الخميس، 31 مارس، 2011

دعوة للمشاركة في مسابقة المدرسة العربية في الدراسات الديمقراطية

عن موقع التغيير 


أعلن موقع الجماعة العربية للديمقراطية، بالتعاون مع مشروع المدرسة العربية للبحوث والدراسات، عن اطلاق مسابقة للباحثين الشباب من الجنسين الذين لا تتجاوز اعمارهم عند تقديم طلب المشاركة 35 عاما حول "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية وواقع الحال في الدول العربية".


وتهدف المسابقة، كما جاء في الإعلان، الى الارتقاء بالبحث العلمي وتنمية المعرفة العربية ونشر الثقافة الديمقراطية في مجال الفكر والممارسة، وذلك من خلال تشجيع الباحثين الواعدين من الشباب الناطقين باللغة العربية، على تناول قضايا الفكر والممارسة الديمقراطية ودراسة حالة الديمقراطية في دولهم العربية. وقد تم رصد مبلغ 20 ألف دولا للجائزة نصفها للأعباء والمصاريف والنصف الثاني من الجائزة والبالغ 10 آلاف دولار يوزع على ثلاثة فائزين وبحيث يحصل الفائز الأول على 5000 دولار؛ الفائز الثاني على 3000 دولار؛ والفائز الثالث على 2000 دولار.


ويقوم بتحكيم البحوث المقدمة للمسابقة لجنة تشكل من أكاديميين وباحثين متخصصين. للحصول على المزيد من المعلومات حول الجائزة ومواعيد تقديم طلبات المشاركة، يرجى مراجعة موقع الجماعة العربية للديمقراطية على العنوان التالي: www.arabsfordemocracy.org

الحديث عن الإستراتيجية دون الاطلاع عليها

د. علي خليفة الكواري 

أثار اهتمامي هذه الأيام كثرة إشادات نجوم الإعلام وأجهزته في قطر بإستراتيجية التنمية الوطنية, فأخذت ابحث عن نص الإستراتيجية كي أقرأه وأتعرف عليه بعد أن تم تدشين الإستراتيجية بثلاثة أيام. وقلت لنفسي أذا فاتك فرصة ابداء الرأي قبل صدور الإستراتيجية فلا أقل من أن تطلع عليها بعد صدورها.
فأخذت أتصفح الجرائد القطرية فلم أجد نصا وإنما وجدت إشادات ومديح ربما من "شاهد ماشافش حاجة". وبحثت في الانترنت وبشكل خاص في موقع الأمانة العامة لتخطيط التنموي فلم أجد نصا وإنما مجرد أشارات سابقة ولاحقة على التدشين لا تشفي رغبة من يريد أن يعرف ولا يقف عند فقاعات العناوين.
وسؤالي هل أطلع أحدا منكم على نص الإستراتيجية وكيف لنا أن نصل إليه. وهل يمكن وضع النص في مدونة المجلس التشريعي ونشره في الصحف كي يتيسر معرفة ما يحتويه النص وإبداء الرأي حوله. وكذلك مقارنته بنص "الإستراتيجية العامة للتنمية ألاقتصادية والاجتماعية بدولة قطر" التي صدرت عام 1996 ولم توضع موضع التطبيق مع ألأسف.
انني أريد أن أعرف :
ما هي الأهداف النوعية والكمية التي سوف تعمل الإستراتيجية من أجل الوصول إليها؟
هل تعترف ألإستراتيجية بأوجه الخلل المزمنة مثل الخلل السكاني وتفاقمه وغياب المشاركة السياسة الفعالة؟
و كيف ستعالج أوجه الخلل المزمنة وتجنب قطر أوجه خلل إضافية بحكم استمرار الأوضاع دون مشاركة شعبية فاعلة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة؟.
كيف ستعيد الإستراتيجية خلال خمس سنوات نسبة القطرين في السكان إلى النسبة التي كانوا عليها قبل عشر سنوات (30%) على ألأقل؟
بعد أن تدنت نسبتهم بسبب التوسع العقاري وما يرتبط بيه من بنية أساسية إلى 12% في الوقت الحاضر, نتيجة لربط الإقامة الدائمة بشراء المساكن التي أعدت لغير المواطنين والمقيمين للعمل.
وكذلك أريد أن أعرف كيف ستعيد الإستراتيجية للمواطنين الدور الرئيسي في المجتمع؟
وتصون هويتهم العربية-الإسلامية وتعيد للغة العربية دورها الرئيسي في التعليم العام وفي الإدارة؟
و كيف يصبح القطريون هم قيادات وكوادر الإدارة العامة في القطاع العام والخاص ومتخذي القرار فيهما, وتتوقف سياسة الإحالة على التقاعد المبكر والبند المركزي وإخوانه من البنود؟
ومتى وكيف تتحول قطر إلى نظام حكم ديمقراطي وعد الشعب به منذ أربعين عام؟
كي تكون هناك شفافية في المال العام وتنشر الميزانية العامة والحسابات الختامية للميزانية والهيئات العامة والاحتياطي العام للدولة ويعرف الجميع إجمالي الدخل والمصروفات العامة والأوجه التي تم الصرف عليها من المال العام.
أن الإشادة بأمر دون الاطلاع عليه , قد يضلل ويسيء وربما يوصم بالنفاق.
الدوحه 30-3-2011

الأحد، 6 مارس، 2011

إمبراطورية الصالح

 د . عبد الله الفقيه

يذهب بعض علماء السياسة والاجتماع إلى أن مشكلة الأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث تتمثل في محدودية الخيارات المتاحة لها عندما يتعلق الأمر بتحقيق التنمية الاقتصادية. فالأنظمة الاستبدادية تواجه خيارين يصعب التوفيق بينمها؛ فإما تحقيق التنمية، أو الحفاظ على بقائها في الحكم. بالنسبة لخيار تحقيق التنمية فإنه يقتضي أن تمضي الأنظمة قدما في عمليات الإصلاح الاقتصادي بما تتضمنه تلك العمليات من تحرير الاقتصاد والإنهاء التدريجي لسيطرة الدولة على القطاعات الاقتصادية المختلفة ، ومكافحة الفساد، وغيرها. أما خيار المحافظة على بقائها، فيتضمن الحفاظ على دور الدولة المهيمن على الاقتصاد، إعاقة أي تحول اقتصادي من شأنه أن يخلق طبقة وسطى، وإطلاق يد الفساد في المستويات المختلفة للنظام. ويذهب العلماء إلى القول بأن النظم الاستبدادية تواجه خطر السقوط في الحالين؛ فاذا اختارت التنمية الاقتصادية فإن تلك العملية تؤدي إلى قيام الطبقة البرجوازية المنحازة بطبيعتها إلى الاستقرار السياسي الذي لا يتحقق إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي, أما إذا اختارت الحفاظ على الحكم فإنها تتعرض للسقوط تحت أقدام الجياع!

وقد عمل الرئيس علي عبد الله صالح، ربما بسبب فهمه الغريزي لعلاقة الاقتصاد بالسياسة وعلاقة السياسة بالاقتصاد، خلال 33 عاما على إبقاء اليمن بشكل مستمر على "حافة الهاوية"؛ فلا هو بالذي حقق التنمية ولا هو بالذي أقنع الجياع بالثورة عليه.. لكن سياسات البقاء التي اتبعها قادت إلى ذات النتيجة التي ظل يتجنب الوصول اليها. ويمكن إجمال التوجهات الاقتصادية لفترة الرئيس صالح في الاتي.

