السبت، 26 يوليو 2008

الخط الفاصل بين "الاستبداد" و"الديمقراطية"

د عبد الله الفقيه
تحتكر الدولة العربية اليوم مع بعض الاستثناءات القليلة هنا وهناك الإعلام في المجتمع ولا تسمح للأفراد والجماعات والقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى بامتلاك وسائل الإعلام المسموعة والمرئية أو بممارسة أي وظائف إعلامية مؤثرة بمعزل عن الدولة. ولا يعتبر هذا الاحتكار مجرد انحراف غير مقصود ولكنه يعبر في صميمه عن السياقات المختلفة لعلاقة الدولة بالمجتمع والحاكم بالمحكوم. فالدولة العربية تحتكر الإعلام باعتباره إحدى أدوات ومصادر السلطة في المجتمع العربي. فباحتكار الإعلام تحتكر الدولة العربية الاستبدادية أدوات التغيير والتحول في المجتمع. وتتمكن الجماعات التي تسيطر على الدولة من اسر وقبائل وأحيانا من عصابات "المافيا" والجماعات الإرهابية من خلال السيطرة على الإعلام والنظام التربوي والتعليمي من القيام بعملية غسل دماغ للأجيال ومن إعادة إنتاج الثقافة الوطنية بطريقة مواتية لبقاء الفئات المسيطرة على الحكم.
وتشهد المجتمعات العربية حالة صراع على السلطة والثروة تختلف درجتها من مجتمع إلى آخر. وحيث ان السلطة غالبا ما تكون في أيدي فئة معينة فان الفئة المسيطرة على السلطة غالبا ما تستخدم الدولة كأداة للإقصاء والقهر والقمع. وتعمل الفئات المسيطرة على الدولة على احتكار الإعلام لتمنع الفئات الأخرى في المجتمع من ان يصبح لها صوتا مسموعا. كما تحرص تلك الفئات على حجب المعلومات وقمع محاولات نشر المعرفة ورفع الوعي بين الناس. ويلاحظ ان الدولة العربية التي تحكم بطريقة "فرق تسد" وتحرص على إبقاء الفئات الاجتماعية المختلفة في حال صراع قد لا تبدي انزعاجا من قيام صحيفة معينة بتبني قضايا ومطالب فئة صغيرة لكنها تفقد صوابها وتصاب بالجنون عندما تبدأ تلك الفئة بتبني قضايا وطنية تهم كل الفئات.
وتقوم العلاقة بين الفئات المسيطرة على السلطة من جهة والفئات الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية على الشك وضعف الثقة المتبادلة. وتلجأ الأنظمة العربية بسبب ذلك وفي محاولة لمواجهة انتفاضات الشعوب العربية الغاضبة الى التحالف مع الخارج والتودد إليه وبطريقة تقود غالبا إلى الارتهان للخارج والتفريط بمصالح مواطني الدولة. ولذلك فان السياسات المختلفة بما في ذلك رفع القبضة الحديدية عن الإعلام العام مرهونة في الغالب بمواقف الخارج الضامن الأول لبقاء الأنظمة العربية.
ونتيجة لهيمنة الخارج على الداخل فقد أدت أحداث سبتمبر 2001 إلى طفرة في القنوات الفضائية العربية وبحيث وصل عددها إلى أكثر من 500 قناة ومعظمها تركز على إحداث تحول ثقافي يعمل على إضعاف الشخصية العربية ونسف مثلها وقيمها وفرض قيم العولمة عليها.
تحرير الإعلام
ليس هناك اتفاق بين دعاة تحرير الإعلام على تعريف محدد لعملية التحرير في السياق اليمني...لكن هناك مطالب تبدو متشابهة رغم اختلاف الأطراف التي تطرحها...فالمطلب الأساسي والجوهري الذي يمثل القاسم المشترك بين الداعين لتحرير الإعلام هو السماح للأفراد والهيئات والجماعات بامتلاك وسائل الإعلام المسموع والمرئي...وهناك مطلب ثان يختلف النشطاء حوله وهو المتصل بوضع الإعلام الرسمي الذي تذهب بعض التقديرات إلى انه يبتلع أكثر من 34 مليارا من الموازنة العامة للدولة. وتختلف الآراء بشأن الكيفية التي ينبغي من خلالها التعاطي مع الإعلام الرسمي لكنها تتفق على ان هذا الإعلام يمثل ثقبا أسود من ثقوب الفساد في البلاد..والفساد الإعلامي لا يقتصر على الجوانب المالية ولكنه يمتد إلى جوانب أخرى أكثر أهمية.
هناك من يرى ان الإعلام الرسمي ينبغي ان يخرج من وضعه الحالي والذي تسيطر فيه الأشباح على قراراته وتعمل على تسخيره في تزييف الوعي وغسل الأدمغة وزرع الفرقة وإثارة الفتن بين الناس وتسطيح أو مسخ الهوية وهدم قيم المجتمع لصالح قوة سياسية أو اجتماعية معينة. وتتجه الغالبية نحو المطالبة بإخضاعه لسلطة الشعب بترتيبات معينة وبحيث يتحول إلى سلعة عامة يستفيد منها الجميع، وعلى ان يتم بعد ذلك تخفيض الدعم المقدم له بالتدريج والعمل على إصلاحه بحيث يصبح مكتفيا ذاتيا. وهناك من يذهب ابعد من ذلك فيطالب بخصخصته لأسباب سياسية تتصل بسعي القوى السياسية والاجتماعية في كل المراحل إلى السيطرة على الإعلام وتسخيره لتحقيق أهدافها الخاصة.
وهناك من يرى بان البلاد ستظل بحاجة إلى إعلام رسمي خلال العقدين القادمين على الأقل ليعمل على ترسيخ مجموعة من الثوابت والقيم المشتركة بين الناس كقيم المواطنة المتساوية والمصلحة الوطنية والتسامح والمسئولية والتضامن والتعاضد وغير ذلك من القيم والثوابت التي لا يمكن تركها للأطراف المختلفة..
وتتضمن عملية تحرير الإعلام بالضرورة إزالة كافة القيود التي تحد من قدرة الناس على امتلاك وسائل الإعلام بكافة أنواعها ، التعبير عن الرأي، والحصول على المعلومات، ونشر تلك المعلومات. والإعلام الحر هو شرط أساسي لبناء مجتمع المعرفة.
مبررات التحرير…
يواجه الإعلام العربي الرسمي، في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، تحديات كبيرة وهو يحاول دون نجاح مواكبة القنوات الفضائية الخاصة. فقد أدى ظهور قناة الجزيرة ابتداء من عام 1996 إلى حدوث تحول كبير في السوق الإعلامي الإقليمي والى رفع سقف الحرية والمهنية والتغطية. ووجدت الأنظمة العربية نفسها تتعرض لاجتياح إعلامي لا يقل في خطورته عن الغزو العسكري. وقد كان رد الفعل من قبل الأنظمة القادرة هو إطلاق قنوات فضائية مضادة، تبث في الغالب من الخارج، مع العمل في نفس الوقت على التركيز على قنوات التسلية والإلهاء لسحب البساط عن القنوات الموجهة سياسيا. ويتصف الإعلام الرسمي العربي المعروض في السوق الرسمي أو السوق السوداء بأنه عاجز عن المنافسة ولا يملئ الفراغ ولا يسد حاجات المواطن العربي الإعلامية وانه غير فعال وغير حقيقي ولا يلفت انتباه احد ودعائي فج وذو اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل ومن الحاكم إلى المحكوم..وفوق ذلك فهو يكلف الخزينة العامة الكثير... ويذهب المتخصصون إلى القول بان الدولة العربية ستجد نفسها عاجلا أو آجلا مرغمة على التخلي عن دعم الإعلام العام وخصوصا بعد ان قررت بعض الحكومات رفع الدعم عن الرغيف..
وفي دولة مثل اليمن فانه وفي الوقت الذي يبتلع فيه الإعلام الرسمي المليارات فانك عندما تسأل حوالي 400 طالب داخل قاعة عن ما اذا كانوا يشاهدون القنوات اليمنية تفاجأ ب4 أو 5 أشخاص يرفعون أياديهم..وبالنسبة لمبررات تحرير الإعلام في الحالة اليمنية فإنها كثيرة. وقد عرض الأستاذ عرفات مدابش، رئيس تحرير موقع "التغيير نت" ومراسل إذاعة سوا الأمريكية، أهمها في ورقة بعنوان "الضرورات السياسية والتكنولوجية لتحرير الإعلام في اليمن" في ندوة نظمها موقع التغيير وملتقى المرأة للدراسات والتدريب في أغسطس من العام الماضي.. ويرى عرفات ان تحرير الإعلام هو حجر الزاوية بالنسبة للديمقراطية. وفي الوقت الذي يبدي فيه عرفات أسفه لمرور 17 عاما على الوحدة اليمنية وعلى تبني الديمقراطية دون ان يتم تحرير الإعلام فانه لا ينسى ان ينبه إلى أن الإعلام الحر هو الضمانة لتحصين وتعزيز التجربة الديمقراطية الناشئة وحماية الوحدة اليمنية والوطنية. وبالنسبة لليمنيين، فان تحرير الأعلام يمثل التزاما بالديمقراطية وبالتالي بالوحدة اليمنية لإن الديمقراطية والوحدة في الحالة اليمنية هما صنوان. فلا ديمقراطية بلا وحدة ولا وحدة بدون ديمقراطية.
وكان الأستاذ عبد الباري طاهر النقيب الأسبق للصحفيين اليمنيين قد عرض ورقة في نفس الندوة بعنوان "الإعلام اليمني بين الاحتكار والتعددية" مشيرا فيها، وفي تأكيد يعزز ما ذهب اليه عرفات من وجود ارتباط وثيق بين الديمقراطية وتحرير الإعلام، إلى ان الاستيلاء على الإذاعة في 26 سبتمبر 1962 قد كان "أهم من الاستيلاء على قصر دار البشائر" والذي اتخذه الإمام محمد البدر مقرا. وقد أيقن الإمام عند سماعه بسقوط الإذاعة، كما يذهب طاهر، أن نصف دولته قد سقط.
ومطالبة الإنسان العربي بتحرير الإعلام يمكن النظر إليها على أنها في المقام الأول تعبير عن إنسانيته وانه لا يقل شأنا عن الإنسان في أمريكا الجنوبية أو شرق آسيا..ولأنه كذلك فان من حقه ان يتحول من مجرد مستهلك للنماذج الإعلامية والثقافية التي يتم إنتاجها في مختلف أركان الأرض الى منتج لما يقوم باستهلاكه والى مشارك في إنتاج ما يستهلكه الآخرون.. ولا يمكن للإنسان العربي ان يركن على ما تنتجه الأنظمة العربية من نماذج لا هدف لها سوى تكريس التخلف والتسلط تحت مبرر حماية الوحدة الوطنية.. فمن حق الإنسان العربي ان يرسم لنفسه الصورة التي يراها مناسبة وان يطور القيم التي تشبع حاجاته المادية والروحية والتي تمزج بين الأصالة والمعاصرة.
ولا تقتصر مبررات وضرورات تحرير الإعلام في الحالة اليمنية على الجوانب السياسية والإعلامية والقانونية ولكن تمتد إلى الجوانب الاقتصادية وبالتحديد إلى أهمية تحرير الإعلام بالنسبة لاقتصاد السوق وبالنسبة لخلق بيئة استثمارية تتدفق فيها المعلومات بحرية وشفافية ويتم فيها الحد من الفساد الذي ينخر روح الدولة اليمنية..والى أهمية تحرير الأعلام كذلك بالنسبة للترويج الاقتصادي والسياحي وخلق فرص عمل للعاطلين. كما لا بد للحديث حول تحرير الأعلام ان يمتد إلى أهمية أو عدم أهمية تحرير الإعلام بالنسبة للجوانب الاجتماعية وخصوصا بالنسبة للتعددية الاجتماعية التي يتصف بها مجتمعنا وبالنسبة للحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة الغزو الفكري والمحاولات الضارية لمسخ الهوية والتحصين ضد محاولات هزيمة الشعب اليمني والشعوب العربية نفسيا..
نشر ايضا في ايلاف بتاريخ 22 يوليو 2008

