الثلاثاء، 24 يونيو، 2008

لجنة الانتخابات بين القضاة والسياسيين

تنص المادة رقم (59) من الدستور على ان "تتولى الإدارة والإشراف والرقابة على إجراء الانتخابات العامة والاستفتاء العام لجنة عليا مستقلة ومحايدة. ويحدد القانون عدد أعضاء اللجنة والشروط اللازم توفرها فيهم وطريقة ترشيحهم وتعيينهم. كما يحدد القانون اختصاصات وصلاحيات اللجنة بما يكفل لها القيام بمهامها على الوجه الأمثل." وكما يتضح من النص الدستوري فان أهم شرط في اللجنة العليا للانتخابات هو شرط الاستقلال والحياد. والاستقلال يعني عدم خضوع اللجنة لأي سلطة سوى سلطة "الدستور" والقانون. أما الحياد فيعني في هذه الحالة أن اللجنة غير منحازة لطرف سياسي معين على الساحة. والمحاكم بالطبع هي وحدها صاحبة الحق في تحديد ما إذا كانت اللجنة قد التزمت الحياد والاستقلال في أدائها لوظائفها أم لا في حال الطعن بحيادية اللجنة.
وقد تم إضعاف حيادية واستقلال اللجنة العليا للانتخابات خلال السنوات الماضية بعدة طرق. أولا، نظرت الأحزاب (سلطة ومعارضة) إلى عضوية اللجنة على أنها حقائب وزارية بحسب تعبير احد المؤرخين وبالتالي مغنم لأعضائها. وبناء على ذلك فقد فسرت الأحزاب الحياد والاستقلال على انه يعني ان يتم تشكيلها من الأحزاب على ان يقوم أعضاء الأحزاب المعينين في اللجنة بتجميد عضويتهم في أحزابهم خلال فترة عملهم في اللجنة. وهذا التفسير بالطبع لا يحقق للجنة الاستقلال المطلوب الذي يتوافق مع روح الدستور بقدر ما يحقق للأحزاب الهيمنة على اللجنة وتوظيفها لصالحهم في مواجهة أي قوة أخرى محتملة كالمستقلين مثلا. لكن الأحزاب، وخصوصا تلك التي في اللقاء المشترك، تشير إلى عدم وجود شخصيات مستقلة بما تعنيه الكلمة. كما تشير أيضا إلى ان سيطرة الحزب الحاكم على ثروات البلاد قد جعلته يتمكن من شراء ولاءات بعض ممثليها في اللجنة ..فما بالك بالمستقلين. وهذا القول لا يمكن ان يكون صحيحا سوى جزئيا.
ثانيا، نصت الفقرة (أ) من المادة رقم (19) من القانون رقم (13) لسنة 2001 بشأن الانتخابات العامة والاستفتاء على أن "تشكل اللجنة العليا للانتخابات من سبعة أعضاء (عدل إلى تسعة قبل انتخابات سبتمبر 2006) يتم تعيينهم بقرار من رئيس الجمهورية من بين قائمة تحتوي على (15) اسما يرشحهم مجلس النواب ...الخ." وهذا النص ينسف مبدأ الحياد والاستقلال الذي نص عليه الدستور ويعطي السلطة التنفيذية الكلمة الأخيرة في تشكيل اللجنة. والملاحظ ان هذا النص السيئ الذي يكرس الوصاية السياسية قد دخل وان بكلمات مختلفة في أول قانون انتخابات اقر في البلاد وهو القانون رقم (41) لسنة 1992 . لكنه حينها لم يكن مثار جدل لان أعضاء مجلس الرئاسة الذين كان لهم حق الاختيار لأعضاء اللجنة من بين قائمة ال15 التي يقرها مجلس النواب لم يكونوا أنفسهم منتخبين بشكل مباشر من قبل الشعب، وبالتالي لم يكن تناقض المصالح واضحا كما هو عليه الحال اليوم.
والنص الوارد في المادة (19) قد يكون مقبولا في ظل نظام ملكي يمكن فيه لرأس السلطة ان يلعب دور الحكم بين القوى السياسية وان يرجح المصالح العليا للبلاد أو في ظل نظام جمهوري برلماني لا ينتمي فيه رئيس الدولة إلى أي حزب سياسي كما هو الحال في الهند أو في ظل نظام سياسي لا يكون للجنة العليا للانتخابات أي دور في انتخاب الرئيس. أما في ظل نظام جمهوري ينتمي فيه رئيس الجمهورية إلى حزب سياسي ويصل إلى السلطة ويحتفظ بها لفترة محددة عن طريق انتخابات تديرها اللجنة العليا للانتخابات فان إعطاء الرئيس أي سلطة كانت في اختيار أعضاء اللجنة لا بد أن يثير الكثير من اللغط.
وإذا كانت ألأحزاب الممثلة في البرلمان وغير الممثلة في مجلس الوزراء قد قبلت في السابق بإعطاء رئيس الجمهورية سلطة معينة في تشكيل اللجنة العليا للانتخابات فانه يمكن تفسير ذلك بالعودة إلى السياق السياسي السابق لانتخابات عام 2003 البرلمانية والذي كانت معظم القوى السياسية خلاله تنظر للرئيس على انه محل إجماع وانه حكم سياسي بينها وليس منافسا. وقد عزز من تلك النظرة حقيقة ان منصب رئيس الجمهورية قد كان محل توافق وطني حتى سبتمبر 2006. أما بعد الانتقال بمنصب رئيس الجمهورية من "التوافق" إلى "التنافس" فان إعطاء رئيس الجمهورية حق اختيار تسعة من بين 15 مرشحا يختارهم البرلمان لم يعد مقبولا.
وفي الوقت الذي ساد فيه مبدأ التقاسم الحزبي للجنة العليا للانتخابات خلال ال18 سنة الماضية فان الخلاف الذي ظل قائما بين الأحزاب قد تركز على مسألة الحصص. واختلفت النسب باختلاف المراحل السياسية وتبعا لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة. لكن الملاحظ هو ان الحزب الحاكم—ورئيسه بالتحديد—ظل مسيطرا على أغلبية اللجنة في كل دورة انتخابية وذلك بحجة قطع الطريق على المعارضة ومنعها من عرقلة إعلان نتائج الانتخابات وإحداث فراغ دستوري.
وكانت اللجنة التي أدارت انتخابات عام 1993 ليس فقط أنزه لجنة ولكن أيضا الأكثر تمثيلا للطيف السياسي اليمني. فقد ضمت اللجنة 17 عضوا يمثلون 11 حزبا بالإضافة إلى المستقلين. وكانت تلك اللجنة هي الوحيدة—من بين اللجان التي شكلت منذ قيام الوحدة وحتى اليوم—والتي ضمت بين صفوفها امرأة. ولم يكن التميز الذي ظهرت به أول لجنة انتخابات سوى انعكاس للتوازن الذي اتصف به المشهد السياسي في اليمن بين عامي 1990 و1994. أما في المرحلة التالية لحرب عام 1994 فقد تغير المشهد السياسي بشكل جذري مما اثر على الكثير من جوانب الحياة وفي مقدمتها اللجنة العليا للانتخابات. أما اللجنة التي شكلت في عام 1996 فقد ضمت 11 عضوا ثم تم تخفيض العدد إلى 7 أعضاء. وضمت اللجنة الثالثة والتي شكلت في عام 2001 سبعة أعضاء كذلك. ولم يتغير الأمر الا قبل انتخابات سبتمبر عام 2006 عندما أصرت أحزاب اللقاء المشترك على تحسين تمثيلها في لجنة الانتخابات حيث تم إضافة عضوين جديدين إلى اللجنة ليرتفع العدد إلى تسعة أعضاء.
الأزمة القائمة
يدور الجدل اليوم بين الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك ليس فقط حول طريقة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ولكن حول النظام الانتخابي بشكل عام. ويقصد بالنظام الانتخابي هنا "القواعد القانونية والإجرائية التي تحكم العملية الانتخابية." وعادة ما تتوزع تلك القواعد القانونية بين الدستور وقانون الانتخابات ولائحته التنفيذية والتعليمات التي تصدرها الهيئة التي تدير الانتخابات..ويحدد النظام الانتخابي من له الحق في التصويت وأين ومن له حق الترشح، وكيف تتم الدعاية الانتخابية ومن أين يتم تمويل الحملة، والجهة التي تدير الانتخابات، وكيف يتم تحديد الفائز؟...الخ.
ويعاني النظام الانتخابي اليمني بمفهومه الواسع من اختلالات تراكمت مع الزمن وأصبحت هي الآلية التي تعيد إنتاج النخبة السياسية الحاكمة وتجرد المواطنين إلى حد كبير من القدرة على ممارسة حقهم في الإختيار. فقد تم العبث بالدوائر الانتخابية وتحويلها إلى شيء أشبه ما يكون بمتاهات الصحف وذلك للعمل على تشتيت أصوات المعارضين وتجميع أصوات الموالين. وتم إعادة كتابة قانون الانتخابات الصادر في عام 1992 في عام 1996 ثم أعيد كتابته مرة أخرى في عام 2001. ومثلت كل كتابة للقانون عودة بالحياة السياسية ألف خطوة إلى الوراء. وبلغت المهزلة ذروتها بتحويل مكان العمل إلى موطن انتخابي وذلك بهدف فرض أقصى درجات الرقابة على القيد والتصويت.
