الأحد، 20 أبريل، 2014

تقديم كتاب الديمقراطية المتعثرة 2014

علي خليفة الكواري
عن موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 16 فبراير 2014

كتاب " الديمقراطية المتعثرة : محصلة التحركات العربية الراهنة من أجل الديمقراطية " هذا هو موضوع اللقاء السنوي الحادي والعشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية والذي عقد في 31 أغسطس 2013 . وقد جاء اللقاء بعد انقطاع دام عامين من المراقبة والترقب بالنسبة للمشروع، , رصد فيها الفترة التي تفجرت فيها انتفاضات وتحركات شعبية في أكثر من دولة عربية، نتج عن بعضها سقوط السلطة الحاكمة وبداية تباشير قيام نظم حكم ديمقراطية طال انتظارها في الدول العربية.

وللتعرف على محصلة التحركات من أجل الديمقراطية بعد عامين من انطلاقها لاسيما في الدول التي تغيرت فيها نظم الحكم، بدأنا التفكير في منتصف عام 2012 في عقد اللقاء السنوي الحادي والعشرين. ولذلك اخترنا عنوان "محصلة التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في الدول العربية " موضوعا للقاء كما جاء في الدعوة للكتابة (أنظر ملحق الكتاب)  آملين انتقال واحدة أو أكثر من الدول العربية التي تغيرت فيها نظم الحكم إلى نظم حكم ديمقراطية.

ولكن مع اقتراب موعد اللقاء في أغسطس 2013 , وجدنا أن ألأمور في هذه الدول تسير في اتجاه ألاستقطاب بدل المشاركة وتنحو إلى المغالبة والتكالب على السلطة قبل إرساء نظام حكم ديمقراطي وتجسيده في شرعية دستور ديمقراطي توافقي , يطمئن الجميع إلى مبادئه ومؤسساته وآلياته وضماناته وضوابطه .


وفي تقديري أن وجود مشروعات حكم متناقضة مع نظام الحكم الديمقراطي لدى تيارات وقوى فاعلة وضعف الثقة بين القيادات السياسية وتنافرها أحيانا فضلا عن التدخلات الاقليمية والدولية غير البريئة، حالت حتى ألان دون التوافق على مضمون الديمقراطية ومقومات نظام الحكم الديمقراطي بين التيارات والقوى التي تنشد التغير السلمي في كل دولة عربية.

ولذلك اليوم وبعد ثلاث سنوات من بدء التحركات العربية من أجل الديمقراطية لم يتحقق انتقال مستقر للديمقراطية في أي دولة عربية بعد. وباستثناء تونس التي جنحت القوى السياسية فيها للحوار تحت ضغط المجتمع التونسي الواعي ومؤسساته الوطنية الجامعة، واليمن التي مازال الحوار الوطني فيها مستمرا بالرغم من الحالة المضطربة، فإن الاوضاع في بقية الاقطار العربية لاسيما التي اسقطت الانتفاضات فيها السلطة الحاكمة، مازالت مضطربة والاستقطاب فيها على أشده ونذر الاقتتال الاهلي بادية إذا لم تتدارك القوى التي تسعى للتغير السلمي ألأمر وتتوافق على قاعدة الديمقراطية وتعمل من جديد من أجل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية توافقية لا تقصي أحد ولا تترك فرصة لاستحواذ تيار او قوة أو حركة على السلطة والتحكم في مسار تداولها.

وبعد أن تم اللقاء تبين من الدراسات التي أعدت له و المناقشات التي دارت فيه إن محصلة التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في الدول العربية حتى الآن لم تنتج في أحسن الأحوال سوى "ديمقراطية متعثرة " في قلة من الدول التي تغيرت فيها السلطة الحاكمة. وهذه الديمقراطية المتعثرة مازالت مفتوحة على كل الاحتمالات. أما الدول التي لم تتغير فيها السلطة الحاكمة فإن الأمل في انتقالها إلى نظم حكم ديمقراطية من خلال اصلاح سياسي فهو ضئيل ان لم يكن مفقود بسبب إحكام النظم القائمة سيطرتها على السلطة وتوثيق تحالفاتها الخارجية فضلا عن استفادتها من المصاعب التي واجهت شعوب الدول التي تغيرت فيها السلطة وتمزقت مجتمعاتها.
*****
وحسب تقديري فإن أسباب تعثر الانتقال لنظم حكم ديمقراطية بعد الانتفاضات الشعبية الناجحة والتي باغتت الداخل والخارج في تونس ومصر خاصة يعود إلى ثلاثة عوامل:
أولها : تشبث نظم حكم الاستبداد والفساد في الدول العربية والفئات الطفيلية المنتفعة من تلك النظم بامتيازاتها حتى بعد أن يسقط رأس النظام، حيث نجد اصحاب النفوذ في نظام الحكم السابق و أصحاب المصالح غير المشروعة يعيدون ترتيب أنفسهم لمواجهة أثار الانتفاضات الشعبية وإجهاضها، مستعينين في ذلك بنظم حكم عربية لم تسقط وحلفاء لهم في الخارج. وهذا أمر طبيعي، فمن المنتظر ان لا يستسلم أصحاب النفوذ و المصالح غير المشروعة للإرادة الشعبية ويخضعون أنفسهم للمحاسبة. لذلك كانت محاولتهم منتظرة من أجل المحافظة على مكانتهم وترجيح كفة من لا يهدد مراكزهم أو الثروة والنفوذ الذي تحقق لهم في ظل نظام الاستبداد والفساد الذي سقط رأسه وبقت مراكز النفوذ لأتباعه نتيجة غياب بديل ثوري لنظام الحكم الذي تم إسقاطه. بديل ثوري تتبناه القوى التي شاركت في الثورة بعد ان تتوافق على معالم نظام حكم ديمقراطي بديل وتفرز من بين صفوفها قيادة سياسية تعبر عن كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية.

