الرأي العام لأمر ما أو تليين موقف طرف ما. والصراع الوحيد الذي تلوح بوادره اليوم حول جزيرة سقطرة التي تقع على مفترق طرق في المحيط الهندي ليس بين الدولة الفاشلة التي تسمى الصومال والدولة التي يتهددها الفشل والمسماة باليمن بل هو بين القوى الدولية وخصوصا بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.
بالنسبة للروس، الذين اتخذوا خلال العقدين الأخيرين من الحرب الباردة من الجزء الجنوبي من اليمن بما في ذلك جزيرة سقطرى قاعدة عسكرية ، فقد عبروا في عام 2009 صراحة عن رغبتهم في بناء قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرة إلى جانب بعض القواعد الأخرى في المنطقة لكن هناك الكثير من الشكوك حول جدية وقدرة روسيا في هذا الظرف بالذات على المضي قدما في وضع تطلعاتها المستقبلية موضع التنفيذ.
وبالنسبة للأمريكيين فان تطلعهم إلى بناء قاعدة في جزيرة سقطرة ربما يرجع إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى وتحديدا إلى عصر ضابط البحرية وعالم الإستراتيجية الأمريكي الفرد ماهان الذي ولد في عام 1840 وتوفي في عام 1914 والذي كان قد كتب في إحدى مؤلفاته أن من يسيطر على المحيط الهندي سيصبح لاعبا رئيسيا على الساحة الدولية. وفي إطار السعي الأمريكي للسيطرة على المحيط الهندي بنت الولايات المتحدة قاعدة دياجو جارسيا في ارخبيل تشاجوس على بعد حوالي 3 ألف كيلو متر من جزيرة سقطرة.
وإذا كانت طبيعة الصراع خلال الحرب الباردة (1945 وحتى عام 1990 ) والتواجد السوفييتي القوي في المنطقة قد جعلت الأمريكيين يصرفون النظر عن جزيرة سقطرة، فان الكثير من التطورات التي شهدها العالم في العشرين سنة الماضية والتي بدأت بانهيار الإتحاد السوفييتي، مرورا بأحداث سبتمبر وظهور الصين كقوة تجارية وصناعية كبرى ، وانتهاء بالحرب على الإرهاب واحتلال العراق والقرصنة والخلاف مع إيران، وغيرها من العوامل، كلها جعلت الاهتمام الأمريكي بسقطرى يعود من جديد بقوة هذه المرة.
وقد ظهرت التطلعات الأمريكية لتأسيس قاعدة عسكرية جوية وبحرية في جزيرة سقطرة بشكل واضح من خلال السعي الأمريكي لاحتواء التطلعات الروسية لبناء قاعدة في الجزيرة والتي كان أبرزها الزيارة التي قام بها الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات المركزية الأمريكية إلى اليمن في 2 يناير 2010 والتي خرجت بعدها مجلة النيوزويك الأمريكية بخبر عن توجه امريكي لتطوير سقطرة لتصبح قاعدة عسكرية كاملة. أما وسائل الإعلام الإيرانية فقد خرجت بعدها باتهام للرئيس اليمني بتسليم جزيرة سقطرى للأمريكيين. وبعد أيام من زيارة بترايوس إلى صنعاء أعلنت روسيا تمسكها بمطلب بناء قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرة.
ولعل المشكلة التي تواجه الأمريكيين في سعيهم إلى بناء قاعدة عسكرية في سقطرى هي مشكلة مادية. فالحديث عن قاعدة عسكرية يعني مطارات وموانئ ومنشئات وتجهيزات تحتاج إلى مليارات الدولارات وهو ما لا يتوفر للولايات المتحدة خلال الفترة الحالية. وربما أن الأمريكيين يسعون للحصول على موضع قدم فحسب وبما يكفل منع أي قوة أخرى من محاولة ملء الفراغ في المنطقة. أما ما عدا ذلك، فسيتم تركه للمستقبل.
وبالنسبة للحكومة اليمنية فان التنافس الدولي على جزيرة سقطرى والذي يتوقع أن يزداد خلال السنوات القادمة ليشمل كل من الصين واليابان وإيران وربما بعض دول الإقليم فانه يحمل معه العديد من الفرص. أما المخاطر التي يحملها فهي بالتأكيد اقل بكثير من المخاطر التي يحملها بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه.
ولعل أهم الفرص المتاحة هي الأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرا عن رغبة قطرية في الاستثمار السياحي في جزيرة سقطرى. وإذا ما صحت تلك الأنباء، وهي بالتأكيد صحيحة فان أمام الحكومة اليمنية فرصة بطرح الجزيرة ككل كمشروع سياحي وتجاري للتطوير على الأشقاء القطريين الذين يملكون احتياطيات مالية كبيرة ستمكنهم من تطوير البنية التحتية في الجزيرة وإنشاء المشروعات السياحية العملاقة التي لن تستطيع الحكومة اليمنية إنشائها. وبإمكان الحكومة اليمنية أن تطالب في مقابل منح الإخوة القطريين امتياز تطوير الجزيرة بمبلغ مالي مناسب كمقدم عقد يمكن توظيفه في انتشال اليمن من حالة الفقر والتخلف الذي تعيشه. وإذا لم يبد القطريون رغبة في مثل هذه الترتيبات فان بإمكان الحكومة اليمنية طرح مشروع تطوير سقطرى على الدول/الشركات الراغبة من خلال مناقصة دولية.

السبت، 23 أكتوبر، 2010

واقع ومستقبل الحوار الوطني الشامل

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء
عن صحيفة اليقين العدد 3 ، 23 اكتو بر 2010

مرت حتى الآن قرابة 100 يوم على توقيع اتفاق 17/7 بين السلطة والمعارضة بشأن الحوار الوطني، ومع ذلك فإن الحوار الذي ينظر الكثيرون إلى مسألة نجاحه بعين الشك والريبة ما زال في الواقع يراوح مكانه وما زالت العقبات العسيرة تقع أمامه وليس خلفه. أما ما تم تحقيقه خلال الأشهر السابقة، فقد تمثل في نجاح حزب السلطة وأحزاب اللقاء المشترك في الدوران حول المضمار والقفز على كل الحواجز ثم العودة إلى نقطة البداية. وتمثلت ابرز الحواجز الثلاثة التي تخطتها الأحزاب بشكل عام أولا في محاولة السلطة غير الحزبية بعث جثة اللجنة العليا للانتخابات، وثانيا في محاولتها إحياء سيء الذكر "مشروع تعديل قانون الانتخابات" وتقديمه إلى مجلس النواب، وثالثا، في محاولة السلطة غير الحزبية بناء حاجز جديد أمام القوى السياسية المدنية تمثل في لجنة المرجعية.
وقد تهاوت الحواجز الثلاثة بسرعة والى غير رجعة كما لو كانت قصور من ورق ليس بسبب رشد السلطة ولا نتيجة لقوة أحزاب اللقاء المشترك ولكن استجابة لفعل سياسي خارجي مستمر ومركز وهادف ربما دفع ثمنه السفير البريطاني في صنعاء. وقد تم دفن اللجنة العليا للانتخابات من جديد، وإعيد مشروع قانون الانتخابات إلى الدرج الصدئ الذي خرج منه. أما لجنة المرجعية فقد تم نزع أنيابها في قرار تشكيلها، والأرجح أن دورها لن يأتي الإ حين تختلف قوى الحوار الوطني حول "نواقض الوضوء" بحسب تعبير الدكتور الإرياني.
بالنسبة للنجاحات والإخفاقات التي شهدتها الأشهر السابقة، فقد تمثلت بالنسبة للحاكم وأدواته الحزبية في نجاحه في الحد من النشاط السياسي للمعارضة وإدخالها في حالة سبات عميق وإثارة البلبلة في أوساط قواعدها والاستمرار في إضاعة الوقت وتحقيق هدفه في تأجيل انتخابات ابريل 2011 إلى موعد غير معلوم كسياسة أمر واقع. ورغم أن الحاكم حاول استخدام اتفاق 17 يوليو لإشعال حرب سابعة في صعدة وضرب اللقاء المشترك بإثارة الخلافات بين صفوفه واللعب على أوراق الاختلافات السلالية والمناطقية والإيديولوجية داخله، الإ أن ما تحقق لم يكن بمستوى ما تم التخطيط له، ولا بمستوى الهجمة الإعلامية المنظمة، ولا بمستوى شراء الولاءات الذي تم ولا بمستوى الاستثمارات غير الأخلاقية من قبيل "قرية موناكو." وعلى صعيد الخسائر، فإن خطوات الحاكم وبقدر ما أضعفت المعارضة المدنية فإنها أعطت دفعة قوية للمعارضة الأخرى. ومني الحاكم بخسارة أخرى تمثلت في كشف بعض كروته داخل المشترك مما سيحرمه مستقبلا من اللعب بها.
أما أحزاب المعارضة فقد حققت نجاحين: الأول إقناع الجميع في الداخل والخارج بما في ذلك الحاكم بأن الحوار الوطني الشامل الذي لا يستثني احد بما في ذلك التمرد الحوثي والحراك ومعارضة الخارج هو المدخل الوحيد للتعاطي مع الأزمات القائمة وهذا النجاح لا يمكن لها ادعاء احتكاره. فالكثير من الأصوات داخل الحزب الحاكم وداخل السلطة وخارج اللقاء المشترك لعبت دورا جوهريا في تحقيق هذا النجاح وتثبيته كمبدأ سيكون من الصعب على أي قوة كانت على الساحة محاولة القفز عليه.
أما النجاح الثاني فقد تمثل في تمكنها كذلك ولأول مرة في تاريخها من التحول من لا عب داخلي ثانوي إلى لاعب إقليمي ودولي شأنها في ذلك شأن التمرد الحوثي الذي كان قد تحول إلى لاعب دولي خلال الحرب السادسة وشأن القيادات التاريخية للجنوب التي تمكنت خلال الفترة الماضية ولأول مرة من اكتساب الشرعية كفاعل دولي. وقد بدا ذلك الانتقال واضحا من خلال حرص وكيل وزارة الخارجية الأمريكية وليم بيرنز على اللقاء بها أثناء زيارته لليمن ومن خلال بيانات ووثائق ومواقف مجموعة أصدقاء اليمن. لكن هذا النجاح ذاته لا يعول عليه كثيرا ويخشى أن يتحول إلى قيد على أحزاب اللقاء المشترك وخصوصا وان ما يبحث عنه الخارج هو بيد السلطة وليس في جيوب المعارضة. كما أن هناك الكثير من الغموض حول قدرة أحزاب اللقاء المشترك على القيام بالدور الجديد في ظل حالة "الإملاق" التي تعيشها.
بالنسبة للوضع الحالي للحوار، فإنه يتم التركيز خلال هذه المرحلة على التواصل مع قيادات معارضة الخارج والحراك لدعوتها إلى الالتحاق بالحوار وهناك مؤشرات على أن جميع الأطراف ستقبل بالجلوس إلى مائدة الحوار وذلك لان الضغوط الخارجية، الإقليمية منها والدولية، تعمل في كل اتجاه وبقوة لا قبل لأحد بمقاومتها. لكن الحوار سيصطدم في القريب العاجل، وقبل أن ينتقل من مرحلة التحضير، إلى مرحلة النقاش والتقرير بعقبتين: الأولى هي اختلاف وجهات النظر حول مكان التفاوض؛ والثانية هي الاختلاف حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الخارج.
بالنسبة لمكان الحوار فهناك ثلاثة أطراف رئيسية لن تقبل بعقدة في الداخل نتيجة لأسباب تتعلق بالأمن وهذه نقطة تحظى بتفهم تام من قبل المجتمع الدولي ومن قبل الكثير من القوى في الداخل. ومع أن نقل الحوار من الداخل إلى الخارج ليس شيئا جديدا على اليمنيين أو غير اليمنيين، الإ أن المسألة في الوقت الحالي وفي ظل المعطيات السياسية القائمة لن تخلو من تعقيدات وخصوصا وان الحوار سيأخذ وقتا طويلا ولن يكون بالإمكان انجاز أجندته في أسبوع أو أسبوعين. وهناك بالطبع الكثير مما يمكن عمله، إذا ما حسنت النوايا وتعاون الجميع ووضع مصلحة الوطن نصب عينيه، لتجاوز هذه العقبة في حال حسنت النوايا..
أما العقبة الثانية، فستكمن في الخلاف الذي سينشأ حول الدور الذي يفترض أن يلعبه الخارج في حوار اليمنيين. من جهة، فإن حقائق السياسة والتاريخ والجغرافيا تقول أن قيام أي حوار بين اليمنيين، ناهيك عن إمكانية نجاح مثل ذلك الحوار، لن يكون ممكنا بدون وجود دور خارجي فاعل ومستمر. وتبين حقائق الواقع أن الخارج قد كان بمثابة الوقود الذي حرك قطار السياسة اليمنية في اتجاه الحوار خلال الفترة المنصرمة وقام بدور الكابح حتى الآن في منع انزلاقها خارج القضبان. من جهة ثانية، فإن الدور الذي يمكن أن يلعبه الخارج سيحتاج هو ذاته إلى إدارة وإرادة يمنية تتأكد باستمرار من بقائه جزءا من الحل وتمنعه من التحول مع مرور الزمن إلى جزء من المشكلة القائمة. ولن يخلو تعاظم الدور الخليجي من مخاطر أبرزها انه سيجعل الحوار والعملية السياسية ومستقبل البلاد مرهونا بظروف الخارج وتوجهاته وأجنداته المتغيرة ومخاوفه الأمنية.
ولا تمثل العقبات السابقة كل العقبات المتوقعة والتي يمكن أن تحول بين اليمنيين وبين الدخول إلى قاعة الحوار. كما أنها تقتصر على مرحلة التهيئة للحوار ولا تشمل العقبات التي ستظهر خلال الحوار ذاته. لكن هناك ما يبعث على الاعتقاد بأن العقبتين السابقتين ستكونان الأبرز والأصعب وسيتوقف عليهما مستقبل الحوار. أما بعد أن يجلس المتحاورون إلى مائدة الحوار فستكون هناك عقبات أخرى لكن ربما ليس بحجم العقبتين المشار إليهما أعلاه.
وستكون الأشهر الثلاثة القادمة بمثابة اختبار لمدى قدرة الأطراف السياسية اليمنية في السلطة والمعارضة على تحقيق تقدم واضح وملموس على صعيد الحوار. وستعلن نتيجة ذلك الاختبار في مؤتمر الرياض القادم الذي يتوقع عقده في فبراير 2011..