وتم إهدار العديد من المبادئ الدستورية المتصلة بالمساواة وتكافوء الفرص وحياد المال العام والمؤسسات العامة. وتم العبث بالسجل الانتخابي بحيث زاد عدد الناخبين في بعض الدوائر عن عدد سكان الدائرة الذين يحق لهم التصويت. ووصلت الأسماء المكررة في السجل الانتخابي وأسماء صغار السن والمتوفيين إلى مئات الآلاف. وبفضل الإستقواء بالجيش والأجهزة الأمنية والمالية العامة للدولة والوظيفة العامة والإعلام العام تمكن الحزب الحاكم من السيطرة على أكثر من 80% من أعضاء مجلس النواب.
وبالنسبة للجنة العليا للانتخابات فقد ضمت في الغالب أشخاصا موالين للحزب الحاكم حتى وان كانوا مستقلين ظاهرا أو من أحزاب المعارضة. وكانت سياسات الترغيب والترهيب وإغراءات التعيين في المواقع الهامة بعد قضاء فترة الخدمة في اللجنة العليا كفيلة باستقطاب البعض بينما وجد البعض الآخر نفسه أمام خيارات صعبة. وعملت السلطة على الحد من استقلالية اللجنة العليا للانتخابات بطرق مختلفة بما في ذلك النصوص القانونية الفضفاضة التي لا تمنح اللجنة ضمانات الاستقلالية السياسية والمالية والاختصاصات الواضحة والإمكانات المادية الكافية.
ولعل أهم ما يطالب به اللقاء المشترك بالنسبة للنظام الإنتخابي هو الانتقال من نظام الدائرة الفردية ذات الأغلبية النسبية الذي يعمل على تكريس القبلية والبني السياسية التقليدية إلى نظام القائمة النسبية الذي يعمل على دعم الأحزاب وتعميق الديمقراطية والانتقال التدريجي بالمجتمع من التنظيم القبلي السائد إلى "الدولة" المدنية الحديثة القائمة على أساس المواطنة المتساوية. وفي الوقت الذي يتمسك فيه الحزب الحاكم بوضع "محلك سر" والى "الخلف در" حفاظا على المكتسبات الخاصة مشروعة كانت أو غير مشروعة فان أحزاب اللقاء المشترك تطالب بإعادة النظر في الوضع الراهن وبما يخدم مصالحها التي لا تتناقض بحكم وجودها خارج السلطة مع مصالح اليمنيين في بناء الدولة الحديثة.
ويصر الحزب الحاكم على تشكيل اللجنة إما من القضاة التابعين للسلطة التنفيذية 100%، أو بحسب عدد المقاعد لكل حزب في مجلس النواب وذلك بحكم ان لدى الحزب الحاكم أكثر من 80% من مقاعد المجلس، أو تشكيلها من الأحزاب وفقا لعدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب وهو ما يعطي الحزب الحاكم الأغلبية وبحيث يكون لدى الحزب الحاكم خمسة أعضاء على الأقل مقابل أربعة للمشترك
أما أحزاب اللقاء المشترك فتطالب بتشكيل اللجنة العليا من الأحزاب الممثلة في مجلس النواب بالتساوي وفقا للمبدأ المتعارف عليه دوليا في تشكيل الأجهزة التي يناط بها إدارة الانتخابات، أو تشكيل اللجنة بطريقة متوازنة وبحيث يعطى احد الأطراف خمسة أعضاء (الأغلبية) في حين يعطى الطرف الآخر أربعة أعضاء بما في ذلك رئاسة اللجنة، أو تشكيل اللجنة العليا من الحاكم والمشترك بالتساوي (أربعة/أربعة) مع اختيار رئيس اللجنة بالتوافق بين الجانبين..
ولا تتمثل المشكلة في غياب الحلول بقدر ما تتمثل في غياب الحوار كنتيجة لغياب الثقة بين أطراف العملية السياسية. ولو توفرت النية لحل الإشكالية فانه يمكن التفاوض حول إدخال بعض التعديلات على أي من الخيارات المطروحة من اللقاء المشترك على اعتبار أنها أكثر واقعية ومنطقية. فما المانع مثلا ان تشكل اللجنة من الطرفين بالتساوي وعلى ان يتم التوافق على العضو التاسع ودون اشتراط ان يكون رئيسا للجنة. ومع ان هذا الخيار يعطي المؤتمر رئاسة اللجنة الا انه لا يخل بالحد الأدنى من التوازن.
مستقبل الخلاف
هناك من يطرح بان الحزب الحاكم يسعى إلى إعادة تفصيل الدستور من جديد بما يكفل الاستحواذ على السلطة كاملة غير منقوصة بما في ذلك رئاسة الجمهورية التي يفترض ان تنتهي فترة شاغلها الحالي في عام 2013 دون ان يحق له الترشح من جديد. ويرى أصحاب وجهة النظر تلك ان الحزب الحاكم سيسعى إلى تمرير تعديلات دستورية لن تكون مقبولة من الشعب في ظل الظروف الحالية وانه لذلك يعمل على ضمان السيطرة على اللجنة العليا للانتخابات كي يمرر تلك التعديلات وكي يضمن الحفاظ على أغلبيته الكبيرة في مجلس النواب بالطرق الشرعية أو غير الشرعية. وإذا صحت وجهة النظر تلك فان احتمال لجوء الحزب الحاكم إلى التوافق بشأن تشكيل اللجنة قد لا يكون خيارا مطروحا للتفاوض بالنسبة له.
وفي المقابل هناك من يرى أن أحزاب اللقاء المشترك تنظر إلى تشكيل اللجنة العليا للانتخابات على انه يمثل حجر الزاوية في إصلاح النظام الانتخابي وفي بدء مشروع بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. وترى أحزاب اللقاء المشترك وفقا لوجهة النظر تلك ان هدف الحزب الحاكم خلال المرحلة القادمة هو إلغاء وجودها من الخريطة السياسية وتحويلها إلى صورة كربونية لأحزاب المجلس الوطني للمعارضة والتي لا يزيد عدد أعضاء كل حزب فيها عن العضو الواحد وهو رئيس الحزب والذي يصوت للحزب الحاكم عند اللزوم. ومن غير المتوقع، إذا صح هذا التشخيص لموقف أحزاب اللقاء المشترك، ان تتراجع تلك الأحزاب عن موقفها المصر على تشكيل اللجنة بشكل متوازن وبما يضمن عدم توظيفها لصالح طرف على حساب الآخر.
ومع ادراك الفارق في المسئولية بين الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك فان لا أحد يمكنه ان يطالب الأحزاب بالتضحية بمصالحها من اجل الوطن. وأقصى ما يمكن ان يطالب به الإنسان هو ان لا تضحي تلك الأحزاب بالوطن من اجل مصالحها.. ومن المهم ان يدرك الجميع ان تشكيل اللجنة العليا ينبغي ولأسباب عملية ان يكون النقطة الأولى على جدول الحوار لان اللجنة لا بد أن تشكل وبسرعة حتى تبدأ في أداء واجبها في التحضير للانتخابات.
إشارات...
o سيكون المؤتمر القادم للصحفيين اليمنيين محطة هامة في مسيرة الصحافة اليمنية لأنه يأتي في وقت اشتدت فيه الهجمة على الصحافة وحرية التعبير وتكالبت فيه محاولات الخارج لفرض قيمه ومصالحه على الداخل. وسيكون على الصحافيين في مؤتمرهم القادم القيام باختيارات صحيحة في انتخاب قياداتهم والتفريق بين مرشحي الداخل ومرشحي الخارج وبين الشخصيات "الظلية" التي تعمل ك"الخفافيش" في الظلام ولا تمانع من التحول إلى خنجر في يد الأجنبي يطعن به خصر الوطن تارة باسم "التحديث" وأخرى باسم "الحرب على الإرهاب" وثالثة باسم "الاستثمار" ورابعة باسم "حقوق الإنسان" وبين الشخصيات المنحازة إلى قيم المهنية والصدق والشفافية والمواجهة وتحمل المسئولية والالتزام بالمصالح العليا للشعب اليمني.
o يتقدم الكاتب بالأصالة عن نفسه ونيابة عن كافة أبناء بني علي بخالص العزاء واصدق مشاعر المواساة إلى الأخ احمد غالب الحيدري بوفاة نجله الأستاذ رشيد والذي كان مثالا للشباب الطامح والصادق والمستقيم. لقد آلمنا جميعا رحيل رشيد الأستاذ والمربي والابن البار لبني علي وهو ما زال في ريعان شبابه. وعزاؤنا جميعا هو ان رشيد لم يرحل الا وقد ترك بعده الأثر الحسن الذي سيظل حيا في قلوب كل النزيهين والشرفاء. نسأل الله عز وجل ان يسكن الراحل فسيح جناته وان يلهم أبيه وإخوانه وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان وان لله وان إليه راجعون.