ثانيها : القوى الدولية الكبرى الحامية لنظام الحكم السابق والمتضررة من فقدانه لما يهدد نفوذها و مصالحها غير المشروعة في الدولة العربية التي يسقط فيها نظام الحكم المتحالف معها. وهذه القوى الخارجية الكبرى بعد ان فاجأتها سرعة سقوط الحكام في تونس ومصر كما فاجأت الحكام أنفسهم , فإنها بعد مرحلة قصيرة من إعادة الحسابات وترتيب الاوراق , عادت وامتلكت زمام المبادرة عن طريق الاعلام والمخابرات وغيرها من وسائل التدخل المتاحة لها وهي كثيرة , فأصبحت القوي الدولية الكبرى وحلفاؤها الاقليميون في مركز توجيه الانتفاضات والتأثير على مسار الثورات ولجمها بما يناسب مصالحها غير المشروعة ونفوذها المهيمن.

ثالثها : والسبب الثالث هو فشل التوافق بين القوى التي شاركت في التحولات الشعبية، وهذا هو الاهم والحاسم في تعثر الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية التي سقطت فيها السلطة الحاكمة أو تمكنت السلطة القائمة من مواجهة التحركات من أجل الديمقراطية فيها وحرفها أحيانا عن مسارها الوطني. و يعود فشل التوافق بين القوى التي شاركت في التحركات على قيام نظام حكم ديمقراطي بديل لنظام الاستبداد والفساد , إلى عجزها عن التوصل لأهداف وطنية جامعة وفرز قيادة سياسية قادرة على تحقيق الانتقال لنظم حكم ديمقراطية. فالانتفاضات قامت بمبادرة من شباب يتطلع للتغير , مواصلا تحركات ومطالبات شعبية سبقت نزوله الجريء و المفاجئ للشارع بشكل تحدى فيه السلطة القائمة. 

وقد انضمت قوى معارضة متنوعة للشباب بشكل تدريجي دون ان تكون هناك كتلة تاريخية متوافقة على قاعدة الديمقراطية ومتفقة على قيام نظام حكم ديمقراطي بديل تحت قيادة وطنية جامعة تعمل من أجل ألانتقال إليه. وحال ما سقط رأس السلطة القائمة وجدت التيارات والقوى المشاركة في الثورة نفسها – بعد أن غابت الاستراتيجية وحل مكانها التكتيك - في مواجهة مع بعضها بعض , يسعى كل منها ان يضع قواعد النظام البديل شبه منفردا وفق عقائده ويستعجل الوصول للسلطة والتمكن منها قبل التوافق على نظام حكم ديمقراطي يتجسد في دستور ديمقراطي توافقي به ضوابط وضمانات للتحول الديمقراطي و استمرار تداول السلطة. 

وهنا سنحت الفرصة في مناخ الصراع بين أنصار الدولة الدينية والدولة المدنية، للمستفيدين من النظام السابق وللقوى الاقليمية والدولية ان تتدخل. وبذلك تحول الوضع في ألداخل إلى استقطاب تبعه شقاق مدعوما من أعداء التغير، يتربص فيه كل طرف من الأطراف المشاركة في الثورة بشريكه الاخر، ويتربص بهما سويا المستفيدون من النظام السابق والمنتفعون منه والمتحالفون معه. وهذا ما جعل المسار الديمقراطي يتعثر، وتصبح بذلك المحصلة الراهنة للتحركات من أجل الديمقراطية في الدول العربية في أفضل ألأحوال ديمقراطية متعثرة في قلة من الدول التي تغير فيها نظام الحكم أو لم تتغير.
*****
هذه قراءتي لأسباب تعثر الديمقراطية في الدول العربية. وسوف يستمر تعثر الديمقراطية بل غيابها وربما عودة واستقرار حكم ألاستبداد و الفساد , حتى تعي التيارات والقوى التي تنشد التغير السلمي ضرورة ادراك الديمقراطية باعتبارها نظاما للحكم ومنهجا عقلانيا منضبطا لاتخاذ القرارات وتحديد الخيارات العامة، وليست عقيدة أو مجرد آلية لأية عقيدة، وهي طوق النجاة للوطن وللقوى التي تنشد التغير السلمي مجتمعة ولكل تيار وطيف وحركة منها .