1. السيطرة على الثروة العامة

ارتكزت قدرة صالح على البقاء في السلطة على شراء الولاءات. واذا كان قد استدان في البداية 30 مليون من أحد تجار مدينة تعز وقام بتوزيعها على المشايخ كي يرضوا به رئيسا في عام 1978, كما تم الإشارة في مقال سابق، فإن فاتورة شراء الولاءات ستزداد بصورة جعلت الرئيس يسعى إلى السيطرة التامة على كل موارد البلاد بلا استثناء وتبديدها بعد ذلك في شراء الولاءات. وتتخذ عملية الاستيلاء على الثروة العامة صورا عدة, أهمها: الاستيلاء على المؤسسات العامة المدرة للدخل، وأراضي الدولة والأوقاف، وغيرها.. وقد عمل صالح، وبغرض الاستيلاء على المؤسسات الاقتصادية العامة والمختلطة المدرة للدخل، على تسليم تلك المؤسسات لأفراد من الأسرة أو العشيرة أو ذوي الثقة يديرونها بغموض كبير يكتنف عمليات تلك المؤسسات.

فالمؤسسة الاقتصادية اليمنية كانت مؤسسة تابعة للقوات المسلحة وكان اسمها "المؤسسة الاقتصادية العسكرية" ثم تم تغيير اسم المؤسسة وإخراجها من سيطرة الجيش وإخضاعها للسيطرة المباشرة للرئيس شخصيا, قبل أن يؤدي إثارة وضع المؤسسة في مجلس النواب إلى عودتها كمؤسسة عامة, ودون أن يعني ذلك اخضاعها للمؤسسات الدستورية. وكان يتولى إدارتها حتى وقت قريب أحد أنساب الرئيس من الهاشميين, وهو علي محمد الكحلاني, قبل أن يتم مؤخرا إسناد مهامها نهاية العام الماضي إلى حافظ فاخر معياد الذي ينتمي إلى سنحان "مسقط رأس الرئيس" والذي يعتبر من المقربين من نجل الرئيس. ويقول مراقبون إن التغيير هدف إلى وضع إمكانات المؤسسة الطائلة تحت تصرف نجل الرئيس خلال الانتخابات التشريعية التي كان الرئيس يسعى إلى عقدها بشكل منفرد وعلى أن يقوم فاخر معياد بدور مشابه للدور الذي لعبه أحمد عز في انتخابات مجلس الشعب المصري.

وتعتبر المؤسسة, وفقا لعشرات المقالات والتقارير الصحيفة, دولة داخل الدولة؛ حيث تعمل في كل شيء, بدءا- على سبيل المثال فقط- بزراعة وإنتاج وبيع الفواكه والخضار والحبوب والبذور والشتائل، مرورا بتصنيع وبيع التمور والأثاث والأدوية والملح، مرورا بالتجارة بالملابس بأنواعها المختلفة ومواد البناء والعقارات والبيوت الجاهزة والماشية والدواجن واللحوم ، وانتهاء ببيع الخبز والكعك للمواطنين من خلال أكشاك تنتشر في مختلف أرجاء العاصمة. وقد أثار وضع المؤسسة، التي يتم دعمها بمبالغ كبيرة من الموازنة العامة للدولة, وتوكل إليها العديد من العمليات التي تقوم بها الدولة, وابتلعت العديد من المؤسسات العامة، وما زال يثير الكثير من الجدل داخل مجلس النواب اليمني وخصوصا بعد أن وجد النواب صعوبة كبيرة في الوصول إلى حسابات المؤسسة التي تأتي أرباحها على نحو متكرر "صفر"!

أما بنك التسليف التعاوني الزراعي، الذي أنشئ في عام 1975، والذي كان معياد يديره حتى وقت قريب، فقد تم تحويله إلى بنك تجاري لا يحظى المزارعون منه سوى بنسبة زهيدة من أعماله, مع احتفاظ البنك بدعم من الدولة يذهب مع أموال البنك وودعائه في عمليات إقراضية مشبوهة لنافذين داخل النظام. وقد ارتبطت عمليات البنك, الذي توسع كثيرا ليتحول إلى "امبراطورية", بالكثير من تهم الفساد. ومع أن معياد اشتهر بعقلية تحديثية في إدارة البنك حيث أدخل الكثير من الخدمات, إلا أن الاعتبارات السياسية- كشراء الولاءات للنظام- هي التي طغت على إدارته للبنك. وتقول مصادر أن خروج معياد من البنك لا يعني خروج البنك من تحت سيطرته بقدر ما يعني ضم المؤسسة الاقتصادية اليمنية إلى البنك وتسخير الإثنين لخدمة الرئيس ونجله.. وهذا هو السر في تزعم حافظ معياد للبلاطجة في اليمن؛ فهو بلطجي بثروة تقدر بمليارات الدولارات!!

وتمتد السيطرة الأسرية على المال العام لتشمل المؤسسات التي تساهم فيها الدولة والقطاع الخاص. فشركة التبغ والكبريت الوطنية، التي تأسست كشركة مساهمة يمنية مختلطة في عام 1963 ، وتملك الدولة 51% من رأسمالها، وتدر أرباحا سنوية لا تقل عن المليار دولار أو حوالي 15% من موازنة الحكومة اليمنية، تم إسناد إدارتها إلى توفيق صالح عبد الله صالح وهو واحد من أبناء إخوة الرئيس. وكان اسم توفيق صالح قد ورد في تحقيقات تجريها وزارة العدل الأمريكية بشأن قيام شركة شلومبرجر العملاقة للخدمات النفطية والمسجلة في أكثر من دولة، وبهدف الحصول على عقد تطوير بنك معلومات حول الاستكشافات النفطية في اليمن، بمنح رشاوي تجاوزت 1.3 مليون دولار لشركة وهمية أنشأها توفيق صالح وسماها "يمن انفست." ومع أن توفيق صالح لم ينفِ التهمة, إلا إنه قال أنه حصل على المبالغ كأجور مناصرة. وقد اختارت صحيفة 26 سبتمبر توفيق صالح كـ "رجل العام" - كما قالت- في تحد واضح من الرئيس للشعب.

ولا يختلف الوضع في الخطوط الجوية اليمنية التي تأسست في عام 1978 كاستثمار مختلط بين الحكومتين اليمنية والسعودية وبنسبة 51% و49% لكل منهما على التوالي؛ فقد تم إسناد إدارتها للكابتن عبد الخالق صالح القاضي، ابن خال الرئيس. وهناك الكثير من الغموض حول عمليات الشركة والأرباح الصفرية التي تحققها.

وحيث أن السلطة السياسية والمكانة الاجتماعية والقدرة على ممارسة التأثير ارتبطت تاريخيا بالمكانة الاجتماعية, فقد عمل النظام القائم ورموزه على الاستيلاء على معظم أراضي الدولة والأوقاف, إما عن طريق الأوامر الرئاسية المباشرة أو عن طريق البسط بالقوة. فبعد حرب عام 1994 -مثلا- تم توزيع أراضي الجنوب على أقارب الرئيس وأنسابه وكبار مسئولي حزبه. ويذهب تقرير حكومي يعرف بتقرير هلال/باصرة, وهي لجنة حكومية شكلها صالح من كل من: صالح باصرة (وزير التعليم العالي) وعبد القادر هلال (وزير الإدارة المحلية حينها) لدراسة مشاكل الأراضي في الجنوب, إلى أن 15 شخصا من أقارب الرئيس يسيطرون على معظم أراضي الجنوب.