عن الأهالي بتاريخ २३ يونيو http://www.alahale.net/details.asp?id=2722&catid=44

السبت، 21 يونيو، 2008

تعريف بالدكتور عبد الله الفقيه-- أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء





كاتب وباحث، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء. حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية حيث درس على يد نخبة من أساتذة وممارسي السياسة، وفي مقدمهم مايكل دوكاكيس الذي نافس الرئيس بوش الأب على الرئاسة في عام 1988. حصل خلال دراسته على عضوية منظمتين دوليتين للمتميزين في الدراسات السياسية والاجتماعية هما منظمة Pi Sigma Alpha وPi Kappa Phi. وعمل محاضرا في جامعة نورث إيسترن في مدينة بوسطن بين عامي 2000-2003. من مؤلفاته: "التطورات السياسية والأمنية في اليمن"، الخليج في عام 2007-2008، (دبي: مركز الخليج للابحاث، 2008)؛ المواطنة السياسية في الجمهورية اليمنية: 1990-2007 الأبعاد الدستورية والقانونية والعملية (تعز: ملتقى المرأة، 2008)؛ "صورة العربي في الإعلام الأوروبي"، مجلة الملكة أروى، العدد 2، مايو 2006؛ "التداول السلمي للسلطة في الجمهورية اليمنية: رؤية مغايرة، "شئون العصر، يناير-مارس 2006"؛ "الغزو الأمريكي للعراق ومسألة نشر الديمقراطية في الوطن العربي، " مجلة كلية التجارة والاقتصاد، العدد 22 سبتمبر 2004؛ "تنمية الديمقراطية ومكافحة الإرهاب" في وليم كروتي (محرر)، التنمية الديمقراطية ومحاربة الإرهاب (بوسطن: جامعة نورث إيسترن، 2005) فضلاً عن العشرات من المقالات والأوراق باللغتين العربية والإنجليزية.