د. سيف العسلي يواجه الحقيقة

هذه مجرد مقتطفات من مقال اطول للدكتور سيف العسلي وزير المالية السابق ॥والمقتطفات لا تحتاج الى اي تعليق।لقراءة। المقال كامل تتبع هذه الرابطة
http://www.althawranews.net/newsdetails.aspx?newsid=43317

ذهبت يوم الأربعاء الماضي لتجديد رخصتي لقيادة السيارة وكنت أتوقع أن يستغرق ذلك يوماً على الرغم من أن الزميل الدكتور رشاد العلىمي قد وعد عندما كان وزيرا للداخلية بأنه في بدء تشغيل الإصدار الآلي الموحد فإن ذلك لن يستغرق أكثر من عشر دقائق।
ولكني قد أصبت بخيبة أمل كبيرة عندما عدت إلى منزلي ولم استطع إنجاز أي شيئ على الإطلاق.. وأصبت بالحسرة على ما تم إنفاقه من الخزينة العامة على هذا المشروع عندما أدركت أن تجديد رخصتي قد يستغرق اسبوعا على الأقل.
ولذلك فقد قلت لنفسي فلماذا تم إنفاق مئات الملايين من الخزينة العامة على هذا المشروع وكيف يمكن تبرير ذلك؟.
فقد كان الوضع قبل بدء العمل في هذا المشروع أفضل بكثير، فالإصدار اليدوي كان أسرع، ولم يترافق مع المشروع جديد سوى العودة إلى المركزية المضرة، ونتيجة لذلك فإن عمليات الإصدار قد زادت سوءا. فقط المكان الجديد أكثر نظافة في الوقت الحاضر، لكن لا توجد أي ضمانات لبقائه كذلك في المستقبل، فقد وجدت المكان عندما دخلت اليه مكتظا بالمتعاملين ولذلك فقد تهت كما يتوه الآخرون فلم ادري إلى أين أتجه، ففيه يتم إصدار العديد من الوثائق ولعل من أهمها جوازات السفر ورخص القيادة وكروت السيارات ووثائق أخرى.
فقد كان من المتوقع حدوث هذا الاكتظاظ مسبقا نظراً لحجم الطلب اليومي على هذه الوثائق ولاشك أن عدم توقع ذلك يعد مؤشرا على ضعف عملية التخطيط والتقييم، ومن وجهة نظري فإن ذلك دليل قوي على عدم نجاحه في تحقيق أهم أهدافه وهي تسهيل عملية الإصدار على المواطنين فلو كان الذين خططوا له قد أخذوا ذلك بعين الاعتبار لما تم جمع إدارات إصدار أهم الوثائق في مكان واحد، فمهما كان حجم هذا المكان كبيرا فإنه لابد أن يكون مزدحما، والأدهى من ذلك انه لم يتم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة فهي مناسبة للامركزية وليس المركزية الشديدة.
فمن مميزات الإصدار الآلي أنه يسمح بالمشاركة في البيان بين عدد كبير من الجهات حتى لو تعددت وتباعدت مكانيا، أي انه يساعد على إدارة لا مركزية الإصدار، فتجميع إدارات الإصدار في مكان واحد قد يكون مفيدا في حال النظام اليدوي لأنه يوفر على المتعاملين الحصول على عدد من الوثائق من مكان واحد لان الإدارات المعنىة ستتمكن من تبادل المعلومات بينها.
أما في ظل النظام الآلي فإن التواجد في مكان واحد لم يعد ضروريا.
فعلى سبيل المثال فإن فحوصات المريض تتم في أمريكا ويتم تحليلها في الهند أو في استراليا أو أي مكان في العالم باستخدام تقنيات المعلومات الحديثة.
ولذلك فقد كان من المفترض أن يتم تصميم الإصدار الآلي ليكون غير مركزي وغير موحد، إذ أنه سيمكن إدارات الإصدار المختلفة من التنسيق في ما بينها بدون الحاجة لأن تكون قريبة مكانيا من بعضها.
ففي هذه الحالة فإن وزارة الداخلية يجب عليها إقامة مراكز إصدار متعددة في كل مديرية أو حتى في كل حارة من حارات الجمهورية.
فعلى سبيل المثال فإن عملية إصدار أو تجديد رخصة القيادة في الدول المتقدمة مثل أمريكا يتم عبر مكاتب منتشرة في المجمعات التجارية أو حتى عبر الانترنت.
وقد زاد من استغرابي أنه وعلى الرغم من توحيد عدد من إدارات الإصدار في مكان واحد فإنه لم يتم وضع أي علامات أو توضيحات لإدارات الإصدار المتواجدة فيه.
وقد ساهم غياب ذلك في اكتظاظه بالعاملين والمتعاملين الذين يقطعون عددا من المرات ذهابا وإيابا ولا يدرون إلى أين يتجهون إلا بعد أن يستفسروا لعدد من المرات.
ولا شك أن نصب لوحة توضيحية بمكاتب الإصدار المتواجدة ومواقعها ليس أمرا صعبا ولا مكلفا.
ولا شك أن ذلك دليل قوي على عدم وجود التقييم.
وقد اندهشت كثيراً عندما لاحظت أنه على الرغم من التجهيزات الكمبيوترية الحديثة فإنه قد تم إغفال امر بسيط لكنه في غاية الأهمية ألا وهو تحديد وتوضيح متطلبات إصدار الوثائق، لا شك أن ذلك كان سيعمل على توفير وقت وجهد كل من العاملين والمتعاملين، فإذا ما عرف المعامل هذه المتطلبات فإنه سيعمل على توفيرها قبل التقدم بطلب الحصول على الوثيقة.
وفي هذه الحالة فإن ذلك سيوفر الوقت الضائع بسبب النقاشات العقيمة التي تجري بين المعامل والإدارة المختصة حول ضرورة توفيرها فليس من الصعب تحديد متطلبات إصدار أي وثيقة من الوثائق وكتابتها على ورقة أو تضمينها في طلب الحصول على هذه الوثيقة وضعها في مكان عام يمكن للمتعاملين الاطلاع علىها وبالتالي تجهيزها قبل الذهاب إلى إدارة الإصدار المختصة، كذلك فانه يمكن كتابتها بكل سهولة على لوحات إرشادية بل انه من السهل الإعلان عنها على مواقع الانترنت.
وقد غضبت عندما أبلغت بمتطلبات تجديد الرخصة، ويرجع غضبي هذا أولا لأني لو كنت قد أبلغت بها مسبقا لكنت قد أحضرتها معي أو على الأقل لكنت قد أحضرت بعضها أو أهمها، فالذهاب إلى الإصدار الآلي الموحد في أمانة العاصمة يتطلب وقتا كبيراً نظراً لبعده عن وسط العاصمة، وثانيا لأن بعض هذه المتطلبات لا أهمية لها ولا علاقة لها بالوثيقة المطلوبة، إن ذلك يدل على عدم اكتراث الوزارة بالمتعاملين وبالمشقات التي يتحملونها لتلبيتها بدون فائدة منها.
فعلى سبيل المثال فإني لم أفهم مبرر الحصول على شهادة النجاح في القيادة لمن يريد تجديد رخصته وكذلك لم افهم مبرر احتكار شركة واحدة لذلك.
وقد زاد غضبي أكثر فأكثر عندما علمت أن هذه الشركة مرتبطة بوزارة الداخلية، فقد كان من الممكن تولي هذه الشركة عملية الاختبار وعملية الإصدار قد بلغ غضبي حده الأقصى عندما تم الإصرار على إحضار هذه الشهادة في حال تجديد الرخصة، فأنا أقود السيارة منذ أكثر من ثلاثين سنة وقد حصلت على رخص قيادة من عدد من الدول وعلى عدد من رخص القيادة اليمنية وبالتالي فلا مبرر لطلبها مني ومن أمثالي، ومن ثم فلا أرى أي مبرر لإعادة اختباري من جديد على الرغم من أن رخصة القيادة التي في حوزتي لم تنته إلا منذ أيام.
وقد أخبرني أحد المتعاملين بأن الحصول على الشهادة قد لا يتطلب تلقي أي دروس في حسن القيادة وفي حالات معينة لا يوجد أي اختبار في القيادة على الإطلاق، فالهدف الأساسي من طلب الشهادة هو دفع مبلغ نقدي لدعم وزارة الداخلية.
فإلى جانب أن هذا الأمر غير مبرر فإنه غير قانوني على الإطلاق، فهذه المبالغ لا تذهب إلى الخزينة العامة، ولا شك أن ذلك يتعارض مع القانون المالي واللوائح المالية الأخرى، بالإضافة إلى ذلك فإن طالب الشهادة قد يخضع لابتزاز القائمين على إصدارها. فإذا لم يتم دفع مبالغ إضافية فإنهم يرفضون إعطاءه الشهادة لأنه فشل في الامتحان مع أن الممتحن قد يكون أمضى كل عمره في قيادة السيارات، فقد كان بإمكان وزارة الداخلية زيادة رسوم إصدار أو تجديد رخصة القيادة بدلا من ذلك.
قد أصبت بالضيق الشديد عندما طلب مني إثبات هويتي من خلال جواز السفر أو البطاقة الشخصية، فقد اعتبرت هذا الطلب اهانة لي فأنا شخصية معروفة ولديّ رخصة رسمية تحمل صورتي صادرة من الجهة الرسمية وهي واضحة و لا يوجد فيها أي خدش أو طمس، فالحصول على رخصة القيادة ليس مقتصرا على الذين يحملون الجنسية اليمنية بل إنه يجب أن يحصل علىها كل من يرغب في قيادة السيارات في أراضي الجمهورية اليمنية، وبالتالي فإنه لا توجد أي ضرورة لإثبات الهوية بهذه الطريقة.
وقد كدت أموت كمدا عندما لم أتمكن من الحصول على البيانات المطلوبة من الكمبيوتر لأني فعلا لديّ بطاقة شخصية حديثة وجواز سفر حديث لكن لم يكن في حوزتي. وكان من المفترض أن يتم الحصول على البيانات المطلوبة آليا لأن الهدف المتوخى من توحيد مكاتب الإصدار الآلي في مكان واحد هو سهولة تبادل المعلومات.
وهكذا يتضح أن هذ المشروع لم يحقق العديد من الأهداف والفوائد التي كانت متوخاة منه، فبدلا من تسهيل إصدار الوثائق فقد عقدها، فالى جانب المشاكل التي تحدثت عنها فإني لاحظت وجود عدد من المشاكل الأخري، فخضوع الإصدار لإدارة واحدة في ظل عدم التفويض بالصلاحيات قد جعل من عملية إصدار الوثائق أكثر صعوبة، فإذا ما غاب مدير الإصدار فإن معظم الإصدارات تتوقف فعندما كانت توجد في إدارة مستقلة لكل إصدار من الإصدارات فإن غياب مدير الإصدار قد يتسبب في تأخير إصدار وثيقة واحدة وليس كل الوثائق كما هو علىه الحال في الوقت الحاضر.
ولقد تسبب الوضع الجديد كذلك في مضاعفة الزحمة حول مدير الإصدار الموحد، ولا شك أن ذلك لا يتفق مع مبادئ الإدارة الحديثة، فتعامل المدير مع إصدار وثائق مختلفة مثل الجوازات ورخص القيادة وغيرها من الوثائق أكثر صعوبة من تعامل مدير مستقل مع كل واحدة منها على حده فربما كان من السهل على المعاملين التعامل مع مدير مستقل لكل إصدار من الإصدارات، وليس من السهل على المدير نفسه أن يتعامل مع مشاكل مختلفة ومتعددة لكل إصدار من الإصدارات.
ومما زاد كمدي هو انه لا يوجد تقييم لأداء هذا المشروع بعد إقامته لمعرفة مدى تحقيقه للأهداف المتوخاة منه والعقبات التي واجهته فليس من العيب أن يتم ارتكاب أخطاء أثناء التخطيط والتنفيذ ولكن من العيب كل العيب أن تستمر هذه الأخطاء ولا يتم السعي لمعالجتها ولتطوير المشروع وتحسين أدائه من خلال العمل على إيجاد الحلول المناسبة لأي مشكلة قد تواجهه.
فعدم القيام بذلك يعني أن عدم المشروع أفضل موجودة فبدلا من أن يعمل المشروع على تقليل المشاكل فإنه قد عمل على خلق مشاكل جديدة لم تكن موجودة وتحمل تكاليف جديدة، فعدم قيام المشروع كان سيقلل المشاكل ويوفر التكاليف.
فلماذا لم يفكر من تبنى هذا المشروع بهذه الطريقة ذلك هو اللغز الذي أتمنى من أي أحد قادر على حله أن يساعدني في ذلك فقد عجزت عن حله !.

الخميس، 10 يوليو 2008

الحملة الإعلامية ضد السعودية



د عبد الله الفقيه

تشكل في صنعاء يوم ال14 من مايو 2008 ماسمي ب"حملة مدنية لمناصرة ضحايا محرق خميس مشيط." وقد تشكلت اللجنة برئاسة الدكتور ابو بكر السقاف والذي يدرس الفلسفة بجامعة صنعاء ويعد ابرز المناصرين والمنظرين لإعادة تقسيم اليمن الى دولتين. وقد عكست كتاباته في صحف "النداء" و"التجمع" و"الثوري" وغيرها توجها يرى في وحدة الجنوب مع الشمال خطئا تاريخيا يجب تصحيحه. كما ضمت اللجنة في عضويتها الأستاذة/ أمل الباشا عضو الحزب الحاكم ورئيس " منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان" وعلي الديلمي مدير "المنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات" والقيادي في اتحاد القوى الشعبية وعبد الباري طاهر النقيب السابق للصحفيين اليمنيين والقيادي كذلك في الحزب الاشتراكي وغيرهم من الأسماء المألوفة.
والغريب ان اللجنة ضمت في عضويتها، كما جاء في البلاغ الصحفي، عز الدين الأصبحي رئيس "مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان" وعضو المؤتمر الشعبي العام برغم ان الأصبحي يعمل عضوا في اللجنة العليا لمكافحة الفساد التي يحرم قانونها على اعضائها مزاولة اي عمل عام أو خاص خلال فترة العضوية. لكن عز الدين ما زال يمارس عمله مكتفيا بتعيين رئيس صوري للمركز. ولا ينظم مركز المعلومات اي نشاط في الداخل أو الخارج الإ ويرى الناس الأصبحي على المنصة. ويتوقع ان ينعكس موقع عز الدين في هيئة مكافحة الفساد ايجابا على انشطة مركزه وخصوصا وانه يرأس ما يسمى بقطاع المجتمع المدني.
حادثة خميس مشيط
تتلخص حادثة خميس مشيط على ذمة مجموعة كبيرة من المواقع والصحف اليمنية (بما في ذلك تلك التابعة للحزب الحاكم) في ان السلطات السعودية في خميس مشيط لاحقت مجموعة من اليمنيين المتسللين بطرق غير شرعية الى ان وصلوا الى محوى للقمامة واختبأوا فيه. وتقول الرواية ان اجهزة الأمن السعودية قد قامت بصب البنزين في المحوى واشعال الحريق، رغم علمها الأكيد بوجود الأشخاص بداخله، وهو ما ادى الى اصابة العديد منهم بحروق. وقد نقل عن الضحايا قولهم "كنا في منطقة خميس دخلنا الساعة الخامسة مساءً من يوم أحد في حفرة كبيرة حفرناها للاختباء وهي واقعة خارج مدينة الخميس بسبعة كيلو تقريباً طاردتنا أربع سيارات شرطة وأمن عام ودورية كان فيها عسكر حوالي (12) جندي فيهم لابسين لبس مدني كنا مطمئنين إننا نجونا ولم نتوقع أنهم تبعونا لكنهم رشوا بنزين على هذه المنطقة وأشعلوا النار ، الذين فروا قبل الإشعال نجو والبقية (18) بقوا في الحفرة الكبيرة مكثوا فيها ولم يتوقعوا إشعال النار لكنهم فعلوها وأشعلوا النار الذي كان يغطي الحفرة."
وبالنسبة للسلطات السعودية فترد برواية أخرى للحادثة. فقد صرحت ادارة الدفاع المدني بمنطقة عسير عند وقوع الحادثة بان 18 من "مجهولي الهوية" اصيبوا بحروق متباينة في حريق بمرمى النفايات بمحافظة خميس مشيط وان فرق الدفاع المدني سارعت الى اخماد الحريق ونقل المصابين الى المستشفى. وعندما تناقلت المواقع والصحف اليمنية الخبر سارعت السلطات السعودية الى نفيه مؤكدة على تصريحها السابق ومضيفة "ان الحريق اندلع أولا في إطارات سيارات ونفايات وامتد إلى مساحة (50) مترا،... وان المصابين من المجهولين الذين كانوا متواجدين في الموقع لنبش القمامة من الجنسية اليمنية قد قضوا مدة أسبوع بالمستشفى المدني بخميس مشيط حيث خرجوا من المستشفى للترحيل إلى بلدهم عن طريق منفذ الطوال ولا زالت الجراح نادية ومتقرحة."
والملفت للانتباه هو ان النفي السعودي لعملية الحرق المتعمد على لسان الناطق الإعلامي لشرطة منطقة عسير قد اضاف "إن هؤلاء المجهولين تعودوا التسلل إلى منطقة عسير للسرقة والسلب والنهب وقد بلغت جرائمهم في منطقة عسير للعام المنصرم 1428ه وحتى تاريخ1429/3/30ه ما مجموعه (189) قضية بالإضافة إلى اعتراف عصابة منهم بارتكاب(54) قضية منها (10) قضايا قتل تم التصريح عنها مسبقاً."
ويلاحظ على التصريحات السعودية وجود بعض جوانب التناقض والغموض. من جهة، فان وصف الضحايا في التصريحات التي صاحبت وقوع الحادثة ب"مجهولي الهوية" لا يبدو منطقيا وذلك لتميز سحنة اليمنيين عن غيرهم ولقرب مكان الحادثة من الحدود اليمنية السعودية ناهيك عن اللغة التي يتكلمها مجهولوا الهوية كما وصفوا. من جهة ثانية، تتسم الإتهامات السعودية للمجموعة التي تعرضت للحريق بالغموض وخصوصا وان السلطات السعودية كما تقول قامت بترحيلهم بعد اسبوع. فهل يعقل ان يتم ترحيل اشخاص ارتكبوا جرائم قتل؟ من جهة ثالثة، في الوقت الذي يحسب فيه للسلطات السعودية بانها قامت باطفاء الحريق ونقلت المصابين الى المستشفى واخضعتهم للمعالجة لمدة اسبوع فان الملاحظ ان السلطات السعودية قامت مع ذلك بترحيل المجموعة بما في ذلك شخص وصفت حالته بالخطرة.
والهدف هنا ليس تبرئة طرف أو ادانة آخر. فالمعاملة السيئة لليمنيين في السعودية هي قضية تطرح دائما. وفي المقابل فان تسلل اليمنيين الى السعودية بطرق غير قانونية هو مشكلة يومية بالنسبة للسعوديين لا ينبغي التقليل من حجمها. والمنتظر من السلطات السعودية في حالة مثل هذه ليس غض الطرف او التغطية على هذه القضايا ولكن التحقيق فيها واعلان نتائجها يشجاعة. فذلك وحده هو الكفيل بوضع الأمور في نصابها الصحيح. والكاتب هنا يتفق مع الكاتب السعودي تركي الدخيل والذي قال في مقال له حول الحادثة نشر في صحيفة الوطن السعودية: "والحقيقة أن هذا التصرف لو كان صدر عن عمد فهو جريمة بالفعل، فكون العمّال غير شرعيين، ووجودهم في السعودية غير قانوني، لا يُلغي إنسانيتهم بطبيعة الحال، ولا ينفي حقوقهم كبشر قبل كل شيء."
أبعاد الحملة
سيكون من السذاجة ان يعتقد الإنسان ان الذي ينظر لإعادة تجزئة اليمن يمكن ان يهتم لأمر 18 عاملا تعرضوا للحريق أو ان الصحافة اليمنية ستقضي أسابيع وهي تلوك نفس التفاصيل المتعلقة بمأساة العمال دون جهود كبيرة من خلف الستار لتحريك القضية. والمتابع للطريقة التي تم بها تغطية حادثة خميس مشيط وللحملة المدنية التي تم تشكيلها سيلحظ دون ادنى مشقة بان البعض قد حاول ركوب موجة الحريق لتحقيق اهداف مختلفة لا علاقة لها بالضحايا ولا بمصالح اليمن. فقد تم الخروج بالحادثة عن سياقها الطبيعي ليتم اعطائها ابعادا أخرى لا تخدم اي من الدولتين وتضر باليمن ومصالحه بشكل كبير. ويبدو ان الغرض الرئيس من الهجمة الإعلامية، رغم ما يحيط بها من غموض، قد كان الحاق الضرر بالعلاقات اليمنية السعودية نكاية بالسعودية وبالنظام اليمني ولإدخال الجميع في دوامة اشد في حجمها وعواقبها من حادثة خميس مشيط.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتصل بالأبعاد المختلفة لتلك الحملة الإعلامية و بسر التصعيد فيها وفي هذا الظرف التاريخي بالذات. ولا تكمن المشكلة هنا في غياب التفسيرات ولكنها تكمن في كثرتها وتداخلها. والمشكلة الكبيرة بالنسبة لليمن في هذه المرحلة هي طغيان الأجندات الشخصية والحزبية وتراجع الأجندة الوطنية إلى الخلف وهو ما يجعل مصالح اليمنيين أينما كانوا في خطر شديد. وبالنسبة للتفسيرات فالحملة، أولا، قد تمثل تعبيرا طبيعيا عن أجندة اليسار اليمني ممثلا بتياراته القومية والاشتراكية والذي ظل يحمل قدرا من العداء للسعودية برغم "سقوط الإيديولوجيات" وبرغم اختلاف الظروف. وإذا كان عداء اليسار اليمني للسعودية قد عبر عن نفسه خلال السنوات الماضية بشكل هزيل من خلال مقالات نشرت هنا وهناك وغالبا ما أدت إلى ردود فعل قاسية من قبل السلطة فان التغلغل الذي حققه اليسار اليمني داخل السلطة خلال السنوات الماضية قد مكنه كما يبدو من تنفيذ هذه الحملة الإعلامية المضرة باليمن والتي استخدم فيها الصحف والمواقع المستقلة أو تلك الناطقة باسم المعارضة لإثارة القضية ثم استخدم بعد ذلك مجموعة من الصحف المدعومة من بعض أجنحة الحزب الحاكم لمتابعة الحملة.