2. الجمع بين الأختين

يجمع الرئيس اليمني وإخوانه وأنجاله وأقاربه وأنسابه ومسئولو الدولة في حزبه بين الأختين- بحسب تعبير معارضي الرئيس- وهما: التجارة والسياسة، وبطريقة يتم من خلالها استغلال الموقع الحكومي لدعم العمل التجاري. ويحدث ذلك على الرغم من أن المواد (أرقام 118 و136) من الدستور اليمني النافذ تحظر على كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء ممارسة التجارة ولو بطريقة غير مباشرة أو الدخول في تعاملات مع الدولة. فالمشير علي عبد الله صالح، رئيس الجمهورية اليمنية، كما تؤكد المعلومات, يملك بطريقة غير مباشرة شركة توفيق لخدمات النفط والغاز المقيدة باسم توفيق عبد الرحيم مطهر. ويحصل مطهر على معاملة خاصة من قبل مؤسسات الدولة حيث تحول إليه أراضي وممتلكات عامة ومبالغ مالية تحت مسميات مختلفة وبدون وجه حق. ورغم أن الدولة تملك شركات لتوزيع منتجات النفط (شركة توزيع المنتجات النفطية، شركة النفط اليمنية، الشركة اليمنية للغاز، شركة مصافي عدن) يمكن أن تقوم بتزويد الجهات الحكومية باحتياجاتها من مشتقات النفط بشكل مباشر، إلا أن المهمة غالبا ما تسند إلى مطهر.. وقد بلغت الديون المتراكمة لدى مطهر للدولة مليارات الريالات اليمنية! وتؤكد مصادر أن رسالة موجهة من وزير النفط خالد بحاح إلى رئيس مجلس الوزراء د. علي محمد مجور بعنوان "حصر القضايا التي هي محل نزاع بين وزارة النفط والمعادن وتوفيق عبد الرحيم مطهر" قد أدت إلى الإطاحة بالوزير في مايو 2008.

ويملك العميد أحمد علي عبد الله صالح- نجل الرئيس- قائد القوات الخاصة, على سبيل المثال, ووفقا للكثير من الشهادات والتقارير الصحفية, شركة الحاج للمعدات الثقيلة والسيارات والمسجلة بإسم "محمد الحاج" بين ممتلكات أخرى لم يتسنَ التأكد منها, بالإضافة الى مساحات شاسعة من الأراضي. وكانت وزارة العدل الأمريكية قد أدانت في أبريل عام 2009 شركة اتصالات مسجلة في الولايات المتحدة تحت اسم "لاتين نود" بتهمة تقديم رشاوي لمسئولين يمنيين من ضمنهم نجل الرئيس اليمني وذلك بهدف الحصول على معاملة تمييزية في تسعيرة الاتصالات.

أما العميد يحي محمد عبد الله صالح، ابن شقيق الرئيس، ورئيس أركان حرب الأمن المركزي, فهو بحق بيل جيتز اليمن (الثري الأمريكي المعروف) حيث يملك العديد من الشركات بما في ذلك شركة "الماز" للخدمات النفطية ومؤخرا للتجارة، شركة "راحة" لخدمات النقل داخل وبين المدن، شركة هاواي الصينية للكابلات وشركة "سمر" للسياحة التي تحمل اسم ابنته. وتقول تقارير إن سيارات شركة راحة لا تجمرك وإنما تحصل على أرقام عهده من قبل سلطات الجمارك.. وتتهم شركة "الماز" بأنها تفرض على مزارعي القطن في الجنوب الأسعار التي تريد.

ويملك اللواء علي محسن الأحمر، الذي يقال إنه الأخ غير الشقيق للرئيس, والذي يعمل قائدا للمنطقة الشمالية الغربية، العديد من الشركات ومساحات شاسعة من الأرض، بالإضافة إلى شركة "هدوان" للخدمات النفطية التي يديرها واحدا من أنجاله. كما أن علي محسن- كما تقول تقارير صحافية- شريك أيضا في شركة "المجموعة الرائدة للهندسة" والتي يملكها عدد من الأشخاص ومن ضمنهم أحمد الكحلاني- أحد أنساب الرئيس.

3. السيطرة على الاستثمار

عمل صالح على منع ظهور أي قوة اقتصادية مستقلة عن النظام يمكن أن تشكل تهديدا لبقائه الذي يعتمد في سيطرته على النخب على ما يقوم بتوزيعه عليها من عطايا بما في ذلك فرص الاستثمار ومحفزاته والعقود الحكومية ونحوها. والملاحظ أن هذا التوجه قد تعزز بشكل كبير بعد تبني الآلية الانتخابية بكل اختلالاتها كأساس لتجديد المشروعية. كما تم ايضا إسناد ملف الاستثمار في اليمن إلى العميد أحمد علي عبد الله صالح- نجل رئيس الجمهورية- والذي يتم تهيئته لخلافة والده, وذلك لضمان السيطرة التامة على الاستثمارات.. وقد عين الرئيس على رأس الهيئة العامة للاستثمار أحد أصدقاء العميد احمد وهو صلاح العطار. وكان مجلس النواب اليمني في 27 يوليو 2010 قد قام بطرد العطار من إحدى جلساته أثناء مناقشة قانون الاستثمار بعد أن اتهمه أحد الأعضاء بأنه قال "طز في مجلس النواب" وهو ما فهم على أن العطار يستقوي بنجل الرئيس ضد المجلس. وتم إسناد حقيبة السياحة إلى نبيل الفقيه (من سنحان) وهو أحد الشخصيات المقربة من العميد يحيى- ابن شقيق الرئيس- وصاحب الاهتمامات الرسمية والاستثمارية في قطاع السياحة. ويلاحظ أن الفقيه ورغم موقعه الرسمي وجه رسالة نشرت نصها اليقين الأسبوع الماضي وفيها يطالب الرئيس بإجراءات تمهد لنقل السلطة أواخر العام الحالي.

وقد أدى دخول عصابات الحكم غالبا بأموال الدولة أو كشركاء للمستثمرين في الربح, دون المشاركة في رؤوس الأموال, إلى القضاء على المنافسة الشريفة والعادلة. وبينما تعمل الدولة على الالتحاق بمنظمة التجارة الدولية فإنها تحتال على التزاماتها بإنشاء مؤسسات احتكارية عامة تعيق التجارة الحرة مثل المؤسسة الاقتصادية اليمنية, أو شركات مختلطة بين الدولة وأفراد النخبة الحاكمة كما في حال شركة يمن موبايل للاتصالات التي دخلت السوق لغرض منافسة شركات الاتصالات الخاصة, أو شركة طيران السعيدة التي أنشئت مؤخرا كقطاع مختلط, والتي يعتقد أنها مملوكة بشكل أساسي لمسئولين مقربين من الرئيس وأسرته.

4. جوع كلبك يتبعك

تظهر السنوات الطويلة التي قضاها صالح في الحكم أنه لا يميل إلى تحقيق التنمية الاقتصادية نظرا لما يصحبها من تغييرات اجتماعية قد تقود في النهاية إلى الإطاحة به. ويتبع صالح، شأنه في ذلك شأن الأئمة من بيت حميد الدين الذين حكموا اليمن خلال النصف الأول من القرن العشرين، سياسة تعرف بـ"جوع كلبك يتبعك." وترتكز هذه السياسة على تجويع "الرعية" وجعلهم معتمدين اقتصاديا على ما يجود به الحاكم عليهم. كما تقتضي هذه السياسة مناهضة التنمية الاقتصادية وأي سياسة يمكن أن تخلق فئة اجتماعية مكتفية ذاتيا ومستقلة عن أسرة الحكم.

وفي إطار هذه السياسة، تم إنشاء جمعية الرئيس الصالح التي يرأسها نجل الرئيس لتقوم بتنفيذ العديد من البرامج الخاصة بالفئات الفقيرة. وقد أعلن الرئيس في منتصف عام 2007 تبرعه لجمعية الصالح التي يرأسها نجله العميد أحمد بمزرعة أسطورية يمتلكها في عبس بمحافظة حجه وتقدر مساحتها- بحسب الإعلان- بألف معاد وتساوي قيمتها وفقا لتقارير صحفية مليارات الدولارات. وكان قد تم لسنوات عديدة توجيه الكثير من الدعم الداخلي والخارجي للزراعة في اليمن نحو مزرعة الرئيس في عبس. وتلعب جمعية "الصالح" عدة أدوار في إطار سياسة "جوع كلبك".. من جهة، تمثل الجمعية إمبراطورية مالية تحت سيطرة نجل الرئيس يعمل على توظيفها في حشد الدعم السياسي لنفسه في أوساط الفئات الفقيرة. ومن جهة ثانية، تعمل الجمعية على استيعاب الأعمال الخيرية التي تقوم بها الدول الأخرى وخصوصا تلك ذات الطابع الرسمي؛ قاطعة بذلك الطريق على المؤسسات العامة أو أي فئة يمكن أن تستفيد بشكل مباشر من ذلك الدعم.. من جهة ثالثة، تعمل جمعية الصالح كماكنة انتخابية رديفة لما يسمى بالحزب الحاكم، وهو المؤتمر الشعبي العام.. من جهة رابعة، تعمل جمعية الصالح كوعاء لجمع التبرعات الهائلة من رجال الأعمال الموالين للسلطة وهي التبرعات التي يعتقد أنها تأتي على حساب الموارد الضريبية والجمركية العامة أو يحصل التجار المتبرعون مقابلها على معاملات تمييزية في مجالات الاستثمار والاقتراض والضرائب وغيرها.

ويلاحظ أن صالح, وفي مواجهة السخط الشعبي المتزايد وتداعيات الأحداث في تونس ومصر, لجأ إلى سياسة "رمي العظم" حيث أعلن عن تخفيض الضرائب على الأجور بنسبة 50% وزيادة مرتبات الموظفين بنسب لم تعرف بعد. كما قرر صالح صرف معونات اجتماعية لـنصف مليون شخص جديد- علما بأن تلك المعونات تتراوح بين الـ10 والـ15 دولار شهريا فقط- ووعد صالح خريجي الجامعات باستيعاب 25% منهم في الخدمة العامة كمرحلة أولى.

5. تسييس الموارد العامة

المقصود بـ"تسييس" الموارد العامة توظيفها سياسيا بهدف البقاء في السلطة, سواء أثناء مواسم الانتخابات أو في الإدارة اليومية للدولة والمجتمع. وتشمل الموارد العامة الوظائف الحكومية وخصوصا القيادية: عقود مشاريع البنية التحتية، الاعتمادات والتحويلات المالية، السيارات ومولدات الكهرباء, والمنح التي يتم توزيعها على المشايخ والأعيان، ...الخ. وتلعب الموارد العامة الدور الجوهري في الحصول على التأييد الانتخابي، إضعاف أو تقوية المكونات الاجتماعية بحسب حاجات النظام، وشراء الولاء السياسي. ونظرا للدور الذي تلعبه الموارد العامة في تنفيذ سياسات البقاء، فقد قاوم صالح سياسات الخصخصة للمؤسسات العامة رغم الخسائر التي تحققها, وما تحصل عليه من دعم حكومي يزيد من أعباء الموازنة العامة. وليس هناك ما هو أكثر دلالة على أسبقية الاعتبارات السياسية المتصلة بالبقاء من أن صندوق التنمية الاجتماعية الذي أنشئ في عام 1997 للتخفيف من الفقر, والذي أصبح أهم الأدوات التنموية في البلاد, يديره عبد الكريم الأرحبي- أحد أنساب الرئيس- حتى بعد أن تم تعيينه وزيرا للتنمية والتعاون الدولي.

ويؤدي تسييس الموارد العامة إلى توجيه الموارد بعيدا عن التنمية, والحد من قدرة الحكومة على الإنفاق الاستثماري الذي يساعد في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات المقدمة وزيادة مستوى التغطية لتلك الخدمات.

6. الحكم بالفساد "كن اسرق"

يقوم النظام الحاكم في اليمن على فلسفة قديمة كان يطبقها الأئمة من آل حميد الدين الذين حكموا اليمن قبل قيام الثورة في الشمال في عام 1962 وهي سياسة "كن اسرق." فقد روي أن أحد أئمة بيت حميد الدين عين مسئولا في إحدى المحافظات اليمنية وخصص له مرتب زهيد لا يكفيه.. ولما تذمر ذلك المسئول، رد عليه الإمام "كن اسرق" بمعنى أن يسرق ما يمكنه سرقته حتى يتمكن من مواجهة تكاليف الحياة. ولا تختلف فلسفة النظام اليمني اليوم عما كان عليه الحال قبل 70 عاما؛ فالمرتبات الزهيدة التي يحصل عليها الموظفون والقيادات في كل المرافق تعني أن على أولئك المسئولين استغلال مواقعهم للحصول على ما يمكن الحصول عليه. فالقادة العسكريون- مثلا- يستولون على مرتبات الجنود الغائبين أو الفارين أو يستقطعون مبالغ من مرتبات جنودهم تحت مسميات مختلفة, أو يبيعون الذخائر.

وتؤدي سياسة "كن اسرق" عدة وظائف للنظام القائم وفي مقدمتها خلق طبقة حاكمة ملوثة بالفساد, ويمكن إدانة أي فرد من أفرادها يتمرد على السلطة أو يطمح للعب دور سياسي أكبر من الدور المحدد له. كما أن هذه السياسة تخفف من فواتير الحكم وتجعل الحاكم يوزع الموارد السيادية وخصوصا الريعية (كعائدات النفط والمساعدات الخارجية) بالطريقة التي يراها مناسبة. ضف إلى ذلك أن هذه السياسة تخلق رضا عن الحكم وارتباطا عضويا بين بقائه من جهة والحفاظ على مصالح العصابات الملتفة حوله من جهة أخرى. لكن هذه السياسة كان لها تأثيراتها السلبية الكبيرة على البلاد, وفي مقدمة تلك السلبيات إضعاف مؤسسات الدولة الهشة وانشغال النخب السياسية المنقسمة بالصراع فيما بينها على الثروة, وظهور نموذج "الدولة السارقة" أو "دولة العصابات" التي تتنافس فيها النخب وتتصارع في عملية الاستيلاء على الموارد العامة للدولة حتى ينتهي بها الأمر إلى الإنهيار.