الثلاثاء، 17 يونيو، 2008

الأجندة الأمريكية الخفية في اليمن

د عبدالله الفقيه
نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية يوم السبت السابع من يونيو 2008 تحقيقا حول حرب صعدة بعنوان "في اليمن: استمرار الحرب الطائفية التي يتم التغطية عليها." وقد اعد التحقيق مراسلة الصحيفة في الشرق الأوسط ايلين نيكمير. كانت السيدة نيكمير قد زات الكاتب في منزله الى الشمال من صنعاء برفقة صحفي يمني وناقشت معه الكثير من الأفكار الواردة في المقال بما في ذلك الزعم الكبير بان الحرب الدائرة في صعدة هي حرب طائفية لكن الكاتبة بدت مصرة على رؤية معينة للاحداث ربما املاها عليها السفير الأمريكي في صنعاء ستيفن سش والذي كانت قد قابلته قبل التقائها بالكاتب مباشرة. ومع ان العادة في مثل هذه الحالة هي ان يورد الصحفي الراي الآخر الا ان السيدة نيكمير خرجت على ابسط قواعد العمل الصحفي وهي ان يعكس عملها الرؤى الموجودة على الساحة وان لا يبحث الصحفي لنفسه عن اجوبة معينة.
وهكذا جاء تقرير الواشنطن بوست ليكون انموذجا للعمل الصحفي السيىء بكل ما تعنيه الكمة من معنى. والمشكلة لا تكمن في انحياز الصحفية الى صف الحوثيين ضد النظام اليمني او العكس بقدر ما تكمن في محاولة تعريف الصراع بطريقة ملتوية لا تخدم الحوثيين ولا النظام اليمني. فتعريف الحرب الدائرة بانها حرب طائفية والإيحاء بتورط السعودية وايران والحديث عن السنة المتطرفين المتعطشين للقتال هي مسائل يتم توظيفها بعناية لأعطاء الصراع ابعادا لا يحتملها. فكيف يمكن الحديث عن حرب طائفية اذا كان الحوثيون زيود ورئيس الجمهورية زيدي وقادة المعسكرات هم زيود؟ وكيف يمكن الحديث عن حرب طائفية ومعظم قادة الحزب الحكم هاشميين؟
اخطاء الأمريكيين
كان الأمريكيون خلال الثمانينات من القرن الماضي يدعمون ايران لضرب العراق ويدعمون العراق لضرب ايران على امل ان الحرب طويلة الأمد كفيلة باضعاف الإثنين وهو ما تحقق الى حد ما. فقد كان عقد الثمانينات بالنسبة للعراق وايران هو عقد اهدار الموارد المادية والبشرية في حرب لم تنتج للطرفين سوى الحرب مئات الالاف من الضحايا. وتمكنت الولايات المتحدة من خلال اللعب على التناقضات بين ايران والعراق من الدفع بالدولتين الى حافة الهاوية. ثم تمكنت بعد ذلك من الإنفراد بالعراق وضربه. وها هي تحاول الإستفراد بايران وضربها.
وما يحدث في صعدة ليس بعيدا عن ما حدث في ثمانينات القرن الماضي. وهناك مؤشرات على تورط امريكي في صعدة يفوق المؤشرات الدالة على تورط ايراني أو سعودي. وليس من المستبعد ان حكومة الولايات المتحدة تسعى لإستدراج ايران والسعودية الى حرب طويلة الأمد في شمال اليمن تكون كفيلة باضعاف الدولتين معا بالإضافة الى اضعاف اليمن بالطبع. والمستفيد الوحيد، كما تعتقد الحكومة الأمريكية، هو المشروع التحديثي الأمريكي . فغير خاف على احد ان امريكا قد عرفت في الفترة التالية لأحداث سبتمبر الكثير من فرق السنة والشيعة كاعداء لمشروعها الثقافي التحديثي. وفي اليمن اضافت الولايات المتحدة الى قائمة الإعداء القبائل والمشايخ والناصريين والبعثيين. وربما ان اندلاع احداث العنف وبالتزامن في لبنان والسودان وشمال اليمن لم يكن محض مصادفة.
وتكمن الإشكالية في السياسات والممارسات الأمريكية في الشرق الأوسط خلال السبعين عاما الماضية في انها كانت وبشكل مستمر معزولة عن تفضيلات ورغبات وظروف الناس. وانطلقت تلك السياسات والممارسات من معرفة ضحلة بالعرب والمسلمين والثقافة العربية والشرق الأوسط. ولذلك قادت السياسات الأمريكية دائما الى خلق ظروف أسوء كما حدث في العراق حين فاقت اساليب التعذيب التي ابتكرها "العم سام" كل الأساليب التي كان جلاوزة صدم حسين قد اخترعوها. ولذلك فقد كانت سياساتها المختلفة طيلة السبعين عاما الماضية مسئولة الى حد الكبير كليا أو جزئيا عن الكثير من الأزمات في المنطقة.
فالدعم الأمريكي غير المشروط لشاه ايران وسياساته قادت الى الثورة الإسلامية في ايران والتي مهدت بدورها للعداء الإيراني الخليجي ولقيام حرب الخليج الأولى بين العراق وايران. وبدورها قادت الحرب العراقية الأيرانية الى الغزو العراقي للكويت. ولا ينبغي لأحد ان ينسى الدور الأمريكي في الجهاد في افغانستان والذي ساهم مع التدخل الأمريكي في خلق السياق لظهور تنظيم القاعدة .
ولم يتعلم الأمريكيون من الدروس. فبعد احداث سبتمبر قرروا غزو العراق ليطيحوا بتوازن القوى التقليدي الذي كان قائما في المنطقة وليساهموا في الدفع باسعار النفط الى تسجيل ارقام قياسية لم تعرفها اسواق الطاقة. وساهمت الإدارة الأمريكية في اعقاب ال11 من سبتمبر في جعل العالم اسوء بكثير مما كان عليه قبل ذلك التاريخ ليس فقط للعرب والمسلمين ولكن لجميع سكان العالم بما في ذلك الأمريكيين. ومع ان الرئيس جورج بوش الأبن الرئيس الأمريكي الحالي قد اعترف في خطاباته وبشكل متكرر باخطاء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الإ ان اعترافه لم يرق الى حجم الخطأ والمعاناة. والأهم من ذلك هو ان الإدارة الحالية لم تعترف باخطائها الجسيمة في المنطقة والتي جعلت وجه الإرهاب القبيح يبدو اكثر جمالا مقارنة بالممارسات الأمريكية. وهناك شواهد تدل على ان الولايات المتحدة ماضية في ارتكاب المزيد من الأخطاء معيدة الى الأذهان فترة الحرب الباردة.
وعلى ضوء سبعون عاما من التخبط الأمريكي في الشرق الأوسط ومن الإدارة بالأخطاء لا يملك اي مراقب سوى ان يتساءل عن طبيعة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في اليمن وجنوب الجزيرة العربية وعن موقع الصراع في صعدة من التكتيك والإستراتيجية الأمريكية. فهل يحاول الأمريكيون مثلا الزج باليمن في حرب طائفية تمكنهم من اعادة صياغة المشاهد السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في المنطقة؟ وهل يحاول الأمريكيون استدراج السعودية وايران الى مستنقع صعدة؟ وما هو هدف الأمريكيين من ركوب مأسأة 18 يمنيا تعرضوا للحرق في خميس مشيط؟
ليس هناك اجوبة واضحة مائة في المئة على الأسئلة السابقة ولكن هناك مؤشرات على ان الأمريكيين يحضرون بقوة في صعدة بشكل أو باخر وانهم اصحاب مصلحة في استدراج ايران وكذلك السعودية وذلك لإن مقتضيات مشروع التحديث الأمريكي تتطلب اضعاف الجميع. والأمل هو ان يفيق العرب لأنفسهم ليس فقط رافة بانفسهم ولكن ايضا رأفة باصدقائهم الأمريكيين.
عن صحيفة ايلاف بتاريخ السابع عشر من يونيو 2008

الجمهورية اليمنية: تحديات معقدة وسياق اكثر تعقدا...