السبت، 9 أكتوبر، 2010

ثلاث أجندات أمريكية تتنافس على اليمن

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء

عن صحيفة اليقين، العدد 1
10 أكتوبر 2010

نظم معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن القريب من وزارة الخارجية الأمريكية يوم 8 سبتمبر 2010 ندوة بعنوان "إستراتيجية الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب في اليمن." وقد تحدث في الندوة، التي أدارها ستفن هيدمان، نائب رئيس المعهد ورئيس المجموعة المختصة باليمن، السفير دانيال بنيامين منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية وحضرها كل من توم كراجكسي وبربرا بودين السفيرين الأمريكيين السابقين في اليمن ولس كامبل مدير المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي لشئون الشرق الأوسط. وقد تابعت وقائع الندوة عبر "الوب كاست" وأثناء النقاش سألت السيد بنيامين عن ما اذا كانت الولايات المتحدة تتحدث في اليمن بصوت واحد أو بعدة أصوات وعن الطرف صاحب اليد العليا في اليمن .. هل هو وزارة الدفاع أو المخابرات المركزية الأمريكية وذلك على اعتبار أن وزارة الخارجية التي يفترض أن تكون المسيطرة تبدو باستمرار بمثابة الطرف الأضعف بين الجهات الثلاث وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي الأمريكي.
وقد طرحت السؤال لسببين. السبب الأول هو أن الإستراتيجية الأمريكية تجاه اليمن كما سمعتها خلال الندوة قد جاءت كما فهمتها كمحاولة للتوفيق بين ثلاث أجندات متنافسة وربما أيضا متناقضة وهي: أجندة السي أي إيه، أجندة وزارة الدفاع، وأجندة وزارة الخارجية.
أما السبب الثاني فهو أن بنيامين قد بدأ حديثه في الندوة بالتعليق على خبر كانت صحيفة الواشنطن بوست المقربة من المخابرات المركزية الأمريكية نشرته في 24 أغسطس 2010 قالت فيه أن محللي سي أي إيه يرون ولأول مرة منذ عام 2001 أن قاعدة الجزيرة التي تتخذ من اليمن مقرا لها باتت أكثر خطورة على الأمن القومي الأمريكي من القاعدة الأم التي تتخذ من الباكستان مقرا لها، وان أولئك المحللين برروا تقييمهم بأنه نتيجة للضربات التي وجهتها طائرات البردتورز التي تطير بدون طيار وتشغلها المخابرات.

وقد علق بنيامين على ما ورد في الواشنطن بوست بقوله انه لا يوجد لدى الإدارة الأمريكية نظاما للتقييم من ذلك النوع وان مثل ذلك التصريح الذي أوردته الصحيفة لا قيمة له. فالإرهاب النابع من اليمن، كما قال يمثل احد الاهتمامات الأمنية الرئيسية لكن القاعدة في باكستان تظل منظمة إرهابية ذات خطر هائل وغير عادي. ولا يخلو رد بنيامين رغم دبلوماسيته من تقليل من شأن النجاحات التي تدعي السي آي إيه تحقيقها في باكستان وتسعى لتكرارها في اليمن.
عودة إلى سؤالي، فقد رد بنيامين عليه بقوله أن السياسة الأمريكية تجاه اليمن تم تطويرها بالتعاون بين الجهات الثلاث أي بين وزارتي الدفاع والخارجية والسي أي إيه وان الولايات المتحدة تتحدث بصوت واحد في اليمن وانه أذا كان هناك من له اليد العليا بشأن السياسة الأمريكية في اليمن فهو الرئيس الأمريكي. وهذا الرد يمكن قبوله على المستوى النظري فقط. أما على المستوى العملي فان الوضع يبدو أكثر تعقيدا.
فعقب حديث بنيامين بحوالي أسبوع فقط نشرت صحيفة نيويورك تايمز خبرا ذكرت فيه وجود انقسامات عميقة بين وزارتي الخارجية والدفاع حول حجم الدعم العسكري المقترح لليمن والفترة الزمنية التي يغطيها ذلك الدعم. ففي حين اقترحت وزارة الدفاع إنفاق 1.2 مليار دولار خلال خمس سنوات في برنامج لتجهيز وتدريب الجيش اليمني فان مسئولين في الخارجية الأمريكية يعارضون التوجه بشدة. ويذهب مسئولون كبار في الخارجية الأمريكية بالإضافة إلى ستفن سش السفير الأمريكي الذي انتهت فترة عمله في صنعاء مؤخرا في معارضتهم لخطة وزارة الدفاع إلى القول بان وجود 500 إلى 600 عضو في القاعدة في اليمن لا يبرر بناء جيش بمعايير القرن الواحد والعشرين في دولة هي الأفقر في العالم العربي. أما موقف وزارة الدفاع فقد عبر عنه احد المسئولين بقوله "إذا كنا سنفعل هذا الشيء فلا بد أن نفعله بالطريقة الصحيحة بدلا من تقديم الدعم بالقطارة ثم إذا ساءت الأوضاع بدأنا في التساؤل عن الأسباب" مضيفا في إشارة إلى الوضع في اليمن "أنه مثل حريق في الغابة، تحاول جاهدا إخماده، ولا تقضي الوقت في التفرج عليه."
وبالنظر إلى الحجم المتواضع للمبلغ، وطول الفترة الزمنية التي سيقدم خلالها، وتواضع ما يمكن تحقيقه من خلال البرنامج فان الواضح أن الخلاف بين الخارجية والدفاع يبدو ابعد في نطاقه من الموضوع المطروح. ومع أن التنافس والاختلافات بين الجهات الأمريكية يعد أمرا طبيعيا ومتجذر في الفلسفة والبنية الدستورية للنظام السياسي الأمريكي الإ أن تلك الخلافات قد تعني غياب الرؤية المتفق حولها بشأن ما ينبغي فعله بشأن الحريق المشتعل في الغابة. وصحيح ان الرئيس اوباما كما يرجح محللون إستراتيجيون أمريكيون سيدعم خطة الدفاع على حساب الخارجية الإ ان ذلك وحده قد لا يكون كافيا.

الجمعة، 8 أكتوبر، 2010

مقارنة لمكافحة حركات التمرد في اليمن

منقول عن موقع الحدث اليمني
http://alhadath-yemen.com/news9646.html

2010/10/08 الساعة 16:53

الحدث اليمنية ـ ترجمة عبد الله عبد الوهاب ناجي، وجاسم محمد

تعد اليمن من بين أكثر الدول فسادا وأقلها نموا في العالم، وهو ما يفسر الاستمرار الطويل للحرب في الشمال و انفجار حركة الاستقلال في الجنوب. ويتعامل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح مع معارضة شرعية باعتقال صحفيين، وإطلاق النار على محتجين، وقصف مدنيين، إلى حد يرقى إلى مستوى جرائم حرب. وبينما ظل "صالح" لفترة طويلة يعمل على تمكين تنظيم القاعدة، إلا أن الهجوم الإرهابي خلال يوم عيد الميلاد الأخير أحدث نقلة حتمية جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية واليمن. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تخاطر بأن تصبح طرفا في القمع العنيف وتعزيز دعم نظام أحد اكبر الشركاء الطموحين التابعين لتنظيم القاعدة في العالم .

وتخوض الحكومة اليمنية ثلاث حملات لمكافحة التمرد. حيث يشكل كل من الانفصاليين الجنوبيين والمتمردين الشماليين وتنظيم القاعدة تحدياً للحكومة. وإذا كانت الدعوات للاستقلال، والثورة، أو الجهاد، قد نشأت جراء احتفاظ الدولة ببقائها كـ "مافيا" خصخصة، إلا أن القاعدة في اليمن وحدها تتجلى كتهديد عالمي. حيث رُبطت حادثة الهجوم الجهادي القاتل في مدينة "فورت هود" في شهر نوفمبر، ومحاولة تفجير إحدى الرحلات الجوية فوق مدينة "ديترويت" في شهر ديسمبر، بعناصر إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة في اليمن.

توسعت المطامح العالمية لتنظيم القاعدة في اليمن، في جانب منها، جراء افتقاره للمصداقية داخل اليمن، حيث يُفهم هناك على نطاق واسع بأنه كيان فاسد يتم استغلاله من قبل الدولة لتحقيق مكاسب سياسية. ورغم نقاهة "القنص" التي يقوم بها نظام الرئيس علي عبد الله صالح في الوقت الحالي ضد عناصر تنظيم القاعدة، إلا أن نظامه قد احتفظ بانفراج منفعي متبادل مع التنظيم لعقود من الزمن. فقد ظلت اليمن حاضنة ومصدرة للعناصر الإرهابية منذ ثمانينات القرن المنصرم. ومنذ العام 1992، استهدفت هجمات "تنظيم القاعدة" بشكل أساسي المصالح والسفارات والأشخاص الغربيين، مع الإبقاء على استثناء وحيد!

تواجه اليمن، غير "تنظيم القاعدة" التوسعي، صراعين داخليين مستمرين هما: حرب صعدة في الشمال والحراك الانفصالي في الجنوب. حيث نشأت كلا الحركتين المناهضتين للحكومة جراء التهميش الاقتصادي، والاستبعاد السياسي، الذي ألقى بظلاله على جميع اليمنيين باستثناء الصفوة. حيث استفادوا من إجماع شعبي مؤيد للديمقراطية عن طريق حديثهم عن التمييز في المعاملة، ومطالبتهم بتطبيق القانون، فميعت رواياتهم الورقة التي يلعب بها تنظيم القاعدة، من خلال تفعيل المظالم الوطنية المصممة على السياق المحلي.

وعلى النقيض من مراضاة اليمن لتنظيم القاعدة.. فإن عنف الدولة العشوائي الموجه ضد المقاتلين الحوثيين في الشمال والمتظاهرين الجنوبيين، والمدنيين أيضاً في كلتي مناطق الصراع، تسبب بتوسع دوامات الصراع والإحباط الشعبي. وقد أضحى فشل الدولة في احترام المبادئ المتعلقة بحصانة المدنيين مظلمة رئيسية مشتركه لكلا الحركتين. وتشرعن اليمن، مثلها مثل القاعدة، الهجمات ضد المدنيين، كسمة ضرورية من سمات تقدمها، التي يتم تبريرها بالهوية الذاتية. وعلى غرار تنظيم القاعدة، تعتبر الدولة اليمنية حشود السكان مقاتلين، وتؤيد الجهاد.

سياسة الولايات المتحدة ومخاوفها

خلال حكم إدارتين..لم تدن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا فيما ندر، تورط اليمن في حروب دموية ضد مواطنيها. فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدعي الحق في حماية مواطنيها من العنف العشوائي للعناصر الإرهابية في اليمن، فإن اليمنيين يدركونها هناك على أنها تقر العنف العشوائي أو إرهاب الدولة ضدهم. حيث تعتبر إدارة الرئيس "أوباما" الاضطرابات المحلية شئناً يمنياً داخليا، وتهديداً للأمن الإقليمي، وانحرافاً عن مسار أنشطة مكافحة الإرهاب .

تشعر سلطات الولايات المتحدة بالقلق تجاه مواطنيها العائدين من اليمن لسبب وجيه، وهو احتمال قيامهم بهجمات. حيث قال النايجيري فاروق عبد المطلب أنه تدرب في اليمن، لعملية ديسمبر الماضي، بجانب آخرين يتحدثون اللغة الانكليزية من غير اليمنيين. وقد اعتقل مكتب التحقيقات الفدرالي عدداً من الأمريكيين بتهم تتعلق بمؤامرات إرهابية، أو من ذوي الارتباطات العائدين إلى اليمن .

ورغم أن الرئيس صالح حليف مزدوج ومتقلب منذ فترة طويلة في الحرب على الإرهاب، إلا أن إدارة أوباما تبدو واثقة من إخلاصه الجديد المُكتشف. وتأمل إستراتيجية الولايات المتحدة الراهنة، مثلها مثل سابقتها، تعزيز قدرات الحكومة اليمنية في معالجة تهديد تنظيم القاعدة. فمنذ شهر ديسمبر الماضي، رفعت الولايات المتحدة من مستويات التبادل الإستخباري مع اليمن، ودعمها بالمعدات والتمويل.

إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال بعد أن تبين أن الهيكل القيادي لـ(تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية) كله ما يزال طليقاً، خلافاً لما أوردته عديد من البيانات الصحفية اليمنية الخاطئة. ففي السابع عشر من ديسمبر الماضي قتلت غارة جوية عشوائية 43 من المدنيين في محافظة أبين. فألهبت تلك الوفايات مشاعر مناهضة لأمريكا، وأججت المخاوف من غزو الولايات المتحدة لليمن، وأصبحت نقطة ضعف يستغلها تنظيم القاعدة في دعايته. وفي شهر يونيو الماضي قتل شيخ بارز موالٍ للحكومة في محافظة مأرب بواسطة غارة جوية خاطئة أيضاً بينما كان في موعد محدد يلتقي خلاله بعنصر مستسلم من تنظيم القاعدة. ما دفع رجال قبائل في مأرب لتفجير أنبوب نفط، وقطع طرق، ومقاتلة قوات الأمن. إن تفويض الأرياف اليمنية مشايخها القبليين يحتم على القوات العسكرية أن تتفاوض مع المشايخ لتمكينها من التنقل والعبور، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان الحصول على معلومات استخبارية في الوقت المناسب.

ونتيجة لذلك، فان اليمن يواجه مشكله أيضاً في تحديد مكان تواجد أنور العولقي، المدون اليمني-الأمريكي، ورجل الدين الذي نصب نفسه بنفسه، في محافظة شبوه. وأرشد العولقي كلاً من نضال حسن وفاروق عبد المطلب، ودعم عدداً من عمليات تنظيم القاعدة. دافعت السلطات اليمنية عن العولقي في البداية باعتباره واعظ متزن لكنها قالت بعد ذلك أنها سوف تقدمه إلى المحاكمة إذا ألقي القبض عليه. والمشكلة أن المحاكم اليمنية قد شرعت وأشادت بالجهاد في العراق. فإذا كان القانون اليمني يؤيد قتل الجنود الأمريكيين والمدنيين العراقيين في العراق، فلن يكن هنالك أي أساس لنتوقع أن التآمر في قتل الجنود الأمريكيين في فورت هود يتعارض مع القانون اليمني.

ويأتي التركيز على دعم التنمية الاقتصادية وتوفير الخدمات الأساسية لليمن في الشق الثاني من استراتيجيه الولايات المتحدة، بعد دعم قدرات اليمن في مكافحه الإرهاب، وذلك على عكس السنوات الماضية، عندما كان الإصلاح السياسي هو الهدف المحوري. وبهذا الخصوص، فإن التهديد المتنامي للإرهاب، والصراعات الدموية، والفقر الطاحن، كلها، ضاربة جذورها في "شخصنة الدولة".

حصيلة ثلاثين عاماً من النهب

تسعى الولايات المتحدة إلى إيقاف وقلب دينامية الوضع الاجتماعي والاقتصادي المقلق في اليمن، وذلك كجزء من النهج الكلي لحكومتها. إلا أنها مهمة شاقة إذا ما نظرنا إلى إن تلك الديناميات قد جرى ترسيخها طوال ثلاثين السنة الماضية، وشكلت الأسس لحكم الأقلية المجرمة في صنعاء. ذكرت "الوكالة الأمريكية للتنمية" في دراستها " تقييم الفساد في اليمن" أنه بينما جرى تدمير الأجهزة العسكرية والأمنية للدولة في سبيل مصالح شخصية، فقد برزت برجوازية طفيلية قبلية معتمدة على تعاقدات حكومية، وعلاوة على ذلك، فقد أحكمت قبضتها على موارد حكومية لتحقيق مكاسب خاصة. وبلغت تكلفة إجمالي الحالات الموثقة من الفساد والاختلاسات الحكومية في عام 2007 أكثر من 72 مليار ريال يمني.

تُصنف اليمن في المرتبة 166 من بين 174 دولة في معدل دخل الفرد الواحد. وتأتي في المرتبة 167 في مؤشر الحريات الصحافية. ويبلغ معدل البطالة فيها حوالي 40 %. ويعاني فيها ثلث البالغين من سوء التغذية. كما يعاني نصف أطفالها من التقزم البدني جراء الجوع المزمن. وتتسبب أمراض، يمكن الوقاية منها باللقاحات، بوفاة ثلث من إجمالي الأطفال دون سن الخامسة. وأما منح المساعدات فهي ذات تأثير محدود، حيث تم صرف 10% فقط من إجمالي 4.7 مليار دولار تعهد بها المانحون في عام 2006،ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عدم استكمال المستندات الورقية اللازمة.

يواجه اليمن في الوقت الراهن أزمات اقتصاديه متوقعه مادامت الروافع المديدة للفساد الكبير تحول دون الإصلاح. ففي حين يكلف دعم الديزل 4 مليارات دولار أميركي، فإننا نجد أن 50% من الديزل المدعوم يتم تهريبه إلى خارج البلاد. كما تراجعت العائدات النفطية، التي تمثل 70 % من الموارد المالية للدولة، أكثر من النصف في عام 2009. وبينما أضحى نظام المحاباة غير جذاب، فإن وتيرة العنف آخذة في الاطراد. ففي يونيو الماضي، دخل جنود في المحويت ومقاتلون قبليون آخرون في عمران- كانوا يطالبون بمتأخرات دفع لدى الحكومة- في مواجهات مع القوات المسلحة.

تعاني اليمن أيضا من نضوب المياه. وتحصل مدينة تعز، أكبر محافظة في اليمن، على المياه العامة مرة كل 45 يوماً، أما عملية زراعة القات، وهو شجرة منشطة، فتستهلك 40% من المياه المستخدمة، مع تكاليف ري تعتمد على ديزل مدعوم. وقد ظلت السياسات المائية العملية مركونة على الطاولة منذ سنوات، لأن عملية التنفيذ تستلزم تنسيقاً بين قطاعات الوزارات المتنافسة، فقدان شخص ما الفائدة والإرادة السياسية التي لا تمتلكها الجهة الإدارية.