وفي حين يتطلب تحقيق النمو الاقتصادي القيام بإصلاحات عميقة تلامس العديد من الجوانب وتؤسس للحكم الجيد, فإن تلك الإصلاحات تتناقض مع فلسفة النظام وتمثل تهديدا لبقائه في السلطة. وتبين تجربة اليمن مع الإصلاح الاقتصادي, ابتداء من عام 1995, كيف أن الاعتبارات السياسية كانت هي الطاغية, وهو ما أدى إلى التركيز في عمليات الإصلاح على الجوانب السعرية والتي يتحمل عبئها المواطن, مع إهمال عمليات الإصلاح المالي والإداري وفي مقدمتها مكافحة الفساد. ورغم أن سياسات الإصلاح السعري (أو الجرع كما يسميها المواطنون) وفرت الكثير من الموارد, إلا أن تلك الموارد، في ظل غياب الإصلاح المالي والإداري، انتهت إلى جيوب الفاسدين. وكانت النتائج المباشرة لسياسات الإصلاح السعري تنامي الفساد, والاتساع المتزايد لدائرة الفقر, وتآكل الطبقة الوسطى الصاعدة, والانقسام الاجتماعي الحاد إلى: طبقة صغيرة من تجار السياسة ومترفي الفساد, وأغلبية كبيرة من الفقراء.

ومع أن الحكومة اليمنية تعترف بالفساد كمشكلة رئيسية وقامت في ظل الضغوط الدولية المتنامية، بإنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد.. إلا أن ما حدث هو أن الفساد زاد ولم ينقص! ويحرم الفساد، إلى جانب عوامل أخرى مثل ضعف القدرة الاستيعابية وغياب التحديد الواضح والدقيق للأولويات، اليمن من الاستثمارات الخارجية ومن تلقي الدعم الخارجي. كما إنه يعمل على توجيه الموارد المتاحة بعيدا عن مشاريع التنمية والخدمات الضرورية التي يحتاجها الناس.. ويساهم الفساد, في قطاعات النفط والمناقصات وتحصيل الضرائب, في تخفيض الإيرادات ونمو عجز الموازنة. وتتمثل المحصلة النهائية للفساد في إضعاف مصداقية وشرعية الدولة في عيون مواطنيها وفي تغذية حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

7. تضخيم الجهاز البيروقراطي

يخضع التعيين في الجهاز البيروقراطي للدولة وخصوصا في المواقع القيادية للإرضاء السياسي وليس لمدى حاجة العمل أو كفاءة الشخص، ووصل الوضع ببعض الجهات الحكومية إلى أنها صارت تحتوي على عشرات الوكلاء والوكلاء المساعدين ومئات وفي بعض الحالات آلاف الموظفين الذين لا هدف من تعيينهم سوى منحهم الامتيازات المرتبطة بالمواقع المعينين فيها ,بالنسبة للقياديين, والمرتبات الضئيلة بالنسبة للموظفين الصغار الذين يخرجون للتظاهر دعما للرئيس أو يصوتون له في الانتخابات. وكانت النتيجة هي تحول الجهاز الحكومي، في ظل انخفاض المرتبات وانتشار الفساد, إلى عبء على التنمية وعائق لقيامها ومعطل للقدرات.

8. إضعاف أجهزة المساءلة

تندرج الكثير من السياسات والممارسات المتبعة في إدارة الاقتصاد الوطني ضمن الأنشطة الإجرامية التي يعاقب عليها القانون. ولذلك عمل النظام اليمني وما زال يعمل بشكل مستمر على إضعاف مؤسسات المساءلة والمشاركة وتعطيل مبدأ سيادة القانون. وعلى سبيل المثال، فإن مجلس النواب اليمني لم يتمكن منذ قيام الوحدة اليمنية في عام 1990, وحتى هذا التاريخ, من سحب الثقة من أي مسئول في الدولة أو سحب الثقة من أي حكومة أو حتى من وزير واحد فيها.. كما لم يسبق لأي جهاز قضائي أو غير قضائي أن حاكم أي مسئول يمني بتهمة الفساد. ويلاحظ أن معدلات الفساد في اليمن زادت بشكل كبير منذ إنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد؛ لإن الهيئة باتت تعمل كغطاء على ممارسات الفاسدين.

9. تنمية أجهزة القمع

وجه صالح, الذي يتصرف كحاكم عسكري, موارد الجمهورية اليمنية بشكل مستمر نحو بناء الجيش والأمن حتى بعد أن حل مشاكل بلاده الحدودية مع الدول المجاورة عن طريق التفاوض والحوار وتقديم التنازلات, كما حدث مع السعودية أو سلطنة عمان, أو عن طريق التحكيم الدولي, كما حدث مع إرتيريا. والواضح أن صالح, ومن خلال تركيز المواقع القيادية العليا للجيش والأمن في أسرته, ينظر إلى المؤسستين على أنهما الركيزتين الأساسيتين للبقاء في السلطة وقمع المنافسين والخصوم السياسيين ومكافأة المخلصين, وتخصيص أكبر قدر ممكن من الأموال العامة لأهداف خاصة ودون الخضوع لأي شكل من أشكال المساءلة. ورغم إن الضغوط الدولية قد أدت نظريا إلى تخفيض نفقات الجيش والأمن, إلا إنه يعتقد أن الكثير من الموارد غير الظاهرة يتم توجيهها نحو الجيش. والواضح أن المؤسستين العسكرية والأمنية تقومان بعدة وظائف بالإضافة إلى دورهما القمعي؛ فهما تمتصان جزءا ولو بسيطا من بطالة الشباب, وإن كانت المرتبات التي يحصل عليها المجندون لا تسمن ولا تغني من جوع, كما أن المؤسسات العسكرية والأمنية تعمل كغيرها من المؤسسات على توزيع الاعتمادات والدرجات الوظيفية, في الجيش والرتب العسكرية والأسلحة وغيرها, للموالين والمناصرين.

10. تسول الخارج

صعد صالح إلى السلطة في فترة الحرب الباردة, وهي الفترة التي شهدت اعتماد الاقتصاد اليمني كلية على ما يأتيه من الخارج سواء على شكل معونات ومساعدات وقروض أو على شكل عائدات مئات الآلاف من المغتربين اليمنيين في الخارج وخصوصا في السعودية. وقد عمل صالح, من خلال استغلال التنافس بين الشرق والغرب, على الحصول على الدعم الخارجي بسهولة. ومع أن صالح سعى إلى استخراج النفط, إلا أن عائداته لم تختلف عن العائدات الأخرى الخارجية المصدر, من حيث تعرضها للتقلب: إما بسبب تقلب أسعار النفط في الأسواق, أو بسبب التقلبات السياسية. وكان من الطبيعي أن يظل النظام اليمني خلال فترة حكم صالح يسير من سيئ إلى أسوأ, كانعكاس لغياب الرؤية الاقتصادية ونتيجة لتقلبات الدخول ذات المنشأ الخارجي. لقد أدت سياسات صالح, وعلى نحو خاص تحالفه مع صدام حسين, إلى تراجع الدعم الخليجي, وأدت سياساته خلال الغزو العراقي للكويت إلى انهيار كبير في الاقتصاد اليمني نتيجة لفقدان اليمن لكافة أشكال الدعم الخارجي, وكذلك نتيجة لعودة مئات الآلاف من المغتربين اليمنيين من السعودية. ولم يستفد النظام اليمني من التجارب.. وظل يعتمد على التسول حتى في فترة الطفرة النفطية, وهو ما أوصل الأمور بالبلاد إلى ما هي عليه اليوم. فبينما يريد صالح شراء الولاءات كالعادة فإنه لا يجد ما يكفيه من النقود؛ لأن الخارج توقف عن تقديم مساعدات.. وقال مسئول سعودي كبير لدبلوماسي أمريكي إن بلاده توقفت عن تقديم المساعدات النقدية إلى اليمن, كي لا ينتهي بها الحال إلى حسابات سرية في سويسرا.

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء


السبت، 5 مارس، 2011

قطر: ملامح ديمقراطية مع إرجاء التنفيذ

الدكتور علي خليفه الكواري
dr_alkuwari@hotmail.com

في ضوء انتفاضات الديمقراطية التي تعم اليوم الساحة العربية, نحتاج إلى تقديم قرأة ديمقراطية في دساتير وممارسات الدول العربية, بعد أن أصبحت الديمقراطية في الماضي شعار أجوف ترفعه نظم الحكم, دون تحديد لمفهوم الديمقراطية أو التزام بالمقومات العامة المشتركة لنظام الحكم الديمقراطي من حيث النص والممارسة.

و بدوري سوف أقدم هذه القرأة عن بلدي قطر, معتمدا على نتئج دراسة سابقة نشرت بعنوان "نحو مفهوم جامع للديمقراطية في البلدان العربية" (المستقبل العربي, العدد 338, 4/2007 , بيروت, لبنان), توصلت فيها إلى أن المقومات العامة المشتركة للدستور الديمقراطي هي ما يلي:

أولاً: أن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب. و الشعب مصدر السلطات.
ثانياً : إقرار مبدأ المواطنة باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات.
ثالثاً: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه, وإستقلال ونزاهة القضاء.
رابعاً: عدم الجمع بين السلطات في يد شخص أو مؤسسة واحدة.
خامساً: ضمان الحقوق والحريات العامة دون تميز, وتأكيد حق الدفاع عن الحريات العامة وعلى الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم.
سادساً: تداول السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية -في النظام الجمهوري والنظام الملكي- سلمياً, وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة و فعالة 

يقترب دستور قطر الدائم لعام 2004من حيث النص, في بعض مواده من مقومات نظام الحكم الديمقراطي, ولكن المادة 150منه عطلت ذلك الاقتراب بإرجاء تفعيل فصل السلطة التشريعية إلى أن يتم انتخاب مجلس الشورى. وفي عام 2010 تم التمديد لمجلس الشورى المعين ثلاث سنوات.

في ألباب الأول ( الدولة وأسس الحكم ) نجد تقارب في اغلب المواد بين ما جاء به الدستور وبين ما جاء في النظام الأساسي المؤقت لعام 1970 والنظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972. ومثال ذلك هو المادة (1) التي نصت على أن " قطر دولة عربية ذات سيادة مستقلة. دينها الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لتشريعاتها، ونظامها ديمقراطي، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية. وشعب قطر جزء من الأمة العربية."

وتنص المادة (6) على أن "تحترم الدولة المواثيق والعهود الدولية, وتعمل على تنفيذ كافة الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية التي تكون طرفاً فيها." وهذه المادة تجعل من مواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان وغيرها من الاتفاقيات والعهود الدولية, التي صادقت عليها الدولة جزء من مرجعية دستورها.

أما المادة (17) فقد نصت على أن "المخصصات المالية للأمير وكذلك مخصصات المساعدات والهبات, يصدر بتحديدها قرار من الأمير سنوياً". وهذه المادة قد تجعل جزء رئيسي من النفقات العامة خارج ما يحق لمجلس الشورى المنتخب(المنتظر) مناقشته وإقراره عندما يمارس رقابته على المال العام ويمارس حقه في إقرار قانون الميزانية العامة للدولة. 

وجدير بالذكر أن حاكم قطر في فترة النظام الأساسي لعام 1970 كان يحصل على 25% من عائدات شركة نفط قطر ( الحقول البرية فقط ) من خارج الميزانية. وبعد صدور النظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972, صدر مرسوم رقم (43) لسنة 1972 بأيلولة مخصصات ألأمير السابق إلى الخزينة العامة. وبذلك ألغيت كافة المخصصات من خارج الميزانية وأصبحت بذلك مخصصات الأمير جزء من النفقات العامة تخضع لما يخضع له الإنفاق العام من ضوابط ومحددات. 

في ألبابين الثاني والثالث ( المقومات الأساسية للمجتمع ) و(الحقوق والواجبات العامة), نجد المادة (34) تنص على أن "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة". ولكن قانون الجنسية لعام 2005 وعدد من الإجراءات و الأوامر الإدارية والأعراف المشيخية, تعطل مبدءا المواطنة المتساوية.

وتتطرق بقية المواد في هذا الباب إلى تأكيد حرية كل من التعبير والبحث العلمي والصحافة والطباعة والنشر, وحرية التجمع وتكوين الجمعيات وحق كل فرد في مخاطبة السلطات العامة. ولكن تلك المواد أيضا تحيل إلى القانون تنظيم هذه الحريات, والقوانين السارية من المحتمل أن تعطل ما جاء في الدستور من حريات. ومثال ذلك ما نشاهده من حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والتجمع وحرية النشر. كما إن هذا الباب يتجاهل حرية التنظيم ولايتيح حق التعبير السلمي, وفي ذلك انتقاص لضمانات نظام الحكم الديمقراطي.

وتؤكد المادة(54) على أن الوظائف العامة خدمة وطنية. كما تؤكد المادة(55) على انه "للأموال العامة حرمة وحمايتها واجب على الجميع وفق القانون". ولكن لم تظهر في الدستور المادة (41) من النظام الأساسي لعام 1970 التي تنص على انه " لا يجوز لرئيس مجلس الوزراء أو الوزراء أثناء توليهم مناصبهم, أن يزاولوا أي عمل مهني أو تجاري, أو أن يدخلوا في معاملة تجارية مع الدولة".

في ألباب الرابع ( تنظيم السلطات ), نجد في الفصل الأول منه (أحكام عامة), ملامح نظام حكم ديمقراطي من حيث بعض النصوص. فالمادة (59) تنص على أن " الشعب مصدر السلطات ويمارسها وفقاً لأحكام هذا الدستور." والمادة (60) تقول " يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها على الوجه المبين في هذا الدستور". وتنص المواد (61) و (62) و (63) على أن " السلطة القضائية تتولاها المحاكم" وتنتهي كل من هذه المواد الثلاثة بعبارة " على الوجه المبين بالدستور."