د. عبد الله الفقيه
dralfaqih@yahoo.com

تقول احدى النكات المنتحلة ان مسئولا يمنيا رفيعا فرك خاتما يضعه في احدى اصابعه فخرج له عفريت وساله عن الحاجة التي يريد منه قضاءها. فما كان من المسئول الإ ان طلب من العفريت ان يعالج "النزعة الإنفصالية" التي تعتري الكثير من الناس في المحافظات الجنوبية. فطلب العفريت من المسئول اليمني ان يشرح له المشكلة بالتفصيل. وقد أجاب طالبه. ولما فرغ المسئول من شرحه اعتذر العفريت بادب عن حل المشكلة لإنها كما قال اكبر من طاقته. لكنه في نفس الوقت سأل المسئول عما اذا كان هناك مشكلة اصغر منها تتفق مع قدراته ويستطيع حلها. فطلب منه المسئول اليمني هذه المرة تحقيق مطالب الدكتور محمد حيدرة مسدوس الخاصة ب"اصلاح مسار الوحدة." فربما يكون ذلك كفيلا باعادة الأمور الى نصابها. فسأل العفريت محاوره عن تفاصيل مطالب مسدوس. فقال له المسئول ان مسدوس يطالب ب"الغاء الفتوى التي صدرت في عام 1994 وبررت الحرب؛ اعادة كافة المنهوبات العامة والخاصة من مؤسسات وممتلكات الجنوب؛ اعادة كافة الجنوبيين المشردين في الداخل والخارج الى وظائفهم ...الخ." وقبل ان يكمل المسئول قراءة مطالب مسدوس الستة قاطعه العفريت طالبا منه ان يعيد شرح "النزعة الإنفصالية" في الجنوب لإنها بدت له اقل تعقدا من مطالب مسدوس.
وتقترب النكتة كثيرا من طبيعة التحديات التي تواجهها الجمهورية اليمنية في الوقت الحاضر. فهناك في الجنوب معاناة كبيرة تعمل بعض النخب السياسية على توظيفها ضد الوحدة اليمنية. وهناك على مقربة من تلك النزعة الإنفصالية تيار يسعى لإصلاح مسار الوحدة ويطرح مطالب يبدو من المستحيل تحقيقها بالشكل الذي يتم طرحها به. ولا تقتصر التحديات بالطبع على الوضع في الجنوب. فالتمرد في صعدة يدخل عامه الخامس دون وجود مؤشرات على نهاية وشيكة سلمية كانت أو غير سلمية. وفي الوقت الذي يركز فيه هذا المقال على تحدي التمرد في صعدة والغضب في الجنوب فانه لا ينبغي التقليل من الخطر الذي يمثله الإرهاب على الإقتصاد الوطني وعلى علاقة اليمن بالعالم. وكل تحد من التحديات السابقة له جذوره التاريخية وتعقيداته الداخلية وامتداداته الخارجية. وما يزيد الوضع سوءا هو ان البلاد تواجه العديد من التحديات في نفس الوقت وفي ظل سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا.
تمرد صعدة
بدأ التمرد في صعدة في عام 2004 وشهد حتى الان خمس جولات من المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية من جهة والتمردين من جهة أخرى. وقد انتهت الجولات الثلاث الأولى بمصالحة بين الحكومة من جهة والمتمردين من جهة أخرى. لكن تلك المصالحات التي غلبت عليها السرية قادت الى جولات جديدة من الحرب. وبالنسبة للاتفاق الرابع والذي تم التوصل اليه بواسطة قطرية في يونيو 2007 فقد اختلف عن سابقيه من الإتفاقات حيث جاء مكتوبا ومعلنا ومحددا لآلية الحل. وتوفرت لإتفاق 2007 الكثير من شروط النجاح وأهمها وجود الوسيط الخارجي وتبني آلية للحل يشارك في تنفيذها معظم القوى السياسية. ورغم ذلك فقد انتهى به الأمر الى الفشل لأسباب كثيرة لا يتسع المجال هنا لمناقشتها. وكان هناك اتفاق خامس في الدوحة تلى الإتفاق الرابع وقاد الى الجولة الخامسة من الحرب.
ويمكن ادراج الصراع الدائر في صعدة تحت ذلك النوع من الصراعات الذي يبدأ فيه الأطراف بالصراع ثم يبحثون بعد ذلك عن الأسباب التي يمكن ان يبرروا بها الصراع. وتكون النتيجة هي ان الصراع ذاته يتحول الى سبب ونتيجة في نفس الوقت. فالدولة تحارب الحوثيون لإنهم يحاربونها والحوثيون يحاربون الدولة لإنها تحاربهم.
ولعل المشكلة التي تواجه المحلل بالنسبة لأحداث صعدة لا تكمن في غياب التفسيرات المختلفة للاسباب التي ادت الى اندلاعها ثم استمرارها ولكنها تكمن بشكل أساسي في كثرة الأسباب الى الحد الذي يصعب معه وفي ظل بقاء الأزمة على حالها تحديد سبب واحد أو بضعة اسباب مقنعة للازمة. فقد تولى الهاشميون تاريخيا الحكم وتولت الزيدية القبلية ممثلة بحاشد وبكيل المناصرة. وتغيرت الأدوار بقيام ثورة ال26 من سبتمبر حيث اصبح المناصرون حكاما والحكام انصارا. واذا كان الهاشميون قد قبلوا في الماضي وان على مضض بعملية تغيير الأدوار فان ظهور التوريث كخيار استراتيجي للزيدية القبلية وظهور وتنامي الفقر والفساد وتفريغ الآلية الديمقراطية من مضمونها قد خلقت كلها الظروف المواتية لقيام التمرد. والمتأمل في خطب حسين بدر الدين الحوثي الأب الروحي للحوثية سيلاحظ تركيزه الضمني على مسألة غياب الشرعية الجمهورية ومقارنته بين الحكم الجمهوري القائم وحكم الإئمة.