ثانيا، قد يكون جوهر الحملة هو اضعاف اليمين اليمني ممثلا بالتجمع اليمني للاصلاح والمشايخ والقوى التقليدية ورموز السلطة وغيرها من القوى التي يناصبها اليسار اليمني العداء "كمبدأ" لا يخضع للمناقشة. ويلاحظ ان اليسار اليمني قد تمكن خلال السنوات الماضية من استخدام مواقعه في السلطة ليعمل على إضعاف اليمين اليمني تارة من خلال الحملات الإعلامية وأخرى من خلال تحريض الخارج عليها وثالثة من خلال ضرب العلاقة فيما بينها. وتواجه مكتسبات اليسار اليمني التي تحققت خلال السنوات السابقة ضغوطا كبيرة من خلال تلويح النظام بإنشاء هيئة "تنمية الفضيلة" ومن خلال التقارب بين الرئيس وأنجال الشيخ الأحمر ومن خلال سعي حاشد إلى توحيد صفوفها وغير ذلك من الضغوط.
ثالثا، جاءت الحملة في سياق سياسي تتأزم فيه العلاقات الإقليمية وخصوصا بين السعودية وايران حول الوضع في لبنان والدور السوري واشياء أخرى. ومن غير المستبعد ان تكون الحملة الصحفية ضد السعودية ذات تشعبات اقليمية وخصوصا وان المنابر الإعلامية للقوميين قد استهجنت عدم مشاركة الرئيس علي عبد الله صالح في مؤتمر القمة العربية الذي عقد مؤخرا في سوريا وعزت ذلك لضغوط سعودية مورست ضده.
رابعا، ربما كان هدف البعض من الحملة هو الضغط على السعودية لتغيير موقفها من قضايا مثل الحراك في المحافظات الجنوبية والحرب في صعدة. والملاحظ ان السعودية وفي سابقة غير مألوفة قد عبرت رسميا عن موقفها من الأحداث في صعدة (انظر عدد السياسية ليوم 14 مايو) حيث طالبت بحل الخلاف ودعت الحوثيين الى الإستجابة لجهود الحل السلمي. كما شهدت الفترة ذاتها غياب بعض الشخصيات الجنوبية المحسوبة على أو المتواجدة في السعودية وبعض دول الخليج الأخرى عن المشهد الإعلامي المصاحب للحراك الجنوبي. وكان المتمردون في صعدة – وما زالوا— يتهمون السعودية بدعم النظام في حربه ضدهم وان كانوا لم يقدموا أي دليل مادي على وجود ذلك الدعم. وفي الوقت الذي خفف فيه المتمردون من خطابهم الإتهامي للسعودية فان الملاحظ ان السعودية قد التزمت الصمت. وحيث ان وجود الدعم السعودي أو غيابه للنظام لا يغير في الواقع من موازين القوى شيئا فان الاتهامات الحوثية للسعودية ربما هدفت الى الحصول على دعم بعض الأطراف الشيعية أو تلك المعادية للسعودية في الداخل والخارج.
خامسا، ليس من المستبعد ان هجوم الصحف والمواقع اليمنية ضد السعودية له امتداداته الأمريكية حيث ظهر وفي نفس الفترة نشاط إعلامي معاد للسعودية في العاصمة الأمريكية. وربما وجد اليمنيين أنفسهم طرفا في مهاترات أمريكية سعودية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
واجمالا فانه يمكن القول بانه تتقاطع في الحملة الإعلامية التي تشنها بعض الصحف اليمنية ضد السعودية صراعات الأجنحة داخل السلطة، مظاهرات الجنوب، احداث صعدة، احداث لبنان، وصراعات الملكيين والجمهوريين والقوميين والإسلاميين واليمين واليسار والتنافس الأمريكي الإيراني والسياسة الأمريكية الساعية الى اذابة القبيلة في اليمن وغيرها من المصالح والمواقف والتحالفات وهو ما يزيد من خطورة الحملة على العلاقات بين البلدين وعلى الإستقرار في المنطقة.
السياسات المطلوبة
بغض النظر عن الأسباب والدوافع الحقيقية للحملة الصحفية ضد السعودية وبغض النظر كذلك عن الشخصيات والتيارات التي تقف خلفها فان الحملة من منظور المصلحة الوطنية قد كانت "هدامة" بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وتضر بمصالح اليمن ككل وليس فقط بالنظام القائم. ومع ان البعض قد يحاول تمرير مثل هذا العمل التخريبي تحت لا فتة "حرية التعبير" الإ ان الواقع انه لا يمكن فصل حرية التعبير عن مصلحة المجتمع والإ تحولت تلك الحرية إلى انتحار جماعي لأفراد المجتمع. وفي الوقت الذي يجب فيه على المجتمع ان يضمن أقصى قدر من الحرية للفرد فانه لا ينبغي لتلك الحرية في كل الأحوال ان تضر بمصلحة المجتمع ككل. وفي حال وجود تناقض بين مصالح الأغلبية والأقلية في اي مجتمع فان مثل ذلك التناقض يستدعي دخول الأكثرية والأقلية في حوار يمكن معه للاغلبية ان تحافظ على مصالحها دون الإضرار بحقوق الأقلية. وجانب المسئولية في هذا الجانب لا يفرضه القانون فحسب ولكنه التزام ذاتي من الأفراد وثقافة يتم تطويرها.
هناك بالتأكيد حالة انسانية ينبغي على وسائل الإعلام التوقف عندها بمهنية ومسئولية ولفت أنظار المسئولين اليمنيين والسعوديين إليها. لكن استخدام مأساة مثل هذه لغرض الابتزاز أو لممارسة الانتقام السياسي أو لتحقيق مكاسب معينة هو عمل لا يقل "بشاعة" عن حادثة "الحرق" ذاتها. "لقد تجاوز بعض...اليمنيين في التفاعل مع الحادثة" كما ذكر الكاتب السعودي تركي الدخيل في مقاله المشار إليه بعاليه "إلى درجة الإساءة إلى السعودية نظاماً وحكومة وشعباً، وهذا ما لا يقول به عاقل، ولا يقره منطق، فخطأ البعض لا يمكن أن يعمم على الكل، هذا على فرض كون خطأ حصل." ولقد أحسن الدخيل عندما استخدم كلمة "بعض" وان كان أصحاب ذلك الموقف هم اقل بكثير من ان يكونوا بعضا. وحتى لو افترض الإنسان جدلا بأن الحادثة قد وقعت عمدا، فان المفترض هو ان هناك قنوات دبلوماسية يتم من خلالها النقاش حول هذه الأمور وليس عبر وسائل الإعلام وبطريقة رخيصة ومسفة. وليس من المنطقي أبدا ان تترك العلاقات اليمنية السعودية لبعض الأطراف لتصطاد في الماء العكر وتستغل مشكلة تهريب اليمنيين إلى السعودية والمعاملة غير اللائقة التي يلقونها هناك لتعمل على توتير الأجواء بين اليمن والسعودية وعلى خلق المزيد من الإضرار باليمن ومصالح ابنائه.
وفي الوقت الذي ينبغي فيه على اليمنيين ان يدركوا انه لا يمكن حل مشاكلهم عن طريق تهريب اليمنيين إلى السعودية فان على السعوديين ان يدركوا بدورهم بان مواجهة تسلل اليمنيين لا يمكن ان يواجه ببناء الأسوار العازلة أو بالمعاملة السيئة. وكما ان على الحكومة اليمنية التزامات تجاه السعودية فان على الحكومة السعودية التزامات تجاه اليمن. وتلك الالتزامات المتبادلة ليست "سنة" بل هي فرض تحتمه الجغرافيا والمصير المشترك. ومهما كانت طبيعة العلاقات بين اليمن والسعودية في الظرف الحالي فان الشيء الأكيد هو ان مصالح اليمن والسعودية تتطابق الآن كما لم يحدث خلال قرن من الزمن. وسيكون من الخطأ ان يضيع السعوديون واليمنيون هذا القدر من تطابق المصالح فلا يعملون على المضي قدما في تطبيع العلاقات والعمل معا لمعالجة المشاكل القائمة. وفي الوقت الذي يمكن فيه لليمنيين والسعوديين ان يختلفوا حول العديد من القضايا فان الشيء الذي لا ينبغي الاختلاف حوله هو هذا التطابق القائم بين مصالح اليمن ومصالح السعودية.

الاثنين، 7 يوليو 2008

"باص المشترك"، و "كفيفات ديمتروف"




تناقلت المواقع الإخبارية وخصوصا تلك المقربة من المعهد الديمقراطي الأمريكي الأسبوع الماضي خبرا مفاده قيام المعهد يوم 18 يونيو 2008 بتوقيع مذكرة تفاهيم مع عدد من المنظمات اليمنية الغير حكومية لإنشاء شبكة جديدة للرقابة على الإنتخابات. والمثير حقا هو قائمة المنظمات التي تم التوقيع معها وهي:
1. جمعية الأمان لرعاية الكفيفات؛ صنعاء
2. منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان؛ صنعاء
3. جمعية المستقبل للتنمية والسلم الاجتماعي – مأرب؛
4. جمعية الإخاء للتنمية والسلم الاجتماعي؛ شبوة
5. جمعية السلم والتنمية؛ غير معروفة
6. المنظمة الوطنية للتنمية الاجتماعية؛ غيرمعروفة
7. جمعية النشئ الحديث؛ شبوة
وقائمة المنظمات التي ستراقب الإنتخابات مع المعهد الديمقراطي هي عجيبة بالفعل من حيث انها ومنذ البداية تحتوي على بعض المنظمات غير المعروفة وعلى بعض المنظمات التي تهتم بالنشىء الحديث. أما جمعية الأمان لرعاية الكفيفات فمجال عملها معروف والأسم يشرح ذاته.
والقائمة محيرة بالفعل وتثير مليون سؤال وسؤال. وقد تكون القائمة الغريبة تعبير عن واقعية سياسية جديدة توصل اليها المعهد الديمقراطي. ففي الإنتخابات الماضية قيل ان استمارات الرقابة على الإنتخابات تم توزيعها على مراقبي المعهد قبل بدء الإقتراع وهي معبأة جاهزة. لكن يبدو ان مراقبي عام 2006 كانوا يملكون القدرة على الإبصار وقراءة ما هو مكتوب في الإستمارة وكذلك القدرة على التعقل والتجريد وهي صفات مضادة للديمقراطية اليمنية. ولذلك تدارك خبراء الديمقراطية في المعهد ذلك الخطأ وقرروا ايكال مهمة الرقابة على الإنتخابات القادمة الى "الكفيفات" والى "القصر" بشكل عام وذلك بما يتناسب وديمقراطية اليمن.
ولا تتوقف عجائب المعهد الديمقراطي الأمريكي في صنعاء عند حد. فخلال الأسبوع قبل الماضي، وكما تناقلت مواقع الإنترنت، فان بيتر ديمتروف مدير المعهد المهتم بنشر الديمقراطية في اليمن والجزيرة العربية قد بعث برسالة الى الحزب الإشتراكي اليمني يهدده فيها بقطع العلاقة بسبب قيام صحيفة "الثوري" الناطقة باسم الحزب بنشر مقالين ينتقدان ما قاله ديمتروف— في مقابلة مع احدى الصحف— الأول للدكتور محمد علي السقاف والثاني للناشطة الحقوقية توكل كرمان رئيسة منظمة "بلا قيود." والمقالان وان اتفقا في نقد ديمتروف فانهما قد اختلفا في الجوانب التي يتم نقدها. ويبدو ان ديمتروف "اراد" كما يقول المثل اليمني "ان يكحلها فعماها."
ومع ان المعهد يقدم نفسه على انه رسول الديمقراطية والحوار وحرية التعبير الإ ان مذكرة ديمتروف الى الحزب الإشتراكي تظهر المعهد كمؤسسة تفوق في استبداديتها السلطة القائمة في اليمن. ولعل ذلك هو السبب في سيل السخرية الذي تم به الرد على ديمتروف ومعهده. فقد عنون الأستاذ الدكتور محمد عبد الملك المتوكل استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء مقاله في صحيفة "الوسط" في عدد الأسبوع قبل الماضي ب"المعهد الديكتاقراطي" في حين وصف الكاتب والناشط في تيار المستقلين الجنوبيين الخضر الحسني ديمتروف ب"ثور في قفص من زجاج." وفي حين ذهب الدكتور المتوكل في مجمل مقاله الى ان اقوال ديمتروف هي جزء من النفاق الدولي الذي يهتم بمقتل حيوان ولا يهتم بمقتل شعب باكمله والى ان ديمتروف مهتم بضمان استمرار الحصول على مرتبه الشهري فان مقالات الحسني والسقاف وغيرهم قدر ركزت على عدم المام ديمتروف بالحياة السياسية والإجتماعية في اليمن وهو ما ينطبق على السياسة الأمريكية ككل ليس فقط في اليمن ولكن في الشرق الأوسط بشكل عام.
ولعل من المهم وفي خضم الهجوم الذي يشن على ديمتروف من العديد من الشخصيات السياسية والهجوم المضاد الذي يشن دفاعا عن "ديمتروف" القاء بعض الضوء على المعهد الديمقراطي الأمريكي ونشاطاته في اليمن ومديره الجديد المثير للجدل وربط كل ذلك بالسياسة الأمريكية في اليمن.
المعهد الوطني الديمقراطي
يعرف المعهد الوطني الديمقراطي للشئون الدولية، ومقره العاصمة الأمريكية واشنطن، ذاته في موقعه على شبكة الإنترنت بانه منظمة غير ربحية تعمل على تقوية ونشر الديمقراطية على المستوى العالمي وانه يقدم الدعم للقادة السياسيين والنشطاء المدنيين الذين يعملون على تعميق قيم ومؤسسات وممارسات الديمقراطية. ويعمل المعهد الذي تعود جذوره الى فترة الحرب الباردة وهي الفترة التي شهدت تبني الأمريكيين للديمقراطية كسلاح في مواجهة المد الشيوعي في العالم. وقد ازدهرت اعمال المعهد مع تحول العديد من البلدان الواقعة في وسط ووشرق اوروبا وغيرها من المناطق من النظم الشمولية الى النظام الديمقراطي في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.
وقد بدأ المعهد عمله في اليمن في عام 1993 حيث قام بتقديم بعض الدعم الفني خلال انتخابات ابريل 1993 بتمويل من قبل وكالة التنمية الأمريكية. ثم تحول مقره في صنعاء من مجرد مكتب صغير الى مركز اقليمي يضم 40 موظفا. وحيث ان المعهد ممول بشكل كلي من قبل الحكومة الأمريكية وان ادعى عكس ذلك فان مواقفه وبرامجه والمعرفة التي يروج لها تعكس بشكل اساسي المصالح والرؤى الأمريكية. ويقول اكاديمي يمني يعيش الان في المنفى ان موظفي المعهد الديمقراطي منذ بداية التسعينات وحتى نهاية العقد كانوا دائما يتقاطرون الى صنعاء للحصول على الساعات الفخمة التي نقش عليها صورة الرئيس وبدل السفر وليصدروا بعد ذلك شهادات الجودة للديمقراطية اليمنية التي كانت دائما تحتضر وتعيش على التنفس الإصطناعي الذي تقدمه تلك الشهادات. وقد كانوا يفعلون ذلك لإن واشنطن كانت راضية تماما عن النظام اليمني.
وفي الوقت الذي يزعم فيه المعهد بانه يعمل مع الديمقراطيين في كل اقليم من اقاليم الكرة الأرضية لبناء المنظمات السياسية والمدنية ودعم المشاركة والشفافية والمساءلة في الحكومة فان المتفحص في الأنشطة التي يقوم بها المعهد يجد انه—كمؤسسة—لا يتمثل في تنظيمه وبرامجه أوفي سلوكه ايا من القيم التي يتباهى بنشرها. والواضح ان المعهد في الحالة اليمنية مصاب بهوس اسمه "مارب، شبوة، والجوف" ولذلك فان اي نشاط او برنامج عمل يقوم به هو موجه بشكل اساسي لتلك المحافظات وفي امور لا علاقة لها من قريب او بعيد باهداف المعهد. ولا يريد الكاتب التطرق بالتحليل لأهداف المعهد في شمال وشرق اليمن لإن تحليل هذا الجانب لن يساعد كثيرا على تحسين العلاقات اليمنية الأمريكية التي تمر في الوقت الحالي بمرحلة انحدار.
ويكفي الإشارة الى ان المعهد يعمل في اطار من الغموض والسرية تجعل الإنسان يحتار في طبيعة العمل الذي يقوم به ويجد صعوبة في الحكم بموضوعية على انشطته...ولا يحتوي موقع فرع المعهد في اليمن على اي معلومات عن ال40 موظفا الذين ذكرهم ديمتروف في احدى المقابلات او عن انشطتهم او عن خلفياتهم او عن البرامج التي ينفذها المعهد أو الخطط التي يتبعها. وتظهر مقابلات ديمتروف ان المعهد هو نموذج للفوضى والإرتجال. فهاهو ديمتروف يقول في احدى مقابلاته بان مبادرة الرئيس اعجبته فقرر بين عشية وضحاها ان يدعمها وقام بتنظيم ندوة لذلك الغرض احضر لها الخبراء من بيروت. وعندما سأل ديمتروف عما اذا كانت الحكومة اليمنية قد طلبت منه ذلك اجاب بالنفي.
بيتر ديمتروف
تقول السيرة الذاتية المقتضبة التي ينشرها المعهد الديمقراطي الأمريكي (المركز الرئيسي) لبيتر ديمتروف على موقعه على الشبكة العالمية للانترنت بان ديمتروف الكندي الجنسية ولد في اقليم كلومبيا البريطانية لأم بلغارية واب الماني، وانه حصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من الكلية الملكية العسكرية الكندية ثم حصل على الماجستير في الإدارة العامة من جامعة كارلنتون. وبالنسبة للمواقع التي شغلها ديمتروف قبل التحاقه بالمعهد الديمقراطي، فليس هناك سوى معلومات شديدة العمومية. فبين عامي 1984 و1996 عمل ديمتروف في سلاح المدفعية داخل كندا وفي المانيا، ثم فيما كان يعرف بيوغسلافيا. كما عمل ايضا مع الحزب الليبرالي الكندي في حملاته الإنتخابية على المستويات المحلية والفدرالية. وعمل مستشارا لنائب رئيس الوزراء الكندي. وعمل قبل التحاقه بالمعهد الديمقراطي الأمريكي كرئيس لمساعدي وزير الدولة الكندي لشئون وسط وشرق اوروبا والشرق الأوسط. ولا يذكر المعهد لماذا غادر ديمتروف كل موقع شغله من المواقع السابقة وهو ما يثير الكثير من علامات الإستفهام.
وكان اول موقع شغله ديمتروف بعد التحاقه بالمعهد الديمقراطي هو مدير مكتب المعهد في مقاطعة بركو في البوسنة والهرسك. ثم عين بعد ذلك مديرا مقيما للمعهد في افغانستان. وبعد ذلك عين في صنعاء في اواخر عام 2006 خلفا للدكتورة روبن مدريد. ومن الواضح ان خبرة ديمتروف العسكرية وقدرته على العمل في مناطق تعيش حالة من الحرب الأهلية او مرشحة للدخول في حرب أهلية هي الأسباب الأساسية وراء تعيينه في صنعاء. وعلى العكس من روبن مدريد المديرة السابقة للمعهد والتي كانت تعمل بسرية تامة فان ديمتروف كثير الكلام وكثير الظهور في الصحف وبحيث فاق في ظهوره الإعلامي في بعض الفترات ظهور رئيس الجمهورية نفسه.
وتثير مقابلات "ديمتروف" الصحفية وهي في الغالب "مدفوعة الأجر" الكثير من علامات الإستفهام عن الدور الذي يلعبه في الحياة السياسية اليمنية وخصوصا في ظل تناقضاته الصارخة وفي ظل تناوله لقضايا حساسة لا يفترض ان يخوض فيها. فعلى سبيل المثال فقد طلع على الناس في احدى المقابلات يطالب اللقاء المشترك بتحديد موقف واضح من الحرب في صعدة ناسيا ان يطلب ذات الشي من الحكومة التي يعمل لصالحها او من المعهد الذي يترأسه رغم وجود مؤشرات قوية على تورط امريكي في الأحداث. أما تحريض ديمتروف لأحزاب اللقاء المشترك ضد الحوثيين والذي صفق له الكثير من المعلقين فانه يثير الكثير من المخاوف عندما يأتي من شخص يفترض ان يكون رسول سلام.
وبالرغم من ان ديمتروف يصف احزاب اللقاء المشترك بالخمسة الذين ركبوا باصا واغلقوا الباب خلفهم ولم يسمحوا لأي راكب جديد بالصعود في الطريق—وهو نقد في محله من وجهة نظر الكاتب— الإ ان "ديمتروف" –ربما بسبب قلة الخبرة بالمجتمع اليمني— لا يعرف ان المعهد الديمقراطي—فرع اليمن ذاته هو اشبه ما يكون بقطار لا يسمح فيه بالصعود الا لفئات معينة من الناس واعتمادا على فحوص "الدي ان اي" وهذا أسوأ بكثير من باص اللقاء المشترك. وعلى الرغم من ان ديمتروف نشأ في بلد بنظام برلماني الإ انه كان وما زال من اشد المتحمسين للنظام الرئاسي الى الحد الذي جعله ياتي بمنظر لبناني ليقنع اليمنيين بان "الشمس تشرق من جهة الغرب." وتحزب ديمتروف يتناقض بشكل صارخ مع مقتضيات العمل الذي يقوم به المعهد. أما تحريضه لليمنيين ضد بعضهم فانه يمثل خروجا على ابسط قواعد العرف الدولي.
التغيير المطلوب
دأبت ادارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن على الرهان على الخيارات السيئة في سياساتها الداخلية والخارجية. ولم تكن سياستها ازاء اليمن باهدافها وادواتها استثناء للقاعدة العامة. ومع التأكيد على ان تسخير العلاقات اليمنية الأمريكية لدعم الحاكم الفرد في اليمن خطأ فانه لا بد من التأكيد أيضا على ان تسخير العلاقات اليمنية الأمريكية لخدمة شلة خطأ مرتين. اما مشايخ اليمن وقبائله وعلمائه وسلفيه ومستقليه وسنييه وقوميه فقوى موجودة على الأرض لايمكن الغائها بصفقة تعقدها الحكومة الأمريكية مع بضعة افراد او بمؤامرات تدفع بالبلاد الى دائرة من العنف تبدأ ولا تنتهي. ولا يمكن اضعاف انصار حماس او اصدقاء بن لادن او علماء الدين في اليمن بوضعهم في السجون الأمريكية او على قوائم الإرهاب. كما لا يمكن اضعاف الشيعة والجيش بضربهم ببعضهم البعض. ولا يمكن تغيير التركيبة السياسة لليمن عن طريق تصريحات "ديمتروف" ومقابلاته الصحفية او دعم مجموعة من الصحف والمواقع. ولا يمكن للولايات المتحدة كسب تعاطف الناس في اليمن عن طريق ادارة الظهر لهم ومطالبتهم بالتوقف عن القات لمدة ثلاث سنوات قبل تقديم طلبات الهجرة الى الولايات المتحدة. فكل تلك السياسات كفيلة بتحقيق شيىء واحد وهو المزيد من الإزدراء للسياسات الأمريكية.
هامش
الأستاذ نصر طه مصطفى قامة وطنية كبيرة وقد اثبت خلال سنوات عمله في وكالة سبأ للأنباء بأنه يتمتع بقدرات عقلية غير عادية وبولاء كبير للنظام. لكن الإبقاء على الأستاذ نصر في نفس الموقع لكل هذه السنوات يحرم البلاد من الطاقات الخلاقة التي يمتلكها والتي يمكن الاستفادة منها بشكل أفضل في موقع مختلف وارفع من الموقع الحالي. وإذا كان لا يوجد في الداخل منصب يليق بهذه الشخصية الوطنية فما أحوج البلاد إلى مثله في إحدى سفاراتها الهامة. ومع ان الكاتب يكره تزكية الأشخاص الا انه لا يتردد أبدا في ذلك عندما تقتضي المصلحة الوطنية مثل تلك التزكية.
عن صحيفة ايلاف بتاريخ 8 يوليو 2008

الثلاثاء، 24 يونيو 2008

لجنة الانتخابات بين القضاة والسياسيين

تنص المادة رقم (59) من الدستور على ان "تتولى الإدارة والإشراف والرقابة على إجراء الانتخابات العامة والاستفتاء العام لجنة عليا مستقلة ومحايدة. ويحدد القانون عدد أعضاء اللجنة والشروط اللازم توفرها فيهم وطريقة ترشيحهم وتعيينهم. كما يحدد القانون اختصاصات وصلاحيات اللجنة بما يكفل لها القيام بمهامها على الوجه الأمثل." وكما يتضح من النص الدستوري فان أهم شرط في اللجنة العليا للانتخابات هو شرط الاستقلال والحياد. والاستقلال يعني عدم خضوع اللجنة لأي سلطة سوى سلطة "الدستور" والقانون. أما الحياد فيعني في هذه الحالة أن اللجنة غير منحازة لطرف سياسي معين على الساحة. والمحاكم بالطبع هي وحدها صاحبة الحق في تحديد ما إذا كانت اللجنة قد التزمت الحياد والاستقلال في أدائها لوظائفها أم لا في حال الطعن بحيادية اللجنة.
وقد تم إضعاف حيادية واستقلال اللجنة العليا للانتخابات خلال السنوات الماضية بعدة طرق. أولا، نظرت الأحزاب (سلطة ومعارضة) إلى عضوية اللجنة على أنها حقائب وزارية بحسب تعبير احد المؤرخين وبالتالي مغنم لأعضائها. وبناء على ذلك فقد فسرت الأحزاب الحياد والاستقلال على انه يعني ان يتم تشكيلها من الأحزاب على ان يقوم أعضاء الأحزاب المعينين في اللجنة بتجميد عضويتهم في أحزابهم خلال فترة عملهم في اللجنة. وهذا التفسير بالطبع لا يحقق للجنة الاستقلال المطلوب الذي يتوافق مع روح الدستور بقدر ما يحقق للأحزاب الهيمنة على اللجنة وتوظيفها لصالحهم في مواجهة أي قوة أخرى محتملة كالمستقلين مثلا. لكن الأحزاب، وخصوصا تلك التي في اللقاء المشترك، تشير إلى عدم وجود شخصيات مستقلة بما تعنيه الكلمة. كما تشير أيضا إلى ان سيطرة الحزب الحاكم على ثروات البلاد قد جعلته يتمكن من شراء ولاءات بعض ممثليها في اللجنة ..فما بالك بالمستقلين. وهذا القول لا يمكن ان يكون صحيحا سوى جزئيا.
ثانيا، نصت الفقرة (أ) من المادة رقم (19) من القانون رقم (13) لسنة 2001 بشأن الانتخابات العامة والاستفتاء على أن "تشكل اللجنة العليا للانتخابات من سبعة أعضاء (عدل إلى تسعة قبل انتخابات سبتمبر 2006) يتم تعيينهم بقرار من رئيس الجمهورية من بين قائمة تحتوي على (15) اسما يرشحهم مجلس النواب ...الخ." وهذا النص ينسف مبدأ الحياد والاستقلال الذي نص عليه الدستور ويعطي السلطة التنفيذية الكلمة الأخيرة في تشكيل اللجنة. والملاحظ ان هذا النص السيئ الذي يكرس الوصاية السياسية قد دخل وان بكلمات مختلفة في أول قانون انتخابات اقر في البلاد وهو القانون رقم (41) لسنة 1992 . لكنه حينها لم يكن مثار جدل لان أعضاء مجلس الرئاسة الذين كان لهم حق الاختيار لأعضاء اللجنة من بين قائمة ال15 التي يقرها مجلس النواب لم يكونوا أنفسهم منتخبين بشكل مباشر من قبل الشعب، وبالتالي لم يكن تناقض المصالح واضحا كما هو عليه الحال اليوم.
والنص الوارد في المادة (19) قد يكون مقبولا في ظل نظام ملكي يمكن فيه لرأس السلطة ان يلعب دور الحكم بين القوى السياسية وان يرجح المصالح العليا للبلاد أو في ظل نظام جمهوري برلماني لا ينتمي فيه رئيس الدولة إلى أي حزب سياسي كما هو الحال في الهند أو في ظل نظام سياسي لا يكون للجنة العليا للانتخابات أي دور في انتخاب الرئيس. أما في ظل نظام جمهوري ينتمي فيه رئيس الجمهورية إلى حزب سياسي ويصل إلى السلطة ويحتفظ بها لفترة محددة عن طريق انتخابات تديرها اللجنة العليا للانتخابات فان إعطاء الرئيس أي سلطة كانت في اختيار أعضاء اللجنة لا بد أن يثير الكثير من اللغط.
وإذا كانت ألأحزاب الممثلة في البرلمان وغير الممثلة في مجلس الوزراء قد قبلت في السابق بإعطاء رئيس الجمهورية سلطة معينة في تشكيل اللجنة العليا للانتخابات فانه يمكن تفسير ذلك بالعودة إلى السياق السياسي السابق لانتخابات عام 2003 البرلمانية والذي كانت معظم القوى السياسية خلاله تنظر للرئيس على انه محل إجماع وانه حكم سياسي بينها وليس منافسا. وقد عزز من تلك النظرة حقيقة ان منصب رئيس الجمهورية قد كان محل توافق وطني حتى سبتمبر 2006. أما بعد الانتقال بمنصب رئيس الجمهورية من "التوافق" إلى "التنافس" فان إعطاء رئيس الجمهورية حق اختيار تسعة من بين 15 مرشحا يختارهم البرلمان لم يعد مقبولا.
وفي الوقت الذي ساد فيه مبدأ التقاسم الحزبي للجنة العليا للانتخابات خلال ال18 سنة الماضية فان الخلاف الذي ظل قائما بين الأحزاب قد تركز على مسألة الحصص. واختلفت النسب باختلاف المراحل السياسية وتبعا لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة. لكن الملاحظ هو ان الحزب الحاكم—ورئيسه بالتحديد—ظل مسيطرا على أغلبية اللجنة في كل دورة انتخابية وذلك بحجة قطع الطريق على المعارضة ومنعها من عرقلة إعلان نتائج الانتخابات وإحداث فراغ دستوري.
وكانت اللجنة التي أدارت انتخابات عام 1993 ليس فقط أنزه لجنة ولكن أيضا الأكثر تمثيلا للطيف السياسي اليمني. فقد ضمت اللجنة 17 عضوا يمثلون 11 حزبا بالإضافة إلى المستقلين. وكانت تلك اللجنة هي الوحيدة—من بين اللجان التي شكلت منذ قيام الوحدة وحتى اليوم—والتي ضمت بين صفوفها امرأة. ولم يكن التميز الذي ظهرت به أول لجنة انتخابات سوى انعكاس للتوازن الذي اتصف به المشهد السياسي في اليمن بين عامي 1990 و1994. أما في المرحلة التالية لحرب عام 1994 فقد تغير المشهد السياسي بشكل جذري مما اثر على الكثير من جوانب الحياة وفي مقدمتها اللجنة العليا للانتخابات. أما اللجنة التي شكلت في عام 1996 فقد ضمت 11 عضوا ثم تم تخفيض العدد إلى 7 أعضاء. وضمت اللجنة الثالثة والتي شكلت في عام 2001 سبعة أعضاء كذلك. ولم يتغير الأمر الا قبل انتخابات سبتمبر عام 2006 عندما أصرت أحزاب اللقاء المشترك على تحسين تمثيلها في لجنة الانتخابات حيث تم إضافة عضوين جديدين إلى اللجنة ليرتفع العدد إلى تسعة أعضاء.
الأزمة القائمة
يدور الجدل اليوم بين الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك ليس فقط حول طريقة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ولكن حول النظام الانتخابي بشكل عام. ويقصد بالنظام الانتخابي هنا "القواعد القانونية والإجرائية التي تحكم العملية الانتخابية." وعادة ما تتوزع تلك القواعد القانونية بين الدستور وقانون الانتخابات ولائحته التنفيذية والتعليمات التي تصدرها الهيئة التي تدير الانتخابات..ويحدد النظام الانتخابي من له الحق في التصويت وأين ومن له حق الترشح، وكيف تتم الدعاية الانتخابية ومن أين يتم تمويل الحملة، والجهة التي تدير الانتخابات، وكيف يتم تحديد الفائز؟...الخ.
ويعاني النظام الانتخابي اليمني بمفهومه الواسع من اختلالات تراكمت مع الزمن وأصبحت هي الآلية التي تعيد إنتاج النخبة السياسية الحاكمة وتجرد المواطنين إلى حد كبير من القدرة على ممارسة حقهم في الإختيار. فقد تم العبث بالدوائر الانتخابية وتحويلها إلى شيء أشبه ما يكون بمتاهات الصحف وذلك للعمل على تشتيت أصوات المعارضين وتجميع أصوات الموالين. وتم إعادة كتابة قانون الانتخابات الصادر في عام 1992 في عام 1996 ثم أعيد كتابته مرة أخرى في عام 2001. ومثلت كل كتابة للقانون عودة بالحياة السياسية ألف خطوة إلى الوراء. وبلغت المهزلة ذروتها بتحويل مكان العمل إلى موطن انتخابي وذلك بهدف فرض أقصى درجات الرقابة على القيد والتصويت.
وتم إهدار العديد من المبادئ الدستورية المتصلة بالمساواة وتكافوء الفرص وحياد المال العام والمؤسسات العامة. وتم العبث بالسجل الانتخابي بحيث زاد عدد الناخبين في بعض الدوائر عن عدد سكان الدائرة الذين يحق لهم التصويت. ووصلت الأسماء المكررة في السجل الانتخابي وأسماء صغار السن والمتوفيين إلى مئات الآلاف. وبفضل الإستقواء بالجيش والأجهزة الأمنية والمالية العامة للدولة والوظيفة العامة والإعلام العام تمكن الحزب الحاكم من السيطرة على أكثر من 80% من أعضاء مجلس النواب.
وبالنسبة للجنة العليا للانتخابات فقد ضمت في الغالب أشخاصا موالين للحزب الحاكم حتى وان كانوا مستقلين ظاهرا أو من أحزاب المعارضة. وكانت سياسات الترغيب والترهيب وإغراءات التعيين في المواقع الهامة بعد قضاء فترة الخدمة في اللجنة العليا كفيلة باستقطاب البعض بينما وجد البعض الآخر نفسه أمام خيارات صعبة. وعملت السلطة على الحد من استقلالية اللجنة العليا للانتخابات بطرق مختلفة بما في ذلك النصوص القانونية الفضفاضة التي لا تمنح اللجنة ضمانات الاستقلالية السياسية والمالية والاختصاصات الواضحة والإمكانات المادية الكافية.
ولعل أهم ما يطالب به اللقاء المشترك بالنسبة للنظام الإنتخابي هو الانتقال من نظام الدائرة الفردية ذات الأغلبية النسبية الذي يعمل على تكريس القبلية والبني السياسية التقليدية إلى نظام القائمة النسبية الذي يعمل على دعم الأحزاب وتعميق الديمقراطية والانتقال التدريجي بالمجتمع من التنظيم القبلي السائد إلى "الدولة" المدنية الحديثة القائمة على أساس المواطنة المتساوية. وفي الوقت الذي يتمسك فيه الحزب الحاكم بوضع "محلك سر" والى "الخلف در" حفاظا على المكتسبات الخاصة مشروعة كانت أو غير مشروعة فان أحزاب اللقاء المشترك تطالب بإعادة النظر في الوضع الراهن وبما يخدم مصالحها التي لا تتناقض بحكم وجودها خارج السلطة مع مصالح اليمنيين في بناء الدولة الحديثة.
ويصر الحزب الحاكم على تشكيل اللجنة إما من القضاة التابعين للسلطة التنفيذية 100%، أو بحسب عدد المقاعد لكل حزب في مجلس النواب وذلك بحكم ان لدى الحزب الحاكم أكثر من 80% من مقاعد المجلس، أو تشكيلها من الأحزاب وفقا لعدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب وهو ما يعطي الحزب الحاكم الأغلبية وبحيث يكون لدى الحزب الحاكم خمسة أعضاء على الأقل مقابل أربعة للمشترك
أما أحزاب اللقاء المشترك فتطالب بتشكيل اللجنة العليا من الأحزاب الممثلة في مجلس النواب بالتساوي وفقا للمبدأ المتعارف عليه دوليا في تشكيل الأجهزة التي يناط بها إدارة الانتخابات، أو تشكيل اللجنة بطريقة متوازنة وبحيث يعطى احد الأطراف خمسة أعضاء (الأغلبية) في حين يعطى الطرف الآخر أربعة أعضاء بما في ذلك رئاسة اللجنة، أو تشكيل اللجنة العليا من الحاكم والمشترك بالتساوي (أربعة/أربعة) مع اختيار رئيس اللجنة بالتوافق بين الجانبين..
ولا تتمثل المشكلة في غياب الحلول بقدر ما تتمثل في غياب الحوار كنتيجة لغياب الثقة بين أطراف العملية السياسية. ولو توفرت النية لحل الإشكالية فانه يمكن التفاوض حول إدخال بعض التعديلات على أي من الخيارات المطروحة من اللقاء المشترك على اعتبار أنها أكثر واقعية ومنطقية. فما المانع مثلا ان تشكل اللجنة من الطرفين بالتساوي وعلى ان يتم التوافق على العضو التاسع ودون اشتراط ان يكون رئيسا للجنة. ومع ان هذا الخيار يعطي المؤتمر رئاسة اللجنة الا انه لا يخل بالحد الأدنى من التوازن.
مستقبل الخلاف
هناك من يطرح بان الحزب الحاكم يسعى إلى إعادة تفصيل الدستور من جديد بما يكفل الاستحواذ على السلطة كاملة غير منقوصة بما في ذلك رئاسة الجمهورية التي يفترض ان تنتهي فترة شاغلها الحالي في عام 2013 دون ان يحق له الترشح من جديد. ويرى أصحاب وجهة النظر تلك ان الحزب الحاكم سيسعى إلى تمرير تعديلات دستورية لن تكون مقبولة من الشعب في ظل الظروف الحالية وانه لذلك يعمل على ضمان السيطرة على اللجنة العليا للانتخابات كي يمرر تلك التعديلات وكي يضمن الحفاظ على أغلبيته الكبيرة في مجلس النواب بالطرق الشرعية أو غير الشرعية. وإذا صحت وجهة النظر تلك فان احتمال لجوء الحزب الحاكم إلى التوافق بشأن تشكيل اللجنة قد لا يكون خيارا مطروحا للتفاوض بالنسبة له.
وفي المقابل هناك من يرى أن أحزاب اللقاء المشترك تنظر إلى تشكيل اللجنة العليا للانتخابات على انه يمثل حجر الزاوية في إصلاح النظام الانتخابي وفي بدء مشروع بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. وترى أحزاب اللقاء المشترك وفقا لوجهة النظر تلك ان هدف الحزب الحاكم خلال المرحلة القادمة هو إلغاء وجودها من الخريطة السياسية وتحويلها إلى صورة كربونية لأحزاب المجلس الوطني للمعارضة والتي لا يزيد عدد أعضاء كل حزب فيها عن العضو الواحد وهو رئيس الحزب والذي يصوت للحزب الحاكم عند اللزوم. ومن غير المتوقع، إذا صح هذا التشخيص لموقف أحزاب اللقاء المشترك، ان تتراجع تلك الأحزاب عن موقفها المصر على تشكيل اللجنة بشكل متوازن وبما يضمن عدم توظيفها لصالح طرف على حساب الآخر.
ومع ادراك الفارق في المسئولية بين الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك فان لا أحد يمكنه ان يطالب الأحزاب بالتضحية بمصالحها من اجل الوطن. وأقصى ما يمكن ان يطالب به الإنسان هو ان لا تضحي تلك الأحزاب بالوطن من اجل مصالحها.. ومن المهم ان يدرك الجميع ان تشكيل اللجنة العليا ينبغي ولأسباب عملية ان يكون النقطة الأولى على جدول الحوار لان اللجنة لا بد أن تشكل وبسرعة حتى تبدأ في أداء واجبها في التحضير للانتخابات.
إشارات...
o سيكون المؤتمر القادم للصحفيين اليمنيين محطة هامة في مسيرة الصحافة اليمنية لأنه يأتي في وقت اشتدت فيه الهجمة على الصحافة وحرية التعبير وتكالبت فيه محاولات الخارج لفرض قيمه ومصالحه على الداخل. وسيكون على الصحافيين في مؤتمرهم القادم القيام باختيارات صحيحة في انتخاب قياداتهم والتفريق بين مرشحي الداخل ومرشحي الخارج وبين الشخصيات "الظلية" التي تعمل ك"الخفافيش" في الظلام ولا تمانع من التحول إلى خنجر في يد الأجنبي يطعن به خصر الوطن تارة باسم "التحديث" وأخرى باسم "الحرب على الإرهاب" وثالثة باسم "الاستثمار" ورابعة باسم "حقوق الإنسان" وبين الشخصيات المنحازة إلى قيم المهنية والصدق والشفافية والمواجهة وتحمل المسئولية والالتزام بالمصالح العليا للشعب اليمني.
o يتقدم الكاتب بالأصالة عن نفسه ونيابة عن كافة أبناء بني علي بخالص العزاء واصدق مشاعر المواساة إلى الأخ احمد غالب الحيدري بوفاة نجله الأستاذ رشيد والذي كان مثالا للشباب الطامح والصادق والمستقيم. لقد آلمنا جميعا رحيل رشيد الأستاذ والمربي والابن البار لبني علي وهو ما زال في ريعان شبابه. وعزاؤنا جميعا هو ان رشيد لم يرحل الا وقد ترك بعده الأثر الحسن الذي سيظل حيا في قلوب كل النزيهين والشرفاء. نسأل الله عز وجل ان يسكن الراحل فسيح جناته وان يلهم أبيه وإخوانه وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان وان لله وان إليه راجعون.

عن الأهالي بتاريخ २३ يونيو http://www.alahale.net/details.asp?id=2722&catid=44