ثم تأتي بقية فصول الباب الرابع لتوضح كيف تمارس كل من السلطات الثلاث:
ففي الفصل الثاني منه ( الأمير ), وهذا الفصل عندما نقرأه مع بقية فصول الباب الرابع نجده يضع الأمير فوق السلطات وهو مصدرها دون وجود نص على ذلك, وفي الوقت نفسه يجعل السلطة التنفيذية من اختصاصه حيث تنص المادة (120) على أن " يقوم مجلس الوزراء بمعاونة الأمير على أداء مهامه وممارسة سلطاته وفقاً لأحكام الدستور".
ومن اختصاصات الأمير الواردة في المادة (67) 1- رسم السياسة العليا للدولة بمعاونة مجلس الوزراء" و" 2- المصادقة على القوانين وإصدارها. ولا يصدر قانون ما لم يصادق عليه الأمير". وأخر الصلاحيات(الفقرة 10) تنص على تولي الأمير "أي اختصاصات أخرى بموجب هذا الدستور أو القانون". وهذه الاختصاصات غير المحددة يمكن أن يكون مصدرها القانون, ما صدر منه في السابق وما سوف يصدر في المستقبل باستمرار وجود مجلس الشورى المعين أو المجلس المنتخب.

وإذا توقفنا عند الاختصاص الثاني من اختصاصات الأمير فإننا نجد أن المادة (106) في فصل السلطة التشريعية تنص على ما يلي:
"1- كل مشروع قانون أقره مجلس الشورى يرفع للأمير للتصديق عليه. 2- إذا لم يرد الأمير التصديق على مشروع القانون, رده إلى المجلس في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ رفعه إليه مشفوعاً بأسباب عدم التصديق. 3- إذا رد أي قانون خلال المدة المبينة في البند السابق واقره مجلس الشورى مرة ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذي يتألف منهم المجلس صدق عليه الأمير وأصدره. ويجوز للأمير عند الضرورة القصوى أن يأمر بإيقاف العمل بهذا القانون للمدة التي يقدر أنها تحقق المصلحة العليا للبلاد,....."
وهذه المادة تجعل مصير العمل بالتشريعات في يد الأمير وتقديره للمصلحة العامة, وتجرد "السلطة التشريعية" من أهم اختصاصاتها. وتأتي المادة (68) لتجرد السلطة التشريعية أيضا من اختصاص الرقابة على بعض المعاهدات والاتفاقيات التي يكون لها قوة القانون, حيث تنص على أن " يبرم الأمير المعاهدات والاتفاقيات بمرسوم ويبلغها لمجلس الشورى, مشفوعة بما يناسب من البيان. وتكون للمعاهدات والاتفاقيات قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية, ..... ."

وتنص المادة (75) على أن " للأمير أن يستفتي المواطنين في القضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد, ويعتبر موضوع الاستفتاء موافقاً عليه إذا أقرته أغلبية من أدلوا بأصواتهم, وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها. وتنشر في الجريدة الرسمية. ويلاحظ أن هذه المادة لا تعطي مجلس الشورى أي دور في قرار إجراء الاستفتاء. كما أن نتيجة الاستفتاء بأغلبية من أدلوا بأصواتهم فيه وليس بأغلبية من لهم حق التصويت أو أي أغلبية أخرى.
السلطة التشريعية وإذا عدنا إلى بقية فصول الباب الرابع ( تنظيم السلطات ) لنستوضح النصوص عن أحكام الدستور التي تمارس من خلالها المادة (59) الشعب مصدر السلطات....." والمادة (60) التي تقول " يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها..." فإننا نلاحظ ما يلي:
تنص المادة (76) على أن " يتولى مجلس الشورى سلطة التشريع, ويقر الموازنة العامة للدولة, كما يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية, وذلك على الوجه المبين في هذا الدستور."
ونجد المادة (78) تنص على إن " يصدر نظام الانتخاب بقانون"والمادة (79) تنص بأن"تحدد الدوائر الانتخابية التي تقسم الدولة إليها ومناطق كل منها بمرسوم".

وعلينا هنا أن نتذكر أن قانون أول انتخابات قادمه سوف تضعه السلطة التنفيذية دون وجود أحكام دستورية تلزم السلطة التنفيذية بتحقيق متطلبات الانتخابات الديمقراطية ومن أهمها إشراف قضاء مستقل بعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية. كما أن تحديد الدوائر الانتخابية يتم بموجب مرسوم, ألأمر الذي قد يطلق يد السلطة التنفيذية عند كل انتخابات في هندسة نتائج الانتخابات من خلال تحديد الدوائر الانتخابية والمبالغة في عددها.
وتنص المادة (104) على أن " للأمير أن يحل مجلس الشورى بمرسوم يبين فيه أسباب الحل, على انه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى, و إذا حل المجلس وجب إجراء انتخابات المجلس الجديد في موعد لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ الحل. والى ان يجري انتخاب المجلس الجديد يتولى الأمير بمعاونة مجلس الوزراء سلطة التشريع.".

ومن قراءة المادة (104) نجد أن الأمير ومجلس الوزراء (السلطة التنفيذية) من حقهم أن يصدروا التشريعات (القوانين) في فترة حل المجلس دون النص على ضرورة عرضها على مجلس الشور5) المشار إليها سابقا, نرى أن السلطة التشريعية المعطاة لمجلس الشورى المنتخب ى عند إعادة انتخابه
ومن هذه المواد والمواد (106) و(68) و(7 (عندما يأذن بانتخابه), يمكن تجاوزها من السلطة التنفيذية عند الضرورة التي يقدرها الأمير وبالتالي تجعل من الأميرمرجع السلطة التشريعية وليس الشعب.

وإذا نظرنا إلى الاختصاص الثاني الجديد والهام لمجلس الشورى " إقرار الموازنة العامة للدولة " فإننا نجد ما يلي:
المادة (107)(المؤجلة) تنص على انه "يجب عرض الموازنة العامة على مجلس الشورى قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية, ولا تعتبرها نافذة الا بإقراره لها. ..."
وجدير بالذكر أن النص على وجوب عرض الموازنة العامة للدولة على مجلس الشورى من اجل إقرارها, يشير إلى تطور من حيث النص المقارن في كل من النظامين الأساسيين لعام 1970 / وعام 1972 الفقرة (3) من المادة (51) والمادة (55) اللذين نصًا على أن اختصاص مجلس الشورى يقتصر على " مناقشة ميزانية المشروعات العامة الرئيسية" وتقديم توصيات. وهذا هو الحال ألان حتى يتم انتخاب مجلس الشورى. ولكن تبقى هذه المادة من الدستور الدائم غامضة من حيث حق مجلس الشورى في مناقشة المخصصات والمساعدات والهبات التي نصت عليها المادة (17) من الدستور التي سبقت الإشارة إليها. كما أن هذه المادة تتحدث عن الموازنة العامة ولا توضح ما يخص الاحتياطي العام للدولة واستثماراته, ولا تبين ما إذا كان من حق مجلس الشورى إقرار الحساب الختامي للموازنة العامة و ومراقبة جهاز قطر للاستثمار والاطلاع على تقرير ديوان المحاسبة التابع للسلطة التنفيذية وليست له صلة رسمية بالسلطة التشريعية كما جرت عليه العادة في الدول الديمقراطية.