وبرغم اللامبالاة التي يظهرها الكثير من اليمنيين تجاه الصراع فان الملاحظ، وكما اثبتت الجولات السابقة من الحرب، ان الصراع يزداد تعقدا كلما طال عمره. فالحوثيون الذين لم يطرحوا مطالب سياسية واضحة خلال الجولات الثلاث الأولى صار لهم مطالب سياسية ودينية واضحة خلال الجولتين الرابعة والخامسة. وفي الوقت الذي كان فيه الصراع محصورا خلال الجولات الثلاث الأولى على الحكومة والمتمردين شهدت الجولة الرابعة دخول قطر ومن خلفها بعض القوى الإقليمية والدولية كوسيط في الأزمة. وفي الوقت الذي انحصرت فيه المواجهات العسكرية في الجولات السابقة على محافظة صعدة فانه يلاحظ ان المواجهات في الجولة الحالية تتم في ثلاث محافظات.
وفي الوقت الذي لم ينجح فيه الحوثيون خلال الجولات السابقة في تصوير الحرب على انها حرب طائفية فان الجولة الخامسة من جولات الصراع قد شهدت اختراقا حوثيا للاعلام الدولي يصور الصراع الدائر على انه صراع طائفي. ويظهر تحقيقا نشرته صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية المقربة من الحكومة الأمريكية يوم ال7 من يونيو 2008 الحوثيين وهم يقودون حربا ضد النظام اليمني المتحالف مع القاعدة والوهابيين المتشددين الذين ينظرون الى الشيعة على انهم خطر على المجتمعات والدول يجب استئصاله. وشهدت الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب تحول ربة بيت امريكية تقيم في ولاية نيوجرسي وتعرف باسم جين نوفاك وتنشط في القضايا الحقوقية وخصوصا تلك المتصلة بالشيعة في اليمن الى رمز اعلامي هام. وبعد ان كانت نوفاك تجد صعوبة في نشر افكارها في الصحف داخل الولايات المتحدة أصبحت فجأة حديث وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية حيث قدمتها محطة فوكس نيوز اكثر المحطات الأمريكية مشاهدة على انها ربة بيت امريكية تمكنت من التحول الى العدو الأول للحكومة اليمنية. وظهرت نوفاك بعد ذلك في محطات اذاعية وتلفزيونية عديدة ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن ايضا في اوروبا.
وتثير الطريقة التي يتطور بها الصراع القلق من ان استمرار الحرب قد يقود الى تورط اطراف خارجية في الصراع او ينتقل بالتمرد الى وضع الحرب الأهلية. ومع ان هناك من يقول ان السعودية تدعم النظام بالمال والأسلحة الإ ان ذلك القول غير واقعي. فقد اظهرت السنوات الماضية من الصراع ان القوى الإقليمية وفي مقدمتها السعودية وايران تدرك حساسية الوضع وتدرك ان تدخل اي منها لصالح طرف سيقود القوى الأخرى الى التدخل لدعم الطرف الآخر وهو ما قد يدفع باليمن الى حرب أهلية تستمر لعقود وتزعزع استقرار المنطقة بكاملها. ولا يبدو الحديث عن مخاوف سعودية من قيام دولة شيعية الى جنوبها قد تمتد الى بعض المناطق التي يسكنها الشيعة داخل الحدود السعودية منطقيا في ظل الدعم السعودي خلال ستينيات القرن الماضي للامام المخلوع.
واذا كانت الحلول السلمية قد فشلت او تم افشالها فان السؤال الذي يطرح نفسه يدور حول ما اذا كان "الحسم العسكري" الذي تتحدث عنه السلطة بشكل متكرر ممكنا. ومع ان الحكومة لا تقدم تعريفا ل"الحسم العسكري" وهو ما يقود الى الكثير من سوء الفهم الإ ان ما يفهم من الخطاب السياسي الحكومي المصاحب للحرب هو ان الحسم العسكري يعني ان يلقي الحوثيون باسلحتهم ويخلوا مواقعهم العسكرية ويعودوا الى قراهم.
وليس هناك جواب سهل على السؤال الخاص بمدى امكانية الحسم العسكري. فالمتأمل في التمردات التي شهدتها اليمن في القرن العشرين سيلاحظ بسهولة ان تلك التمردات قد حسمت في الغالب باستخدام القوة. لكن القياس التاريخي هنا قد لا يساعد في ترجيح كفة الداعين الى الإستمرار في الحرب حتى حدوث الحسم وذلك لإختلاف السياقات التاريخية عن المعاصرة. فللتمثيل فقط فان الإستخدام المفرط للقوة الذي كان ممكنا خلال النصف الأول من القرن العشرين لم يعد ممكنا الان واصبح يندرج ضمن جرائم الحرب التي قد تعرض مرتكبيها لعقوبات ومحاكمات وملاحقات دولية. ضف الى ذلك ان اليمن تواجه هذا التمرد وهي تعاني الكثير من التحديات الانية والإستراتيجية والتي تجعل استمرار الحرب بمثابة استزاف لقدرات البلاد المادية والبشرية.
ولا يشكل التمرد الدائر في صعدة بشكله الحالي ومهما طال امده خطرا على وحدة البلاد بشكل مباشر. لكن استمراره في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة قد يكون له تداعياته الخطيرة على النظام السياسي وعلى الدولة اليمنية وبالتالي على الوحدة الوطنية والجغرافية للبلاد. ومن وجهة نظر الكاتب فان التركيز لا ينبغي ان يكون على الطريقة التي يتم بها حسم الصراع (القوة العسكرية أو الحوار) بل على مسألة الحسم ذاتها. فمن منظور المصلحة الوطنية فان حسم الصراع بالأدوات السلمية بسرعة هو بالتأكيد افضل بكثير من حسم الصراع بالقوة بعد شهور أو سنين.
القضية الجنوبية
يتفق اليمنيون جميعهم على وجود مظالم وقعت على ابناء المحافظات الجنوبية والشرقية ونتجت عن حرب عام 1994 وعن السياسات التي تم تبنيها من قبل النظام فيما بعد الحرب. لكنهم بعد ذلك يختلفون حول الطريقة التي يتم بها التعبير عن تلك المظالم. ففي حين ان بعض اليمنيين يرون ان ترديد الشعارات المعادية للوحدة والخروج في مسيرات ومظاهرات تدعو الى الإستقلال لا تمثل مشكلة طالما تم ذلك بطريقة سلمية، هناك في المقابل من يرى ان المظاهرات والمسيرات المعادية للوحدة قد تؤدي مع مرور الزمن ومع الظروف الإقتصادية الصعبة الى الإضرار بالوحدة.
ويلاحظ ان تعامل النظام مع الغضب الجنوبي، الذي يكمل عامه الأول عن قريب، قد تأرجح بين اليد اللينة واليد الغليظة. فرغم سقوط عدد من القتلى في المواجهات بين المواطنين وقوات الأمن في اكثر من مناسبة الإ انه بالنظر الى حجم المسيرات والمظاهرات والى طبيعة النظام يمكن القول بان النظام قد اظهر درجة عالية من ضبط النفس لمعظم الوقت. ولعلى اقصى درجات التصعيد قد حدثت في الفترة الأخيرة عندما قامت السلطة باعتقال الكثير من النشطاء وتقديم عددا منهم الى المحاكمات. ومع ان هناك من يعتقد ان مثل هذه الإعتقالات والمحاكمات يمكن ان تشكل رادعا الإ أن الخوف هو ان تؤدي مثل هذه المحاكمات التي يصعب تبريرها دستوريا وقانونيا وحتى اخلاقيا الى تصليب المواقف والوصول الى نتائج عكسية كما حدث في حالات سابقة وان في سياقات مختلفة. ضف الى ذلك ان الاعتقالات والمحاكمات التي تتم خارج الدستور والقانون والتشدد الذي يبديه النظام في مواجهة المعارضة تخلق شعورا يؤثر سلبا على امكانية حسم التمرد في صعدة أو التغلب على غضب الجنوب.
واذا كان التعديل الحكومي الأخير الذي تم ادخاله على حكومة الدكتور/علي محمد مجور في ال19 من مايو قد جاء ليقوي من القبضة الأمنية في بعديها العسكري والشرطوي، فانه قد أثار بالتأكيد قلق الطبقة السياسية من قيام النظام بالإنقلاب على اسس العقد الإجتماعي وفرض رؤيته ومصالحه على الآخرين داخل النظام وخارجه وبالحديد والنار كما يقولون. وتشكل اختراقات النظام المتكررة للدستور والقانون ومحاكمات الخيواني والقرني وغيرهم من الناشطين مبعث قلق واسع من ان النظام يمارس الإنتقام من خصومه ولا يفرق بين المعارضة السلمية وحمل السلاح في وجه الدولة.
وبالنسبة لجهود النظام في معالجة المشاكل والإختلالات والمظالم القائمة في المحافظات الجنوبية والتي شكلت الدافع الأعمق للغضب الجنوبي فقد قام النظام ببعض المعالجات حيث تم اعادة الكثير من الكوادر الجنوبية الى الخدمة وتم تسوية اوضاع اولئك الذين تم احالتهم الى التقاعد. وكان هناك تعيينات لبعض الكوادر الجنوبية في مواقع قيادية داخل المؤسسات المدنية والعسكرية. وقد ساعدت تلك الإجراءات في امتصاص بعض الغضب. وهناك رهان كبير على ان يلعب المحافظون الجدد للمحافظات الجنوبية والشرقية والذين تم اختيارهم—بغض النظر عن طريقة الإختيار—من بين ابناء تلك المحافظات دورا كبيرا في امتصاص غضب ابناء تلك المحافظات وفي معالجة المشاكل القائمة اولا باول. لكن الرهان على المحافظين او على المعالجات التي تم اتخاذها او على القبضة الأمنية وعدم المضي قدما في اصلاحات سياسية واقتصادية تفعل النظام القائم وتحسن من مستوى ادائه وبما يكفل تحسين مستوى المعيشة للناس في الشمال والجنوب على السواء قد يجعل مستقبل البلاد مفتوحا على كل الخيارات.
سياقات معقدة
يواجه النظام اليمني تمرد صعدة وغضب الجنوب وتهديدات القاعدة في ظل سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة. فعلى الصعيد السياسي تعاني الطبقة السياسية في جانبيها الرسمي وغير الرسمي العديد من الإنقسامات التي اضعفت تماما ما يمكن تسميته ب"الإرادة الوطنية" التي هي بالتأكيد الضامن الأول للنظام والدولة. أما على الصعيد الإقتصادي فان البلاد تواجه وبالتزامن تراجع في انتاج النفط وفي المخزون المائي. وفي الوقت الذي ادت فيه ارتفاعات اسعار المواد الأساسية كالقمح والشعير الى التضييق على الكثير من اليمنيين في عيشهم يواجه الإقتصاد اليمني ضغوطا دولية لرفع اسعار المشتقات النفطية وللقيام بالعديد من الإصلاحات التي سيكون من شأنها التأثير سلبا على المزيد من السكان وبالتالي احداث المزيد من التآكل في شرعية النظام وفي القدرة على الحكم. اما على الصعيد الإجتماعي فان اليمن تواجه وبالتزامن ايضا معدل للنمو السكاني هو واحد من ضمن الأعلى في العالم واتساعا في رقعة الفقر وارتفاعا في معدلات البطالة وتدهورا في الخدمات الأساسية وعلى راسها الصحة والتعليم.
وفي بلد تتناقص فيه الموارد ويشتد الصراع حولها يلاحظ ان السياسات المختلفة التي تم تبنيها في الماضي قد قادت الى تبلور طبقتين اجتماعيتين: طبقة صغيرة متخمة واغلبية فقيرة معدمة. اما الطبقة الوسطى والتي يمكن ان تشكل الضامن للاستقرار فقد تلاشت. وفي ظل تركيبة اجتماعية مثل هذه سيكون من الصعب تحقيق اي شكل من اشكال الإستقرار. ومع ان تجارب الأنظمة في العالم الثالث في مثل هذه الظروف هي اللجوء الى توظيف الموارد المحددودة لتقوية ادوات القمع الإ ان تلك المعالجات نادرا ما تنجح. وتظل الشراكة الوطنية والتوافق السياسي هي الأقل تكلفة للنظام وللبلاد والخيار الأضمن والأسلم للجميع.
عن الأهالي بتاريخ السابع عشر من يونيو 2008