ويقترن عجز الدول عن السيطرة على محيطها الجغرافي بعجزها عن السيطرة على محيط سلطة حكمها، وهو ما أدى هنا إلى إنتاج سياسات نصف منفذة، وغير عقلانية، ومتناقضة.

تولى علي عبد الله صالح منصبه كرئيس للجمهورية العربية اليمنية عام 1978، وأصبح رئيسا لليمن الموحدة 1990. وحكم "صالح" اليمن منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بقدر ما حكم الأئمة قبله، معتمداً في حكمه على العلاقات الشخصية، والعصبية القبلية، ومنظومة لمحاباة الأقارب والأصدقاء. ويتربع أقارب "صالح" والموالين له على قمة هرم الجيش والمخابرات وقوات الأمن، بالإضافة إلى مؤسسات حكومية، ووسائل الإعلام، ومؤسسات اجتماعية، بما فيها منظمات غير حكومية، وكثيراً ما يحدث ذلك كله في نفس الوقت. وتستهلك نفقات الرئاسة والبرلمان حوالي 20% من الإنفاق العام، كما تستهلك نفقات الجيش 25%. ومول "صالح" شخصياً بناء "جامع صالح" بتكلفة بلغت 120 مليون دولار.

ذريعة الديمقراطية

تعمل ماكينة دعاية، في غاية التدليس والتضليل، على تغليف السلطة اليمنية المتكلسة بشماعة "الديمقراطية". ومن الوهم أن يتعامل مانحو اليمن مع هذه السلطة بصفتها "فن الممكن الموجود". فممارسات السلطة الحقيقية في اليمن تدار من خلف الكواليس ومن خارج المؤسسات الرسمية.

يرأس صالح الحزب الحاكم "المؤتمر الشعبي العام"، وهو حزب الوصولية والمصلحة الذي يوظف وسائل الإعلام، والشرطة، والتوظيف الخاص بالخدمة المدنية، والقضاء، لسحق ومعاقبة معارضيه.

تعرض عاملون في أحزاب المعارضة، في أعقاب الانتخابات الرئاسية عام 2006، للسجن والقتل والضرب كعقوبة لمشاركتهم السياسية. وبينما جرى وصف انتخابات المحافظين غير المباشرة عام 2008 على أنها تقدم نحو الحكم المحلي، إلا أن مرشحي المؤتمر الشعبي العام فازوا في كل المحافظات، ماعدا محافظتين تم إسقاط نتائجها. كما جرى تأجيل الانتخابات البرلمانية من موعدها عام 2009 إلى عام 2011 وسط اتهامات متبادلة بين المؤتمر الشعبي العام والمعارضة "أحزاب اللقاء المشترك" حول الإصلاحات الانتخابية المتعثرة. وفي ظل عدم إحراز أي تقدم يذكر في هذا الشأن منذ عام 2006، فإن عملية إجراء انتخابات في المستقبل ما تزال موضع شك.

يهيمن المؤتمر الشعبي العام على البرلمان ومجلس الشورى، وهما مجلسان يتألفان في معظمها من المشايخ الموالين، والقادة العسكريين، ورجال الأعمال، ويعملان على تعزيز السلطوية القبلية والمركزية الاقتصادية. ويجري استبعاد تحالفات قبلية أخرى من السلطة تماماً، فيلجئوا إلى خطف الأجانب من أجل الضغط على الدولة للحصول على امتيازات.

وإلى جانب ما تملكه وتحضا به السلطة من جيش وحزب وأسلحة قبلية، ودعم من الولايات المتحدة، فإن نظام صنعاء عمد على التحالف مع الأصوليين الإسلاميين، وعمد من ناحية أخرى على إعاقة التعددية السياسية والتمكين الشعبي. حيث إن حادثة وفاة طفلة في الثانية عشر من عمرها بينما كانت في حالة ولادة لم تثني معارضة متطرفة عن مناهضة تحديد سن أدنى للزواج. وفي ظل وطأة الاعتداءات التي ترزح تحتها وسائل الإعلام المستقلة، ومواجهة الاحتجاجات السلمية بالرصاص والفتاوى، وغياب بعض أعضاء البرلمان منذ شهور، فإن الخيارات المتاحة أمام اليمنيين، حسبما تم توصيفها بشكل صارخ من قبل مسئول في الأمم المتحدة، هي: "الثورة، أو الهجرة، أو الموت."

انعدام الاستقرار الوطني:انعكاس للحكم الأسري

ترجع جذور حرب صعده في الشمال والحراك الجنوبي الداعي للاستقلال إلى فساد الدولة وعجزها عن إشراك قوى أخرى في السلطة. حيث بدأ كلا الصراعين بمطالبة المواطنين بالمساواة وحقوق المواطنة، وفرض عادل للقانون، والحد من انتهاكات حكومية. ولم تقم الدولة أبداً بمعالجة قضايا أساسية، من ضمنها التهميش الاقتصادي، والاستبعاد السياسي، أو حتى الإقرار بها كقضايا واقعية موجودة. وتكمن هذه القضايا أيضا وراء السخط القبلي، ووراء الاضطرابات الأهلية في مناطق أخرى. وفي هذا السياق، خلصت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أن السلطات اليمنية انتهكت قواعد القانون الدولي المتعلقة بحماية المدنيين بخصوص حرب صعدة وحركة الاحتجاجات في الجنوب.

ففي أعقاب محاولة هجوم عشية عيد الميلاد، حثت الولايات المتحدة اليمن على إيجاد حلول للمناطق غير المستقرة، وتركيز جهودها لمكافحة تنظيم القاعدة. وبهذا الشأن، انتهت الجولة السادسة من حرب صعدة في فبراير، على الرغم من أنه من غير المرجح استمرار السلام. وخلال فترة التهدئة التي أعقبت تلك الحرب المفتوحة، كثفت القوات المسلحة حملاتها العسكرية في الجنوب، حيث استحدثت مواقع عسكرية وطوقت الحصار وقصفت عديد من المناطق هناك.

أعلن الرئيس صالح عفوا عاما في 22 مايو، الذكرى العشرين للوحدة اليمنية. وشمل العفو حوالي 3000 سجينا سياسيا بمن فيهم صحفيين، وناشطين، ومحتجين جنوبيين، ومتمردين حوثيين، وعدداً من الأطفال. ومع ذلك، فإن عدد الذين تم إطلاق سراحهم بلغ نحو 800 سجين فقط، وهو ما يعزز من فقدان مصداقية الدولة ويثير أعمال شغب في السجون. وهذه هي المرة الرابعة منذ عام 2005 التي تقطع فيها الحكومة وعداً بالإفراج عن سجناء حوثيين دون أن تفي بوعدها.

جذور "التمرد الحوثي"

يمكن إرجاع حرب صعده إلى الثورة الجمهورية عام 1962 عندما أطاحت الجمهورية العربية اليمنية بحكم الإمامة الزيدية، والتي حكمت اليمن قروناً من الزمن. حيث كان الحكم خلال عهد الإمامة محصورا على الهاشميين فقط، والذي يعود نسبهم إلى الرسول محمد. ورغم مكانتهم الطبقية الرفيعة، فقد انخرط عدد من الهاشميين في صفوف النضال من أجل التحرر من النزعات الانعزالية والمحسوبية والقبلية في ذروة العهد الإمامي في القرن العشرين. إلا أن الموجة الاجتماعية المضادة التي أعقبت الثورة مهدت الطريق لإحياء المذهب الزيدي بعد عقود لاحقة من الزمن، بعدما استثيرت واستدعيت بشكل جزئي جراء المد السلفي في تسعينيات القرن الماضي.

وتشكلت جماعة تدرس فكر الزيدية تحت اسم "الشباب المؤمن" في تسعينيات القرن المنصرم، وقدمت منشوراتها أفكاراً شوهت هالة الجذب لدى "القاعدة"، ذات الفكر السلفي، في كل أدبياتها تقريباً. وبدأ القتال مع الدولة في عام 2004 عندما اشتبكت قوات الأمن مع أعضاء من "الشباب المؤمن" بينما كانوا يهتفون "الموت لأمريكا"، في معارضة منهم لحرب العراق. وتوافدت الجماعة، التي يبلغ عددها بالمئات، نحو محافظة صعدة الشمالية وحاربت تحت لواء قائدها حسين الحوثي، الذي قتل في عام 2004.

وكان حسين الحوثي وأخوه يحيى الحوثي أعضاء في البرلمان، ولم يعارض أبداً طبيعة الحكم الجمهوري للدولة. وكبر كيان المقاتلين غير المنظم، الذي يدعى الآن بـ: "الحوثيين"، ليبلغ حوالي 7000 مقاتل ويتزعمه عبدالملك الحوثي، شقيق حسين. وأوكلت مهمة قيادة المجهود الحربي للدولة في حرب صعدة إلى الجنرال علي محسن الأحمر، وهو الأخ غير الشقيق للرئيس، وسبق أن جند مقاتلين لصالح أسامة بن لادن.

مظالم وحكايات الحوثيين: قلب إجباري للمعني

يؤكد الحوثيون على أنهم يشنون حرباً دفاعية، وأنه لم يكن لديهم أي مشروع سياسي مبيت، وأنهم لم يؤطروا الحرب بشعارات طائفيه- كما فعلت الدولة. كما يشكو الحوثيون من افتقارهم للتنمية الاقتصادية، ومن التمييز الطائفي الممنهج ضدهم. وقد استبدلت الدولة خطباء مساجد سلفيين بخطباء زيديين في بداية عام 2005، ومنعتهم أيضاً من الاحتفال بـ: "يوم الغدير"، وهي يوم إجازة سائدة جرت فيها العادة عندهم، وصادرت الحكومة كتباً مهمة خاصة بالمذهب الزيدي، الذي يمثل قرابة 40% من سكان اليمن .

استخدمت الدولة مقاتلين قبليين متطوعين، ومقاتلين جهاديين خلال حرب صعدة، وحتى أثناء فترات وقف إطلاق النار. وقد تم صرف المليارات على هذه الحرب، والتي شجعت في خلق اقتصاد حرب يديم نفسه بنفسه، ويفيد تجار السلاح، وزعماء القبائل، ومسئولين في الحكومة، والذين استمروا في التأجيج من أجل استئناف دوامة الحرب.

وبحسب بيان صادر عن "لجنة التشاور الوطني" عام 2010، فإن عبد الملك الحوثي أبدى استعداد جماعته للدخول في المشاركة السياسية، داعيا إلى مشاركة أوسع تشمل كافة الناس في النظام السياسي، وإلى وعي أكبر لدى المواطنين بحقوقهم. وجاء ذلك بعدما وجهت له لجنة التشاور وجهة نظرها حول إمكانية تنظيم جماعته في إطار سياسي.

وأشارت مؤسسه "راند" بأنه "على الرغم من شعار الحوثيين المناهض لإسرائيل وأميركا، فإنهم لم يستهدفوا مواطنين أمريكيين أو منشآت و معدات أميركية، بل إنهم يشاركون الولايات المتحدة نفس العداء تجاه بعض الخصوم في المنطقة، ومن بينهم "الوهابية" التوسعية المتعصبة، وأنظمة الحكم الاستبدادية".

مكافحة التمرد في حرب صعدة: قصف قرى واعتقال أطفال

إن أساليب الدولة في مواجهة التمرد في حروب صعدة الست منذ 2004 حولت سبعمائة ألف من سكان صعدة والهاشميين إلى مقاتلين. واتسمت حرب صعدة بفرض حصار مضطرد على الغذاء والدواء، واعتقالات تعسفية في كل أنحاء البلاد. وشرد القصف العشوائي الذي شنته الحكومة خلال عام 2005 أكثر من 50.000 من السكان. وخلال "عملية الأرض المحروقة" عام 2009، دمر القصف اليمني والسعودي أكثر من 9000 مبنى، بينها مساجد ومدارس ومنازل وقرى بأكملها. وبحلول عام 2010، كان عدد المشردين داخلياً قد ازداد أكثر من 300000. وبهذا الخصوص، رصدت الأمم المتحدة، من خلال النداء الذي أطلقته من أجل اليمن، 30 في المائة فقط من إجمالي المساعدات المطلوبة، ثم أنه ماذا تعني تلك المساعدة في ظل حصار يحول دون إيصاله.

وصف مسئول رسمي يمني الهدف من وراء الحصار بالقول: "عندما يبدأ السكان بالإحساس بمعاناة الجوع وينقطع مصدر دخلهم، فإنهم سيضطرون في نهاية المطاف إلى تسليم الحوثيين في مناطقهم". واعتبرت "هيومن رايتس ووتش" الحصار بأنه عقوبة جماعية وانتهاك للقانون الدولي الإنساني والذي ينص على حق المدنيين في الحصول على الإغاثة الإنسانية الضرورية لبقائهم ."

وقد كانت عمليات وقف إطلاق النار السابقة عبارة عن خطوات تكتيكية للحرب، أكثر من كونها إستراتيجية لإيقافها، وفشلت الحكومة مراراً وتكرارا في الوفاء بالتزاماتها في هذا النحو. حيث جرى اعتقال لجنه تقصي الحقائق المعينة من قبل الحكومة عام 2007 بعد أن ذكرت أن الجانب الحكومي فشل في تنفيذ عدد من التزاماتها بخصوص وقف إطلاق النار، ومنها إعادة إعمار ما دمرته الحرب وإطلاق سراح السجناء المتمردين. كما جرى اعتقال لجنه إعادة الإعمار بعد أن أصدرت تقرير "مسح الأضرار"، الذي ذكر أن حجم الخسائر، التي لحقت بالممتلكات والبنيات التحتية جراء قصف القوات الحكومية، تجاوز مليارات من الريالات .

وعلاوة على اعتقال مقاتلين متمردين وتعذيبهم في كثير من الأحيان، تورطت الدولة على نطاق واسع بـ: "اعتقالات وقائية" لأولئك المشبهين بتعاطفهم مع المتمردين، وذلك على أساس هويتهم المذهبية أو منطقتهم الجغرافية أو ارتباطاتهم العائلية. وتعرض عدد من الأطفال المسجونين لتعذيب روتيني.

إن استمرار وتيرة الاعتقالات والاغتيالات، وحملات التضليل في الوقت الذي ما يزال فيه سجناء حوثيون يقبعون في المعتقلات، تنذر باحتمال اندلاع حرب سابعة.

جذور الحركة الجنوبية

إذا كانت أساليب الدولة في مواجهة التمرد في حرب صعده الشمالية قد عرفّت أعداءها المحاربين على أساس مذهبي ومناطقي وعرقي، فإن عدوها المحارب في الجنوب هو أي شخص يتواجد في الشارع، حيث استهدفت الشرطة متظاهرين سلميين بالذخائر الحية والاعتقالات. وربما يكون حراك الانفصال في الجنوب هو التهديد الأكبر بين حركات التمرد الثلاث، التي تواجهها السلطة اليمنية. وهي الحركة الوحيدة التي تسعى إلى تغيير جذري في طبيعة الدولة اليمنية.

ففي حين أن الجمهورية العربية اليمنية في الشمال قد تولدت من رحم سلطة دينية، إلا أن تاريخ الجنوب مختلف جدا. حيث استعمر البريطانيون مدينة عدن الساحلية عام 1839، وأنشئوا محمية في اليمن الجنوبي. وقامت مجاميع قومية بطرد البريطانيين في عام 1967. فالتركة البريطانية في جنوب اليمن يقصد بها هنا أن الجنوبيين استبدلوا، إلى حد ما، المعايير القبلية بالقيود المدنية، وطوروا فرص تكافؤ اقتصادية وسياسية بين الجنسين. وبنيت دولة الجنوب في أعقاب 1967 على أسس بيروقراطية عادلة خلفها البريطانيون.

كانت "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" دولة مريدة للسوفيتية الماركسية اللينينية، آوت "كارلوس الثعلب"، وقد سعت جاهدة لأن تصبح مدينة "بروليتارية" فاضلة، إلا أن الفساد والاقتتال الأهلي سرعان ما أسقطها. واضطر العديد من الناس إلى اللجوء إلى المنفى جراء مصادرة الدولة للأراضي واستهداف خصوم سابقين. وقام الرئيس علي ناصر محمد عام 1968 بتوجيه أوامر باغتيال رفاقه في المكتب السياسي. وبعد اندلاع حرب أهلية حينها، تولى حيدر أبو بكر العطاس السلطة. للعلم أن عجز قوى الحراك الجنوبي عن التكتل والانضواء تحت جبهة واحدة يرجع إلى التنافس المحتدم ما بين فصائله منذ عقود من الزمن.

توحد في عام 1990 اثنا عشر مليون نسمة في الجمهورية العربية اليمنية مع مليوني نسمة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تحت الدولة الحديثة "الجمهورية اليمنية"، وتم ذلك على أساس نظام ديمقراطي يعتمد على تقاسم السلطة- حتى ولو كان بشكل نظري. فأصبح صالح رئيسا لجمهورية اليمن الموحد، وأصبح نائباً له علي سالم البيض، وهو قيادي في الحزب الاشتراكي اليمني.

وسادت التوترات جراء سيطرة الهيمنة الشمالية، حيث تم اغتيال 150مسئولاً في الحزب الاشتراكي اليمني في أعقاب دولة الوحدة. فأعلن "البيض" الانفصال عام 1994 واندلعت الحرب الأهلية. واستثمر الرئيس صالح توظيف المقاتلين "العرب الأفغان"، العائدين من أفغانستان، كقوة عميلة مأجورة، وحصل على دعم مادي في المجهود الحربي من قبل أسامة بن لادن. فأصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرارين رقم 928 ورقم 931، اللذين ألح فيهما على وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات .

وبعد ثلاث أشهر من القتال، جرى أغلبه في الجنوب، استطاعت قوات صالح من تحقيق نصر عسكري ساحق. وقد تعرضت عدن إلى نهب تام في أعقاب الحرب، ونصبت القوات المسلحة الشمالية معسكرات ونقاط تفتيش على طول الجنوب مازالت ماثلة حتى يومنا هذا. أما أنصار علي ناصر محمد اللذين قاتلوا ضد الانفصاليين الجنوبيين فقد تم تعينهم في مناصب عليا في فترة ما بعد الحرب، لتخليق وهم مفاده قيام صالح بتحرير خصومه الجنوبيين السابقين سياسياً.

مظالم وحكايات الجنوب: بلد محتل

على عكس العدد المحدود للمقاتلين الحوثيين.. يقف وراء حركة الاستقلال الجنوبية 70% من الأفراد البالغين في نطاق "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" سابقاً، بحسب ما وجده أحد المسوحات الميدانية. وعلى الرغم من أن هناك عديد من الجنوبيين ممن يرحبون بدولة موحدة صالحة، إلا أنهم في الوقت ذاته قد فقدوا الثقة تماماً في أن يتولى حكمها الرئيس صالح ونظامه السياسي. وعلى غرار حروب صعدة، توسع الحراك الجنوبي بشكل كبير كردة فعل على أساليب الدولة في مواجهة التمرد.

وتؤكد روايات الجنوبيين بان الوحدة جرى إعادة فرضها بالقوة في انتهاك لقراري الأمم المتحدة 928 و 931، وأن "جمهوريه اليمن الديمقراطية الشعبية" بلد محتل. حيث طُرد مئات الآلاف من الجنوبيين من وظائفهم الحكومية والجيش في أعقاب حرب صيف 1994. ويحصل "المتقاعدون" العسكريين الجنوبيين على مرتبات تقاعدية لا تفي بمتطلبات مستوى المعيشة واقل من نظرائهم في الشمال.

وجرى استبعاد الجنوبيين من التوظيف الحكومي، والمنح الدراسية، وتم مصادرة أراضيهم بشكل واسع، وهو السبب الرئيس الذي أدى إلى عدم الاستقرار في الجنوب. وزادت سلطتا القبلية والأصولية الإسلامية الظافرتان معاناة أخرى من الاضطهاد الاجتماعي الملموس على معاناتهم. أما الثروة النفطية في اليمن، التي جرى اكتشاف معظمها في "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" سابقاً، فقد تم استغلالها من قبل النخبة الشمالية لمكاسب شخصية. وهكذا تكور بركان اليأس والإحباط بصمت لدى الجنوبيين لعقد من الزمن، حتى اصطدم كثير من الشماليين والدبلوماسيين الغربيين عندما تفجر إلى الشوارع عام 2007.

وأعلن المنفي علي سالم البيض في 2009 دعمه للحراك الجنوبي وأصبح رمزاً له. وجرى استقبال واقعة تخلي طارق الفضلي عن الرئيس صالح، وهو أحد مواليه السابقين في الجنوب، بفرح عظيم. ومع هذا وذاك، فقد فشل كل من "البيض" و"الفضلي" في توحيد دفة الحراك، أو إيجاد أي طريقة لتمثيله، أو الوصول إلى أرضية مشتركة له. وطالب البيض بإجراء استفتاء تحت إشراف دولي حول الوحدة في الجنوب، وطالب أيضاً بإجراء تحقيق قي جرائم الدولة ضد المدنيين .

مكافحة تمرد المحتجين الجنوبيين: إطلاق النار على الجماهير

في أعقاب الانتخابات الرئاسية عام 2006، بدأ الجنود المتقاعدون قسرا بقيادة الجنرال "ناصر النوبة" بتنفيذ فعاليات احتجاجية شعبية ضد المعاملة غير المتساوية للمتقاعدين، التي يطلق عليها اسم "حزب خليك في البيت". وعندما توسعت دائرة الاحتجاجات، حاولت السلطة اليمنية استمالة قادتها عن طريق مبادرة تهدف إلى إعادة ضباط جنوبيين إلى مراكزهم السابقة مقابل أن يتوقفوا عن نشاطهم السياسي، لكن العرض قوبل بالرفض. وسرعان ما تصدرت قضايا أخرى إلى الواجهة، من بينها قضايا سطو مكشوف للأراضي من قبل مسئولين رفيعي المستوى في السلطة. ومع أن الرئيس صالح شكل لجاناً لهذا الغرض، والتي بدورها قدمت أسماء مقربين منه كناهبي أراضي، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء ضدهم

إن حركة الاحتجاجات، ذي الثالثة ربيعاً، دفعت بمئات الآلاف من الجنوبيين إلى الشوارع جراء دوامة العنف الوحشية التي تشنها الحكومة، وموجة الاعتقالات الجماعية التي ألهبت مشاعرهم. حيث قتل وجرح المئات نتيجة إقدام الشرطة بشكل روتيني على فتح النار على المحتجين العُزل. وقد توفي بعض من المحتجين في الزنازين، وتعرض بعض آخر منهم للتعذيب حتى الموت حسبما هو مزعوم. وفاقمت الاعتقالات الجماعية من وتيرة التصعيد. كما أن هناك انتهاكات حكومية أخرى تتضمن اغتيالات مترصدة ورفض تقديم الخدمات الطبية. وعليه، فقد قام محتجون جنوبيون برفع الأعلام الأمريكية والبريطانية بجانب علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقاً، وشنقوا دمى للرئيس صالح.

قالت إدارة أوباما في شهر مارس الماضي بأن الاضطرابات الجنوبية هي شأن داخلي يمني، وفي غضون أيام من ذلك، شنت اليمن هجمات بالدبابات، وقطعت خطوط الهاتف، واعتقلت ناشطين. كما فرضت اليمن في شهر مايو الماضي حصاراً على محافظه الضالع، التي تعد بؤرة الغضب المناهض للحكومة، وأخذت بقصف وتدمير78 من منازلها.

وفي شهر يونيو من الحصار كسرت قافلة سلام من محافظة تعز الحصار من أجل إدخال الغذاء. وقد فشلت الدولة في الوفاء بتعهداتها، كما هو الحال في صعده . ففي حين أنه جرى إبرام اتفاق ينص على أن يتوقف المتظاهرون عن قطع الطرق مقابل انسحاب الجيش من المواقع المستحدثة، إلا أن أعمال عنف اندلعت من جديد عندما رفض قائد عسكري إخلاء أحد المواقع العسكرية في الضالع .

وبالإضافة إلى لغة الردة التي يوظفها نظام صالح، فإنه يكرس أيضاً لغة عنصرية، فقد استخف الرئيس صالح بالجنوبيين بوصفهم: "صوماليين، اندونيسيين و هنود " في إشارة منه إلى لون البشرة السمراء التي تسود في أوساط الجنوبيين أكثر عمن سواهم. ورفض مسئولون يمنيون الفيدرالية كشكل من أشكال تقاسم السلطة مع الجنوبيين، وقد قالوا أن قادة الانفصال والحوثيين سوف يستثنوا من الحوار الوطني الذي طالما وعدت به السلطة.

جرمت اليمن حرية التعبير والأنشطة والصحافة التي تدافع عن حصانة المواطنين من الهجمات التي تشنها الحكومة في الجنوب، مثلما هو واقع الحال في حرب صعدة. وهو ما يمكن اعتباره بجبهة رابعة في قائمة حركات التمرد التي تكافحها الدولة، حيث تشمل الحرب الموجهة ضد الصحفيين والناشطين اعتداءات جسمانية، وإجراءات قضائية وإدارية مثل الاعتقالات، إغلاق الصحف واستنساخها، حجب المواقع الإلكترونية والقرصنة عليها، وفرض الغرامات. وقد أثار إغلاق صحيفة الأيام الصادرة من عدن والإخفاء القسري للصحفي محمد المقالح اضطرابات كبيرة.

مراضاة "القاعدة" هي القاعدة

إذا كانت السلطة اليمنية قد قامت بأعمال عنف عشوائية وغير متكافئة ضد المدنيين والصحفيين وتلك الحركات المناهضة، فإنها، في الوقت ذاته بالمقابل، قد منحت تنظيم "القاعدة" فرصاً للتفاوض، ومراضاة، وتسهيلات- كما يقول البعض. ويأتي اتخاذ تنظيم القاعدة لليمن مركزاً لنشاطه الخارجي، كثمرة لتاريخ طويل قضّته حكومة صالح في صناعة تحالفات وهدنات تكتيكية مع هذه الجماعة الإرهابية.

جذور تنظيم القاعدة في اليمن

قام الأخ غير الشقيق للرئيس صالح، العميد علي محسن الأحمر، بمباركة أمريكية، بتجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين لصالح أسامه بن لادن وإقامة معسكرات تدريب في اليمن، وذلك خلال عقد الثمانينات من القرن المنصرم. وشكل المقاتلون اليمنيون نواة دائرية موثوقاً بها حول بن لادن، وعملوا معه كطباخين، وسائقين، وحراساً شخصيين، وأمناء، ووسطاء. وما يزال علي محسن الأحمر واحداً من بين الشخصيات الأكثر قوة في اليمن، وهو من قاد عمليات الجيش الوحشية في محافظة صعدة. ويتمتع تنظيم القاعدة في اليمن بعلاقات حميمية طويلة الأمد مع قيادة تنظيم القاعدة المركزية، تميزه عن بقيه فروعه الإقليمية الأخرى.

وقد استقبل الرئيس صالح آلافاً من العائدين الجهاديين، يمنيين وغير يمنيين، بصفتهم أبطال، بعد هزيمة السوفيت في أفغانستان. وقام بتجنيد حوالي 5000 منهم خلال الحرب الأهلية عام 1994. كما زود أسامه بن لادن الرئيس صالح بالسلاح والذخائر والمقاتلين. وجرى الترويج لتلك الحرب الأهلية في اليمن، مثلها مثل سابقتها "حرب أفغانستان"، بصفتها جهاد ضد الملحدين الماركسيين الفاسقين، وهو التوصيف ذاته الذي ما انفك الرئيس صالح يستخدمه في وصفه لحراك الاحتجاج الجنوبي .

وقد كافأ صالح عديد من الجهاديين الذين سبق وأن قاتلوا بجانبه بمراتب عسكرية قيادية، ومناصب سياسية أو مراكز مدنية. وبينما جرى كثيراً تصوير عمليات الدولة المتواصلة في إدماج عناصر القاعدة في المجتمع منذ تسعينات القرن المنصرم على أنها مبادرة ايجابية لاجتثاث جذور المتطرفين، إلا أن تزايد أعدادهم رفع من مخاوف مفادها أن تنظيم القاعدة قد استمال "عناصر" الدولة.

واصلت الحكومة استخدامها للمرتزقة الجهاديين خلال حرب صعده ضد المتمردين الحوثيين. حيث عممت وزارة الدفاع نشر فتاوى ضد المقاتلين الشيعة، وعمل المدير العام لمكتب علي محسن الأحمر، وهو متطرف، على تلقين الجنود بتلك الأفكار خلال صلوات الجمعة، شارحاً: " إن دم الحوثيين مباح". كما قال مؤخراً حسن زيد، رئيس احد أحزاب المعارضة، بأن وجود معسكر كبير لتنظيم القاعدة في محافظه صعده" هو أحد معوقات السلام الدائم" بين الدولة ومقاتلي الحوثي.

مكافحة الإرهاب كباب دوار

تفاوض بن لادن في عام 1999 مع اليمن من أجل إطلاق سراح احد عناصر القاعدة يدعى خالد بن عطاش. وعليه أطلقت اليمن سراح "عطاش" ووعدت بعدم الدخول في مواجهة مع القاعدة، لتحدد تلك الصفقة أنموذجاً للدبلوماسية السارية بين الطرفين منذ عقد من الزمن. وبالمقابل تعهد بن لادن بعدم مهاجمة اليمن. بيد أن "عطاش" ما لبث أن شارك في الهجوم على المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" في ميناء عدن في أكتوبر عام 2000، والذي راح ضحيته سبعة عشر من أفراد القوات الأميركية. وجرى توجيه هذا الهجوم من قبل أسامه بن لادن من أفغانستان، وقد استخدم الإرهابيون وثائق يمنية رسمية للتسريع بترتيباتهم الخاصة بالعملية.

وفي عام 2003 منحت القاعدة النظام اليمني هدنة أخرى، حيث امتدحت الرئيس صالح واصفة إياه بـ: "القائد العربي المسلم الوحيد الذي ليس بعميل للغرب". و بعدها لم تنفذ القاعدة هجمات داخل اليمن لعديد من السنوات، ويُعزى ذلك إلى تعزيز التعاون ما بين الولايات المتحدة واليمن حينها، ومع ذلك، يبدو أن النظام اليمني وتنظيم القاعدة التزما وقتها بمعظم بنود الصفقة، وقد رفضت اليمن تسليم عناصر تنظيم القاعدة جابر البناء، وأنور العولقي، والمتآمرين المتهمين بمهاجمة المدمرة الأميركية كول وهما جمال البدوي وفهد القصع.

سافر آلاف من اليمنيين إلى العراق من أجل الجهاد، وشكلوا ما نسبته 20% من المقاتلين الأجانب هناك. كما استخدم عدد كبير من السعوديين وغيرهم من الأجانب المسلك المباشر لنظرائهم اليمنيين المؤدي إلى العراق. حيث ذكرت صحيفة يمنية أن عدد اليمنيين الذين سافروا إلى العراق من أجل الجهاد تجاوز 1800 شخص خلال عامين انتهت عام 2007. وذكر أهالي بعض أولئك الانتحاريين أنه جرى تدريب أبنائهم وذويهم على اطلاع من مسئولي الأمن، وتم تزويدهم بدعم لوجستي من قبل قادة عسكريين كبار "معروفين لدى أصدقائهم الجهاديين".

أُفرج عن أكثر من 360 من أفراد القاعدة من السجن بعد مشاركتهم في برنامج إعادة التأهيل الخاص باليمن. وعمل " برنامج الحوار"، الذي أداره القاضي حمود الهتار، وزير الأوقاف الحالي، على تثبيط فكرة الجهاد في اليمن لدى المستهدفين، إلا أنه لم يمانع أن يكون ذلك في العراق. ووصف بعض الخريجون البرنامج بالتمثيلية. وبالمقابل، فإن السجناء الحوثيين غير مستحقين لبرنامج إعادة تأهيل- من وجهة نظر الحكومة اليمنية. وقد توقف البرنامج في عام 2005 بعد أن عثرت الولايات المتحدة على بعض خريجي البرنامج التأهيلي وهم يقاتلون في العراق. ويأمل "الهتار" أن يعيد إطلاق برنامجه إذا أعادت الولايات المعتقلين اليمنيين من خليج غوانتناموا.

وتعتبر حوادث هروب السجناء في اليمن حق حصري بتنظيم القاعدة. حيث هرب عشرة سجناء في عام 2003 من أحد سجون محافظة عدن بينما كانوا في انتظار الإيذان بمحاكماتهم على خلفية تفجير المدمرة الأميركية كول. وما لبث فهد القصع أن استسلم في مارس 2004 وحكم عليه بالسجن مدة 10 سنوات، إلا أنه تم إطلاق سراحه في عام 2007، ليظهر عام 2010 في شريط فيديو منسوب للقاعدة يهدد فيه الولايات المتحدة. إلى ذلك، فر 23 سجين من الأعضاء ذوي الأهمية البارزة في تنظيم القاعدة في عام 2006 من سجن أمن مشدد الحراسة، حيث جرى ذلك تحت موافقة وتسهيل رسميين. وفيما يخص أولئك الذين سلموا أنفسهم لاحقاً، فقد تم الإفراج عنهم بعد تعهدهم بالولاء للرئيس صالح .

بدأ صالح التفاوض مباشرة مع القاعدة في عام 2006. وحصل "أبو الفداء"، وسيط زواج بن لادن ونائبه السابق، على عديد من الامتيازات وأشاد بمرونة الحكومة اليمنية.

اعترضت الولايات المتحدة عام 2008 اتصالاً ما بين أيمن الظواهري والرئيس صالح يشير إلى ثمة صفقة بينهما، حيث وعد فيه الظواهري صالح بمشاركة مقاتلي القاعدة في الحرب في صعده مقابل الإفراج عن سجناء. وقد ذكرت وسائل إعلام محلية في مطلع عام 2009 أن ثمة تدفق جهاديين أجانب نحو محافظة صعده، وأن اليمن أطلقت سراح أكثر من مائة من سجناء القاعدة. وفي هذا النحو، قال طارق الفضلي، وهو مسئول حكومي سابق مطلع ببواطن الأمور، أن الإفراج عن سجناء القاعدة المشار إليه كان جزء من اتفاق أوسع بين الرئيس صالح والقاعدة. وقال الرئيس صالح في شهر يوليو 2010 نادباً: "نحن أطلقنا عدداً من معتقلي تنظيم القاعدة عدة مرات، وأعلنوا توبتهم، لكنهم يتمردون مرة أخرى، ويعودون للقيام بأعمال تخريبية".

حكايات مكافحة القاعدة: تواطؤ وعمليات ترويجية زائفة

إن الهجوم المادي الوحيد الذي استهدف الحكومة من قبل تنظيم القاعدة حدث قبل أيام من الانتخابات الرئاسية اليمنية عام 2006. حيث جرى إحباط هجومين على مصالح نفطية. وقد أشار قادة أحزاب المعارضة أن تلك الهجمات هي مسرحية مدبلجة. حيث قال سلطان العتواني، الأمين العام للحزب الناصري: " لقد فبرك الحزب الحاكم هذه العمليات بهدف اتهام أحزاب المعارضة بالوقوف وراء هذه الأعمال الإرهابية".

إن هذا المستوى من التشكيك بات مألوفاً في اليمن. فبعد سنوات من الصفقات المتبادلة خلف الكواليس، يعتبر الكثيرون تنظيم القاعدة في اليمن على أنه صنيعة النظام الحاكم، أو أنه عند اقل تقدير سندا داعما له في سياسته الداخلية والخارجية. وقال علي سالم البيض، الرئيس الجنوبي السابق: "إن هذه الشبكة الإرهابية قد بنت تحالفاً قوياً مع النظام في صنعاء، وتم هندستها والإشراف عليها من قبل عضو قيادي في الحزب الحاكم. وهذا معروف لدى دول المنطقة، ومصر والولايات المتحدة. ولا أبالغ عندما أقول أن بعض قادة القاعدة في الحقيقة هم ضباط في الحرس الجمهوري". ويرأس الحرس الجمهوري "أحمد"، نجل الرئيس صالح، وهو المُعين لأن يرث الرئاسة عن أبية.

لم يستطع أعضاء البرلمان سواء في حزب "المؤتمر الشعبي العام" الحاكم أو أحزاب المعارضة كبت انتقاداتهم في أعقاب هجوم استهدف مسئولين من كوريا الجنوبية في آذار 2009. حيث اتهم أعضاء من البرلمان الحكومة بأنها كانت قد قدمت "مساعدات للجماعات الإرهابية لتنفيذ هجماتها" وأن دعم الحكومة للشبكات الجهادية والإرهابية في البلاد ذو دوافع سياسية. وقال النائب صقر الوجيه بأن الحكومة نفسها متورطة في عدد من الأعمال الإرهابية التي حدثت خلال السنوات الماضية. وفي حين ينفي مسئولون تورط الحكومة في هجمات إرهابيه، إلا أنهم أقروا بأنفسهم تآمر القاعدة مع قوات الأمن كآلية من آليات الفساد وليست تآمرا إيديولوجيا. وبهذا الصدد، حذر صادق الأحمر، وهو شيخ مشايخ "حاشد"، القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس، السلطات من اللعب بورقه الإرهاب من أجل الضغط على الدول الغربية، وكان ذلك في 2010 بعد الهجوم الفاشل على السفير البريطاني. ومزح الشيخ صادق بسخرية من أن المختبرات اليمنية تكشف نتائج الحمض النووي (للانتحاري) في غضون ساعتين فقط .

كما أثار مقاتلو القاعدة بأنفسهم مزاعم ارتكاب هجمات إرهابية مصطنعة ووهمية. حيث قال حمزة الضياني، وهو مشتبه به في عديد من عمليات القاعدة: "أنا مستعد لإثبات حقيقة أنه جرى التخطيط لبعض الهجمات بتنسيق مع الأمن السياسي وتحت موافقته، وذلك من أجل أن يحصل أفراد الأمن على دعم أجنبي، ومن أجل أن يؤكدوا لأمريكا أنهم يشنون حرباً على الإرهاب". وقال أبو الفداء بان الهجمات الانتحارية ضد السياح كانت نتيجة لـ " احتقانات أفراد الأمن جراء عدم رضاهم لأداء الأنظمة العربية، وتسارعها لإرضاء أمريكا. أنا على يقين من أن تلك العمليات لم تنفذها القاعدة كتنظيم، لكن ممكن أنه تم تنفيذها من قبل أناس يدعون بأنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة".

أشارت إحدى الصحف بأن الحكومة مرتبطة بهجمات القاعدة على الشرطة في شهر يوليو الفائت في جنوب اليمن، وذلك من أجل أن تقنع الغرب بأن "الجنوب سيتحول إلى ملاذ آمن لتنظيم القاعدة في حال ما حصل الانفصال". كما أعلنت الحكومة اليمنية في يوليو 2010 بان الإرهابيين فروا إلى صعده وإلى عدن، فاعتبر كثيرون هذا الإعلان بأنه مجرد ذريعة لاستهداف الناشطين المعارضين للحكومة في كلتا المحافظتين. وقام الحوثيون بحملة توعية عامة للمواطنين تنتقد بشدة تنظيم القاعدة في اليمن بصفته "أداة استخبارية للولايات المتحدة يتم استغلالها من قبل واشنطن بغرض احتلال أي بلد عربي أو إسلامي تحت ذريعة مواجهة الإرهاب". وهذه الرواية وروايات شعبية أخرى هي التي تنتزع الشرعية عن القاعدة باعتبارها احد أدوات النظام السياسي.

صورة القاعدة: لاشيء مثل المدنيين

شن تنظيم القاعدة في اليمن هجوماً مركباً فتاكاً على السفارة الأميركية في صنعاء في سبتمبر 2008، إلا أنه فشل في اختراق محيط السفارة.

أعاد "تنظيم القاعدة في اليمن" تسمية نفسه بـ " تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" في شهر يناير 2009 بعد اندماجه مع نظيره السعودي. ويشكل السعوديون قرابة نصف أعضاء "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، المقدر إجمالي عددهم بـ 300 عضو. كما أن حضورهم الاجتماعي نادر إلى حد يشبه كلاب صيد قليلة الشيوع. ويعتمد "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" على التمويل السعودي، وكذلك على عائدات المخدرات والأسلحة المهربة. وقام عنصر تابع لـ "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" في شهر أغسطس 2009 باستهداف الأمير السعودي محمد بن نائف، المسئول عن ملف مكافحه الإرهاب، بعد أن قابل الأمير متظاهراً باستسلامه. وكشفت محاولة الهجوم الفاشلة تلك اختراع جديد يعتمد على إخفاء المتفجرات داخل جسم المهاجم الانتحاري.

يستفيد "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" من وجود دولة ضعيفة، بل وأكثر من كونها "دولة فاشلة". حيث أن واحداً من أهداف "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" هو إقامة منطقة حكم له في اليمن على غرار حركة "طالبان". وقد ناشد كل من أيمن الظواهري و"تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" القبائل اليمنية لأن تدعمهم. بيد أن هدف القاعدة في إقامة خلافة عالمية، ونزوعها نحو العنف المفرط ضد المدنيين، وأيديولوجيتها الدينية المتشددة، تتعارض مع العادات والمبادئ المحلية، وتُضعف استغاثة القاعدة إلى الشعب اليمني، بمن فيهم القبائل. حيث تندب واحدة من خطب القاعدة المطولة: " أين أنتم؟ أيها الناس.. المدد.. المدد".

يؤكد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بأن الأشخاص غير المسلمين داخل اليمن هم أهداف مشروعه بقوله: "نحذر جميع الكفار الذين يدخلون الجزيرة العربية بأن أموالهم ودماءهم مباحة لنا شرعياً." وعلى النقيض من ذلك، تشمل الثقافة اليمنية التقليدية مفهوم الشرف، وتجنب سفك الدماء، والذود عن النساء والأطفال، وحماية الضعفاء. حيث لاقت هجمات القاعدة القاتلة على السياح في اليمن إدانة شعبية عامة، كما أن القتل الوحشي لثلاث ممرضات غربيات عام 2009 دفع اليمنيين إلى الشوارع للتعبير عن الغضب والحزن الذي يسودهم.

تحضا جماعة القاعدة التكفيرية بجاذبية ضئيلة في اليمن المتعدد المذاهب، حيث يوجد "الزيود" الشيعة في الشمال و"الشوافع" السنة في الجنوب. وهما طائفتان معتدلتان، وغير متعصبتان، ومتشابهتان في الجانب العقيدي، ويوجد بينهما صراع طائفي ضئيل. فخلال قرون طويلة من الزمن، شكلت القيم والممارسات اليمنية نموذجاً للتعايش السلمي بين المسلمين.

إن المتعصبين الأيديولوجيين المستفزين التابعين لـ "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" مطابقون لنظرائهم في نظام حكم الدولة، إلا أن الدولة تشمل أيضاً جزء مهماً من اليمنيين، بينهم دعاة للديمقراطية، ومفكرين، و"كتاب صحفيين علمانيين"، ونساء عاملات، واشتراكيين جنوبيين، وشيعة زيديين.

يصعب التمييز أحياناً بين خطاب النظام الحاكم وخطاب "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب". فقد استخفت الحكومة اليمنية زمناً طويلاً بالحوثيين بنعوتها لهم كـ: "الشيطانيين، الرجعيين، المنحرفين، المجدفين"، وبالمثل، استخف "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" بالحوثيين بوصفهم "أهل البدع، ورجسيات/ فضائع شركية، وعبًّاد المقابر، ويوصمونهم بـ"الروافض".

قد تكمن إستراتيجية "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" في استدراج القوات الأمريكية إلى داخل اليمن من اجل أن تدفع بحركة معارضه خطيرة (ضد أمريكا).

وقال "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" بان الولايات المتحدة هي عدوه الرئيسي، وهو ذات الموقف الذي أيده الشخص الثالث في التنظيم "أبو يحيى الليبي"، والذي طلب من "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" الاستمرار في تكريس أنشطته لدفع الحرب إلى تراب الولايات الأمريكية. وتحقيقاً لهذه الغاية، أكد "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" أن كل المواطنين الأميركيين أهداف مشروعة. كما حث أنور العولقي على قتل الأمريكيين بشكل جماعي سواء كانوا مقاتلين أو مدنيين، مسوغاً لذلك بحكم مفاده أن كافة الأمريكيين يُعتبرون مقاتلون من خلال دفعهم الضرائب وتصويتهم في الانتخابات. وقال ناصر الوحيشي، القيادي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، أن الولايات المتحدة سرطان بحاجة لأن يُستأصل من الخارطة نهائياً. ولكنه في نفس الوقت، أثار "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" مفهوم حصانة المدنيين للمسلمين بصفته أساس لعنفها.

الخلاصة: إجماع المستبعدين

إن حالة الاضطرابات التي تعصف باليمن هي أحد أعراض الدولة المجرمة. فبينما يمضي نظام صالح في حرب مع المقاتلين الحوثيين، والمحتجين الجنوبيين، وأفراد من المواطنين والمجتمع المدني، فإن هؤلاء جميعهم، بالمقابل، يعرِّفون أنفسهم بأنهم يخوضون معركة من اجل الديمقراطية. كما أن المطالب الشعبية من أجل حقوق متساوية كفيلة إلى حد كبير بحجب وتعتيم الرواية السيادية لـ "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، ورؤيته لحكومة خارجية استبدادية وأصولية.

وبشكل أخرق، "أشاد - الرئيس اوباما- بعزم اليمن في مواجهة التهديد الإرهابي الذي يواجهه الشعب اليمني"، بيد أن التهديد الماحق الذي يواجهه اليمنيون هو سلطتهم الحاكمة. إن سر قوة الولايات المتحدة يكمن في تاريخها العريق في مجال حقوق الإنسان والمساواة، والذي سبق للولايات المتحدة أن تشاركت سُبله مع اليمنيين، إلا أن سياسات الولايات المتحدة الحالية قوضته على نحو خطير. إن الحق الطبيعي في حصانة المدنيين اليمنيين، الذي ترى القاعدة في مفهومه تهديداً لها، هو محل إجماع. حيث يتفق اليمنيون والأمريكيون على ضرورة تجنيب المدنيين من الهجمات المميتة، سواء كانت من قبل حكومتيهما، أو من قبل حكومات خارجية، أو أطراف غير حكومية تنوي فرض سيطرتها عن طريق الإرهاب. بيد أن التعاون في هذا الخصوص يصبح مقوضاً عندما تختزل الولايات المتحدة التهديدات في اليمن في الإرهاب فحسب، وتغض الطرف عن جرائم الحرب التي ترتكبها الحكومة اليمنية بحق شعبها.

إن إذعان الولايات المتحدة في الصمت إزاء الأعمال الوحشية التي ترتكبها اليمن مقابل تنفيذ عمليات اصطياد لعناصر القاعدة على الأراضي اليمنية هو تكتيك ثبت فشله من قبل ويحمل عديداً من المخاطر. كما أن فتح جبهة جديدة لذبح المدنيين وحملة اعتقالات تعسفية سوف يخلق تعاطفاً مع "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" ويعزز روايته، وسيولِد موجة من الاضطرابات على المستويين القبلي والمدني. و وبرغم "اتفاقية مراقبة الاستخدام النهائي" الموقعة بين واشنطن وصنعاء، فإن الولايات المتحدة أيضاً تواجه خطر أن يتم تحويل مسار مساعداتها المخصصة لمكافحه الإرهاب إلى عمليات موجهة ضد الأطراف المعارضة لـ"صالح" في الداخل. وما يقلق أكثر هو أن روسيا، المورد الرئيسي لليمن بالأسلحة، لا تضع اشتراطات على مبيعات أسلحتها في هذا الخصوص. هذا بالإضافة إلى المخاطر الكامنة في استغلال الحكومة اليمنية المتواصل لتهديد الإرهاب لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

إن أنشطة الولايات المتحدة في اليمن، المتمثلة بالمشاركة الاستخبارية وبناء القدرات، بإمكانها أن تربك "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" تدريجياً، لكنها لن تتمكن من القضاء عليه. لقد قام نظام صالح على الفساد، ثم أُفسد من قبل تنظيم القاعدة. وبدون توافق وإجماع أكثر عدلاً للسلطة السياسية، فإن فرص الإصلاح تظل ممكنة ولكن بشكل محدود ليس إلا. وأما بخصوص المخاوف التي تفيد أنه إذا ما سخط "صالح" فسوف يطلق العنان للقاعدة، وأن الفوضى ستعقب غيابه، فهي مخاوف معقولة. وكما هو مجرب، فليس هناك بديل سهل لطاغية مكث طويلا في السلطة. وعليه فإنه مثلما تبدو مسألة الوجود الأميركي على التراب اليمني ليست خيارا، فإنه ليس لها ثمة خيار أيضاً في أن تسهم ببناء دكتاتورية يمنية أشد بطشاً مما هي عليه في الوقت الراهن.

تعتبر التهديدات التي تواجه اليمنيين آفة أوافي المنطقة برمتها: وهي سلطة تنفيذية راكدة، وفساد الدولة الكبير، والقمع الاستبدادي. ومسألة إشراك الشعب في النظام السياسي سوف يقوض السلطة. إلا أن اليمنيين خلال خمسين عاما من عدم الاستقرار السياسي قد ضيقوا ألوان الطيف السياسي بشكل كبير، فمن إطاحتهم بالكهنوتية الدينية، إلى رفضهم النمط الشيوعي السوفيتي، وإرساء إجماع وطني من أجل الديمقراطية. وبهدف تحقيق تلك الغاية، فقد شارك اليمنيون في بناء دولتهم من خلال تشكيلة واسعة من المبادرات.

كثيراً ما يستند "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" على "حديث نبوي" يتنبأ بخروج 12 ألف محارب من اليمن للدفاع عن الإسلام. وبرغم أن عشرات المتعصبين الغاضبين من تنظيم القاعدة في اليمن يؤمنون بأن هذه التركة هي حكر لهم فحسب، فإن أولئك الجيش من المحاربين هم موجودون فعلا في اليمن. إنهم أولئك الإصلاحيين اليمنيين، الذين يتعرضون للذبح في الشوارع، والتعذيب في الزنازين، ويُحرمون من الغذاء والتعليم. إن الإصلاحيين هم الجانب المشرق، ويستحقون تقدير واهتمام الولايات المتحدة بشكل خاص، على المستوى المعنوي والتكتيكي. وتعتبر وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية هي مفتاح المشاركة السياسية المنتجة للشباب اليمني.

إن قمع الإعلام يكبح الإجماع والتوافق الوطني، ويعمل على تشظي المصلحين، ويحد من دوائر الرقابة والمحاسبة. إنه لمن الضروري أن تدعم الولايات المتحدة بقوة الحقوق المدنية وحقوق الإنسان في اليمن، وخاصة حق الصحفيين في أداء وظائفهم دون عقاب. ويكمن العلاج الجذري للفساد والعنف ضد المدنيين والفكر المتطرف بوجود صحافة حرة. وإذا كان هناك من طريق مختصر من أجل يمن تنجز مصالح مواطنيها بشكل أمثل فهي وسائل إعلام مستقلة وغير مقيدة.

* دورية "ميريا" - مركز الأبحاث العالمية للشئون الدولية "جلوريا


اتهامات لشلومبرجر بتقديم رشاوي لأحد أقارب الرئيس علي عبد الله صالح

قالت صحيفة وول ستريت جورنال ان وزارة العدل الأمريكية بدأت تحقيقا لمعرفة ما إذا كانت شركة شلومبرجر التي تعمل في حقل تقديم الخدمات النفطية دفعت ابتداء من عام 2002 رشاوى لمسئولين حكوميين يمنيين بغية الحصول على عقد حكومي يتعلق بتطوير بنك معلومات خاص بالاستكشافات النفطية.


وذكرت الصحيفة أن وثائق اطلعت عليها تبين أن مسئولين في هيئة الاستكشافات النفطية طلبوا من الشركة، قبل توقيع عقد المشروع معها، التعاقد مع شركة تسمى "زنك انفست ليمتد" ويديرها توفيق صالح عبد الله صالح ابن اخ الرئيس علي عبد الله صالح لتقوم بدور الوسيط بين الشركة والهيئة.


وتبين وثائق شركة شلومبرجر:


1. ان الشركة وافقت على طلب المسئولين في هيئة الاستكشافات النفطية الخاصة بطلب التعاقد مع الشركة الوسيطة وبعد ذلك تم توقيع العقد من قبلهم.


2. أن شلومبرجر دفعت مبلغ نصف مليون دولار للشركة الوسيطة في عام 2003 قبل أن يوقع الطرفين أي عقد.

3. أن الشركة الوسيطة التي يديرها ابن أخ الرئيس طلبت 20 في المائة من الأرباح التي تحققها شركة شلومبرجر من المشروع ولكن شلومبرجر رفضت وتم الاتفاق بين الطرفين على قيام الشركة الوسيطة بتقديم خدمات معينة لشلومبرجر مثل استئجار العاملين وتأثيث المقر وشراء الكمبيوترات وتجهيز الشبكات. وتقول الصحيفة ان تلك الخدمات ربما كانت وهمية وهدفها التغطية على الرشاوي المقدمة.

4. في عام 2004 رفض احد مدراء شلومبرجر توقيع العقد مع الشركة التي يديرها ابن اخ الرئيس ولكنه بدأ يتلقى مكالمات تهديد مما اضطره الى التوقيع.

5. دفعت شركة شلومبرجر مبلغ 1.38 مليون دولار للسنوات 2003 وحتى 2007 مقابل خدمات.

6. توقفت شلومبرجر في عام 2008 عن دفع المبالغ للشركة الوسيطة بشكل يثير الكثير من التساؤلات.

7. لم يعد هناك وجود للشركة الوسيطة على الساحة.

وقال توفيق صالح لصحيفة وول ستريت ان شركته عملت كلوبي لشلومبرجر وانه لولا شركته ما كانت شلومبرجر ستحصل على العقد . واضاف انه رفع قضية ضد الشركة امام المحاكم اليمنية بسبب خرقها للعقد اي عدم الإستمرار في الدفع لشركته.