وتتناول المواد من (108) إلى ( 112) ما يتعلق بالاختصاص الثالث لمجس الشورى, ممارس الرقابة على السلطة التنفيذي. ونجد ان هذه الرقابة لا تشمل مراقبة وإقرار اختصاصات الأمير أو مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الوزراء وانما تقف عند حد إبداء الرغبات للحكومة في المسائل العامة (المادة (108. وتضيف المادة (111) قائلة " كل وزير مسئول أمام مجلس الشورى عن أعمال وزارته, ولا يجوز طرح الثقة عن وزير الا بعد مناقشة استجواب موجه إليه,..., ويعتبر الوزير معتزلا" من تاريخ سحب الثقة."

السلطة التنفيذية تنص المادة (62) التي سبق الإشارة إليها أن " السلطة التنفيذية يتولاها الأمير ويعاونه في ذلك مجلس الوزراء على الوجه المبين في هذا الدستور". وتنص المادة 118 على أن " يكون تشكيل الوزارة بأمر أميري بناء على اقتراح رئيس الوزراء....". وتؤكد المادة 120 على أن "يقوم مجلس الوزراء بمعاونة الأمير على أداء مهامه وممارسة سلطاته وفقا لهذا الدستور وأحكام القانون". وتنص المادة 121 على انه" يناط بمجلس الوزراء, بوصفه الهيئة التنفيذية العليا, إدارة جميع الشؤون الداخلية والخارجية التي يختص بها وفقا لأحكام هذا الدستور وأحكام القانون". وتفصل المادة اختصاصات مجلس الوزراء. وبذلك نجد هناك اختصاصات للسلطة التنفيذية لا تعتبر من اختصاصات مجلس الوزراء. ومثال ذلك مجلس الدفاع والمجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للاستثمار والهيئة العليا للتخطيط التنموي وكثيرا" من المؤسسات و الهيئات العامة مثل قناة الجزيرة وأجهزة الرياضة و قطر للبترول, وبالتالي لا تخضع عملية اتخاذ القرار فيها والرقابة عليها لما تخضع له اختصاصات مجلس الوزراء.

ويلاحظ أن اختصاصات السلطة التنفيذية لا يخضع منها لرقابة مجلس الشورى التشريعية إلا ما يتطلب اصدر قانون, أما ما يكتفي في إقراره بأمر أو مرسوم أميري فأنها لا تدخل تحت سلطة أو رقابة مجلس الشورى المنتخب (المنتظر) على ضعفها.
السلطة القضائية تنص المادة 129 على ان " سيادة القانون أساس الحكم في الدولة...." وتنص المادة 130 على ان "السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها, وتصدر أحكامها وفق القانون". وتنص المادة 137 على أن " يكون للقضاء مجلس أعلى يشرف على حسن سير العمل في المحاكم والأجهزة المعاونة لها, ويبين القانون تشكيله وصلاحياته واختصاصاته". وتأتي في الفصل الخامس المادة 140 التي تقول " يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح, ويبين صلاحياتها وكيفية الطعن و الإجراءات التي تتبع إمامها, كما يبين القانون أثار الحكم بعدم الدستورية.

ونجد هنا أن استقلال القضاء هو جزء من استقلال السلطة التشريعية التي تصدر القوانين إضافة إلى ضرورة قيام وصلاحيات محكمة دستورية تفصل في دستورية القوانين وما في حكمها, وإذا علمنا أن المحكمة الدستورية لم تنشاء حتى الان, وأن كل القوانين السارية حاليا السابقة على إعلان الدستور واللاحقة له حتى يتم انتخاب مجلس شورى جديد في المستقبل غير المعروف, تم تشريعها من قبل السلطة التنفيذية , فأن السلطة القضائية مثلها مثل السلطة التشريعية في الدستور ما زالت تابعة للسلطة التنفيذية وغير مستقلة.
الفصل الخامس: الأحكام الختامية

ونجد هنا المادة (141) تنص على انه " يبقى صحيحا ونافذا ما قررته القوانين واللوائح الصادرة قبل العمل بهذا الدستور ما لم يجري تعديلها وفقا لأحكامه ولا يترتب على العمل بالدستور ألإخلال بالإحكام والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تكون الدولة طرف فيها". وهنا أيضا نجد الدستور لايخضع القوانين واللوائح السابقة على صدوره, لاحكام الدستور ومرجعياته وانما يعتبرها نافذة حتى يتم تعديلها. ونحن نعرف صعوبة بل إستحالة تعديل قانون بدون موافقة السلطة التنفيذية. ولعل هذا هو السبب وراء كثرة الاحالة في مواد الدستور,على القانون.

وبعد عدة مواد يفاجئ الدستور قارئه في المادة 150وهي الاخيرة, بجملة اقحمت عليها -ولم تتعرض لتوضيحها المذكرة التفسيرية-, ووضعت بالتالي مصير العمل بفصل ماسمي بالسلطة التشريعية والمواد من 76 – 116 حوالي ثلث مواد الدستور, في يد السلطة التنفيذية حيث نصت المادة 150 على ان " يلغي النظام الاساسي المؤقت المعدل المعمول به في الدولة والصادر في 19/4/1972, وتبقى سارية ألأحكام الخاصة بمجلس الشورى الحالي إلى أن يتم انتخاب مجلس الشورى الجديد". وبذلك تساوى الدستور بالنظام الاساسي الذي جاء ليحل محله.
خلاصة
يكشف التحليل السابق لدستور قطر الدائم- والدائم وجه الله- اختلافات جوهرية بينه وبين مفهوم الدستور الديمقراطي الذي تم ذكر مقوماته في مطلع هذا المقال.
فدستور قطر يبداء بالتأكيد على أن نظام الحكم في قطر ديمقراطي وان الشعب مصدر السلطات كما يؤكد على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وعلى المساوات بين المواطنين وقيام حريات عامة , ولكن سرعان ما يضيف فقرة إلى كل من تلك المواد أو إحالة على مواد في الدستور متعارضة معها, أوترك الأمر للقوانوين والمراسيم واللوائح, التي في بعض الحالات نجدها لاتراعي مع الاسف, المواد الحاكمة في الدستور ومرجعياته. ألأمر الذي يفرغ تلك المواد من مضمونها الديمقراطي وتجعل من ألأمير وليس الشعب, مصدر السلطات والمرجع الأخير لها, لغياب الفصل بين السلطات وبسبب عدم أستقلال القضاء وغياب محكمة دستورية.
وما نجده من قصور وتردد وإرجاء في تفعيل الدستور وابتعاده عن مقومات الدستور الديمقراطي, تعود إلى أن دستور قطر لعام 2004- مثل سائر دساتير دول مجلس التعاون باستثناء الكويت- هو دستور منحة, لم تضعه جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب.
وهذا يجعلنا نقول أن انتقال قطر إلى نظام حكم ديمقراطي لن يتم إلا بقيام دستور تعاقدي تضعه جمعية تأسيسية منتخبة من جميع المواطنيين وفق نظام أنتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وفعالة تحت اشراف قضاء مستقل. فالديمقراطية حق أصيل لكل مواطن وليست منحة يمن بها على الشعب وينتقص منها.

فالدستور الديمقراطي هو ما تتم المطالبة بيه اليوم على امتداد الساحة العربية, وفي قطر تناولت في مقالة نشرت عام 2003 بعنوان "دستور يا جماعة"أهمية أن يكون دستور قطر المنتظر آن ذاك, دستور ديمقراطي.


الدوحه 5-3-2011