السبت، 14 يونيو، 2008

حتى لا يتحول "المتمردون" الى "ثوار"

سيكون من الخطأ ان يقلل اي مراقب من خطورة الخلاف القائم بين المؤتمر واللقاء المشترك حول اللجنة العليا للانتخابات ومن آثاره المحتملة على مستقبل البلاد. فقانون الإنتخابات لا يقل أهمية عن الدستور ذاته. ولذلك فان اي تعديل عليه لا بد ان يعكس وفاقا وطنيا للقوى السياسية في البلاد وليس مصالح الأغلبية الحاكمة أو الأقلية المعارضة. ويمكن تشبيه دور اللجنة العليا للانتخابات بالنسبة للعملية السياسية برمتها بدور فريق التحكيم لمباراة في كرة القدم. فلو افترضنا مثلا ان فريق اليمن لكرة القدم سيقابل فريق البرازيل في مباراة ضمن تصفيات كاس العالم فان اختيار فريق التحكيم سيكون بالتوافق بين اليمن والبرازيل. ولن يطالب البرازيليون بالإنفراد بتشكيل فريق التحكيم لإنهم يلعبون افضل من اليمن بمئة مرة. فالهدف الأساسي هو ان يكون الفريق محايدا..
وهكذا الحال بالنسبة للعملية السياسية. ف95 في المائة من الديمقراطية اليمنية هي الإنتخابات بكل علاتها. وتتحدد معظم نتائج الإنتخابات عن طريق القواعد والنظم الحاكمة للعملية الإنتخابية والتي تشكل لجنة الإنتخابات جانب واحد من بين عدة جوانب تتطلب اعادة النظر فيها. لكن حيادية اللجنة العليا للانتخابات واستقلاليتها هي بالتأكيد أهم جزء في العملية الإنتخابية وهي مبادىء نص عليها الدستور بوضوح. وفي الحالة اليمنية بالتحديد فان انفراد طرف بتشكيل اللجنة من خطباء الجوامع او القضاة أوشيوخ القبائل أو من الملائكة أو الشياطين او غيرهم ولن يعني سوى شيئا واحد هو "الإنقلاب على الدستور" الذي تم اقراره في عملية توافقية بين القوى السياسية وانقلابا على الديمقراطية كالية للوصول الى السلطة.
وينبغي التنبيه هنا الى أن ما ينطبق على قانون الإنتخابات لا ينطبق على القوانين الأخرى بنفس الطريقة وبنفس الآثار الخطيرة. فبامكان الحزب الحاكم ان يمرر باغلبيته الكبيرة سياسة معينة عن بشكل منفرد كما فعل قبل اسابيع فيما يتعلق بقانون السلطة المحلية. وبامكان الحزب الحاكم ان يمرر منفردا قانونا يحدد مرتبات للموظفين دون ان يترتب على ذلك اي نتائج بالنسبة للنظام السياسي أو للدولة ككل. لكن قانون الإنتخابات هو عبارة عن قواعد تنظم العملية السياسية برمتها. ولذلك يعتبر الخلاف حول قانون الإنتخابات خلافا حول الأصول وليس حول الفروع. وفي حال وجود خلاف حول الأصول وعجز القوى السياسية عن التوافق حوله فان ذلك يمكن ان يمكن ان يكون مؤشرا على امكانية حدوث تطورات سلبية تضر بالبلاد بشكل عام.
ومن المهم الإشارة هنا الى ان الخلاف بين الحزب الحاكم والمعارضة حول تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ليس الخلاف الأول من نوعه. وقد انتهت خلافات المرة السابقة بين الإثنين باتفاقية اللحظة الأخيرة. والمنتظر هذه المرة وبغض النظر عن التفاصيل هو ان يصل الطرفان الى وفاق حول اللجنة يجنب البلاد المزيد من الأزمات والمزيد من التدهور. وهذا هو التطور المنطقي والطبيعي للاحداث.
اما اذا قرر الحزب الحاكم تعديل قانون الإنتخابات والإنفراد بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات فان ذلك سيجعل مستقبل البلاد مفتوحا على العديد من الإحتمالات السيئة. وبداية فان اي برلمان منتخب لن يكون من منظور دستوري وقانوني شرعيا واي قانون يتم اقراره من قبل ذلك البرلمان قد لا يكون ملزما سوى للحزب الحاكم وافراده.
والخوف هنا ليس من قيام المشترك وانصاره والمتعاطفين معه بالزحف على مجلس النواب واحتلاله أو ان يرفضوا طاعة القوانين. فذلك الأمر حتى وان حدث لن يشكل خطورة على البلاد والعباد. لكن المشكلة تكمن في وجود تمرد في ثلاث محافظات ومرشح للامتداد لمحافظات أخرى. وهناك بالإضافة الى ذلك دعوات انفصالية قوية في ست محافظات. وما يخشاه الكاتب هو ان تشهد الأشهر القليلة القادمة تحول "الحوثيون" في اقصى الشمال و"دعاة الإنفصال" في الجنوب من "متمردين" و"انفصاليين" الى "ثوار." وعندها لن يكون الخاسر هو الحزب الحاكم أو اللقاء المشترك بل كل اليمنيين.
للحلماء فقط
هناك اشخاص تفرض عليهم مواقعهم الإجتماعية أوالسياسية وسواء أكانوا في السلطة أو في المعارضة ان يحترموا بعضهم بعضا ولو من باب التظاهر والحفاظ على احترام الآخرين لهم وتقديم المثل الأعلى في السلوك للاخرين. أما حين تخرج تلك الرموز على قواعد السلوك السليم فان كل ما تفعله هو انها تشجع الآخرين على عدم احترامها وبالتالي تضعف دورها الرمزي والإخلاقي. واذا كان الخصام مقبولا في كل الشئون فان الفجور في الخصام غير مقبول..

عن صحيفة العاصمة 14 يونيو 2008

الاثنين، 2 يونيو، 2008

نبيل الصوفي (عن عدد من المواقع) للتأمل فقط

أكد الأخ نبيل الصوفي عضو الهيئة الاستشارية غير الحكومية لمراقبة تنفيذ البرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية أن الهيئة وجدت إجراءات تنفيذية حقيقية للبرنامج خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات القانونية والسياسية وإنشاء مؤسسات ذات دور وطني كهيئة مكافحة الفساد ولجنة المناقصات إلى جانب إنشاء مجلس للشفافية الاستخراجية لمراقبة عائدات النفط وهو المشروع الأول من نوعه في المنطقة العربية।
وأوضح الصوفي أن اليمن شهدت تحقيق الجزء المهم من البرنامج الذي كان الكثير يرونه بعيد المنال وهو ما يتعلق بانتخاب المحافظين كخطوة أولى باتجاه ما يليه من البرنامج بشأن توسيع صلاحياتهم ونقل المزيد من القضايا المتصلة بالمخصصات المالية إليهم.
واستغرب نبيل الصوفي من مواقف المعارضة المشككة حول الانجازات التي تحققت على المستوى الداخلي وخاصة فيما يتعلق بإنشاء هيئة مكافحة الفساد أو انتخاب المحافظين.
ودلل الصوفي على ذلك بقوله إن المعارضة ظلت تكذب كل خطوة بشأن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بمبرر أن القانون غير دستوري وبعد أن صدر القانون, جادلت مشككة بشأن أعضاء الهيئة وقالت إنهم غير مؤهلين.. وها هي اليوم تسابق للتواصل معهم والاستدلال بأقوالهم.

الأحد، 1 يونيو، 2008

نداء لإنقاذ عبد اللطيف

يأمل الدكتور عبد الله الفقيه من السيد عبد الملك الحوثي المبادرة إلى تحمل تكاليف علاج نجل شقيقته عبد اللطيف الفقيه والذي أصيب وهو يقاتل في صفوف القوات الحكومية لكن الدولة أهملته وقدمه الآن مهددة بالبتر في ظل تدني الرعاية الصحية في المستشفى العسكري بصنعاء وفي ظل اقتصار حق السفر للخارج للعلاج على فئات ومناطق معينة مع العلم ان عبد اللطيف يعول ستة أطفال ولن يعني بتر قدمه سوى وضع مستقبل أطفاله في مهب الريح.