عندها سيجد الطيف الديمقراطي في التيارات والقوى الوطنية او المدنية وكذلك الطيف الديمقراطي في التيارات والقوى الاسلامية أو الدينية أن لا بديل عن الحوار والتوافق على نظام حكم ديمقراطي , وتجسيده في دستور ديمقراطي توافقي تسنده كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية , قادرة على فرز قياداته ونخبه وتأسيس تداول سلمي ودوري على السلطة .

عندها فقط يستطيع الطيف الديمقراطي في البلاد العربية عبر التيارات والحركات , مواجهة الثورة المضادة بكافة اشكالها ومصادرها الداخلية والخارجية، فهذه المواجهة يجب ان تشكل التحدي الرئيسي والمستمر للتيارات والقوى التي تنشد التغير السلمي على قاعدة الديمقراطية طوال مرحلة الانتقال لنظم حكم ديمقراطية مستقرة في الدول العربية.

وهذا ما كنا في مشروع دراسات الديمقراطية نعمل من أجله أكثر من عقدين من الزمن نجري الدراسات ونعقد الحوارات و نقرب بين الديمقراطية والمعترضين أو المتحفظين عليها ونعزز جهود الطيف الديمقراطي في كافة التيارات , وهناك من سبقنا إلى هذا الجهد الخير ومن لحق مشكورا بنا.

وهذا أيضا ما يجب استمرار العمل من أجله من قبل القادرين عليه , حتى يتم جمع القوى التي تنشد التغير السلمي - بعد أن تبعثرت - على مشروع مشترك للانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية. فهل القادرون على ذلك فاعلون لمواجهة موجة ألانزلاق للاستقطاب والشقاق والصراع الصفري الذي لن يستتب الامر فيه لتيار او قوة، وحتى تفشل عقلية الاقصاء والاستحواذ على السلطة؟. فشعوبنا والشباب فيها خاصة كسر حاجز الخوف ويعي متطلبات العصر ويعرف طريق الشارع بعد أن آمن بحقه في قيام نظم حكم ديمقراطية لا تكون فيها سيادة لقلة دينية أو عسكرية أو قبلية او اجتماعية على الشعب وتكون فيها المواطنة الكاملة المتساوية دون تميز حق لكل مواطن.
*****
وقبل ان أختم هذا التقديم أتوجه بالشكر الجزيل لأصدقاء المشروع من ألزميلات والزملاء المشاركون في اللقاء السنوي الحادي والعشرين لمشروع دراسات الديمقراطية الذي عقد في أكسفورد. والشكر والتقدير والعرفان واجب ومستحق للزملاء الباحثين الكرام الذين تطوعوا بكتابة الدراسات الرئيسية التي أعدت قبل اللقاء وفقا للمنهج الذي حددته الدعوة للكتابة وهم مع حفظ الالقاب : عميرة عليّة الصغيّر (حالة تونس) , عماد شاهين (حالة مصر) , عبدالله الفقيه (حالة اليمن) , يوسف الصواني (حالة ليبيا) و محمد منار باسك (حالة المغرب).

والشكر والتقدير موصولا للزملاء ألأعزاء الذين تناولوا جوانب هامة من التحركات ومحصلتها أو عقبوا مشكورين عليها , وهم مع حفظ الالقاب : عبد الرحيم العلام، بلال عبدالله، أحمد خميس كامل، عبد العالي حامي الدين، والمختار بنعبدلاوي.

ولا يفوتني أن أكد أن تخطيط هذا الكتاب كان جهدا مشتركا بين الزملاء رغيد كاظم الصلح المنسق المشارك لمشروع دراسات الديمقراطية وعبد الفتاح ماضي المنسق المشارك لموقع الجماعة العربية للديمقراطية وبيني . كما كان التنسيق والتحرير بالاشتراك مع الزميل عبد الفتاح ماضي، والشكر موصول إلى الباحثين المساعدين: أسماء يوسف، علي حسن، ومحمود أسامة، ووليد حسن، وراندة موسى وشادي أحمد المشرف الفني لموقع الجماعة العربية للديمقراطية , فلهم الشكر والتقدير على ما بذلوه من جهد في تحرير هذا الكتاب ولما يقدمونه من مساندة ودعم قيم لموقع الجماعة العربية للديمقراطية.

والشكر والتقدير واجب لمركز دراسات الوحدة العربية الذي قام مشكورا بنشر هذا الكتاب كما تفضل بنشر معظم الكتب الصادرة عن مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية خلال العقدين الماضين.
والله من وراء القصد

علي خليفه الكواري
الدوحه 16-2-2014 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق