الثلاثاء، 24 مارس 2009

دراسة وتحليل النظام السياسي

يعرف النظام System بأنه مجموعة من العناصر Elements المرتبطة مع بعضها البعض بعلاقة تفاعل Interactionوالتي تؤدي مجتمعة وظيفة ما Function . ويلاحظ أن التعريف يؤكد على ثلاثة أشياء أجزاء تعتبر مجتمعة بمثابة الماهية للنظام، وهي: 1- توفر مجموعة من العناصر، 2- وجود علاقة تفاعل، 3- تأدية وظيفة ما. النظام الشمسي مثلا يتكون من 1- مجموعة من الكواكب يمكن اعتبارها بمثابة عناصر النظام، 2- علاقة تفاعل (الجاذبية في هذه الحالة) بين هذه الكواكب،3- تأدية تلك العناصر مجتمعة لوظيفة ما. ويمكن الحديث عن الجسد الإنساني أو الجهاز العصبي (مجموعة من الأعضاء التي تعمل معا لتأدية وظيفة مشتركة) وعن جهاز التلفزيون أو التلفون أو عن الكليات المكونة لجامعة صنعاء أو عن كلية التجارة والاقتصاد، فكل تلك أمثلة لأنظمة تتوفر فيها الشروط الثلاثة آنفة الذكر. ويلاحظ أن للنظام أربعة عناصر رئيسية كما يوضح الشكل التالي: مدخلات، عمليات، مخرجات، وتغذية رجعية
1- مدخلات النظام Inputs
وتتمثل في الموارد الأولية التي يستخدمها النظام لأداء وظائفه وفي المؤثرات البيئية وغير ذلك من العوامل. ويلاحظ أن بيئة النظام تؤثر على كل من البني Structures التي يتكون منها النظام أو ما يمكن أن يطلق عليه مؤسسات النظام وعلى العمليات Processes (الطريقة التي يؤدي بها وظائفه).
2- البني (المؤسسات) والعمليات Structures & Processes
والمقصود بالبني والعمليات الأجزاء المختلفة التي يتكون منها النظام والحركات أو الخطوات المختلفة التي يقوم بها النظام عندما يتولى معالجة المدخلات وتحويلها إلى مخرجات. ويمثل الصندوق بالنسبة لأي نظام المنطقة التي تتم فيها التفاعلات المختلفة بين أجزاء النظام
3- المخرجات Outputs (السلع والخدمات)
تتصل المخرجات بالوظيفة أو الوظائف التي يقوم النظام بتأديتها حيث أن لكل نظام وظيفة أو مجموعة من الوظائف يقوم بتأديتها فان المخرجات هي عبارة عن تلك الوظائف. وقد تكون المخرجات سلعا أو خدمات.
4- التغذية الرجعية Feedback
ويقصد بالتغذية الرجعية النتائج المترتبة على تأدية النظام لوظائفه والتي تتحول إلى مدخلات.

ويمكن تعريف النظام السياسي عن طريق الاستفادة من المعرفة المتكونة حول النظام بشكل عام بأنه مجموعة من العناصر (المدخلات، البني والعمليات، والمخرجات، والتغذية الرجعية) التي تتفاعل مع بعضها البعض وتؤدي مجتمعة الوظائف السياسية للنظام. وكأي نظام آخر فأن النظام السياسي يشتمل على الآتي:

1- مدخلات النظام السياسي
تتمثل مدخلات النظام السياسي في عدد لانهائي من العوامل التي تتشابك وتتقاطع أحيانا وتفترق أحيانا أخرى والتي في تقاطعها واشتباكها وفي افتراقها تمثل البيئة التي يوجد فيها النظام والقوى التي تؤثر على:
أ- الشكل الذي تتخذه البني (المؤسسات) السياسية
ب- الطريقة التي يعمل بها النظام (بما في ذلك سلوك الأفراد)
ت- مخرجات النظام
على انه ينبغي الإشارة إلى أن النظام السياسي بجانبيه المؤسسيٍStructures والسلوكي Behavior لا يمثل نتاجا لتأثير عنصر سياقي معين أو مجموعة من العناصر رغم أن بعض العناصر قد تكون أكثر تأثيرا من غيرها.
أ- العوامل التاريخية
تؤثر الظروف والتجارب التاريخية على حاضر ومستقبل الشعوب بدرجات متفاوتة تبعا لطبيعة التجربة التاريخية وللطريقة التي أتبعت في فهم تلك التجربة. ويكفي أن نتذكر أن الدولة كائن اصطناعي وليست طبيعي، أي أنها تشكلت في تاريخ معين وبطريقة معينة. تلك الطريقة التي تشكلت بها الدولة قد تشكل عاملا من عوامل التأثير على الحياة السياسية. فإذا كان تشكيل الدولة قد انطوى على الغزو لبعض الأجزاء وإخضاعها بالقوة فان سكان تلك الأجزاء قد يستمرون ولقرون ربما في التعبير عن سخطهم بطرق سياسية معينة.
ولعل أعظم تأثير للتاريخ على الحاضر والمستقبل يتمثل في كونه المصدر الرئيسي للمؤسسات السياسيةPolitical Institutions وللسلوك السياسي Political Behavior . وبرغم أن الأفراد قد يرفضون التاريخ والنماذج المؤسسية التي يقدمها بطرق عدة منها الثورةRevolution والانقلابات العسكرية Coup detatوالحركات الراديكالية Radical Movements وحركات التصحيح والإصلاحReform Movements ، الا أن التاريخ يتمتع بقدرة غير عادية على النفاذ عبر الأبواب المغلقة وعلى التنكر في ثياب الحاضر والمستقبل. وتلجأ بعض الشعوب إلى استيعاب التاريخ في حركتها نحو المستقبل بدلا من الدخول في حرب لا يمكن الانتصار فيها ضده. فقد احتفظ البريطانيون مثلا بالملكية كمؤسسة في حين قاموا بنقل اختصاصاتها إلى البرلمان أخرى.
وتختلف قدرة التاريخ على التأثير على الحاضر والمستقبل من بلد إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى فالأمم ذات التأريخ الطويل قد تكون أكثر عرضة لتأثير التاريخ وهو تأثير قد يكون ايجابيا أو سلبيا. فإذا اكتفت الشعوب بالتفاخر بماضيها ولم تحاول الاستفادة من الماضي في صياغة حاضرها ومستقبلها فإنها قد تضيع الماضي والحاضر معا.
ب- العوامل الثقافية
تعرف الثقافة السياسية بأنها "المعتقدات، والقيم، والاتجاهات، والتصورات المثالية، والمشاعر والأحاسيس، والتقييمات السائدة للنظام السياسي ولدور النفس في ذلك النظام." ويميز علماء الثقافة السياسية بين ثلاثة أنواع من الثقافة:
1- الثقافة المتعلقة بالنظامSystem Culture: وتتكون من اتجاهات الأفراد تجاه الأمة، النظام، والأشخاص الماسكين بزمام السلطة في وقت معين. وتتصل هذه الثقافة بالهوية الوطنية، الشرعية السياسية، شرعية المؤسسات، وكفاءة وفاعلية قيادات الدولة. فإذا كان المواطنون في دولة معينة يرون أن الحكومة القائمة غير شرعية (لا تملك الحق في الحكم) أو أنها لا تتصرف بالشكل المناسب فان ذلك قد يكون علامة على أزمة شرعية. وفي حالة مثل هذه فان الحكام:
1-1 يستمرون في الحكم باستخدام القوة
1-2 سقوط النظام بسبب أزمة الشرعية كما حدث لنظام الشاه في إيران في عام 1979، ونظام ماركوس في الفلبين في عام 1986.
2- الثقافة المتعلقة بالعمليات والإجراءاتProcess culture وتتكون من الاتجاهات نحو الدور الذي يلعبه الفرد نفسه والأفراد الآخرون.
3- الثقافة المتعلقة بعملية صنع السياسة Policy Culture ويتم التركيز هنا على مخرجات النظام السياسي
ج- العوامل الجغرافية:
يلعب حجم الدولة ومساحتها وما إذا كانت متصلة أم منقطعة عن بعضها وغير ذلك من العوامل الجغرافية دورا كبيرا في تشكيل المؤسسات السياسية والسلوك السياسي للأفراد.
د- العوامل السكانية:
هناك العديد من العوامل السكانية التي تؤثر على أداء النظام السياسي في أي مجتمع. فحجم السكان مثلا مقارنة بالموارد يؤدي إلى نتائج سياسية معينة. فزيادة عدد السكان عن الموارد قد تجعل النظام السياسي غير قادر على إشباع حاجات الناس وتوقعاتهم. وعلى العكس من ذلك فان نقص عدد السكان عن الموارد المتاحة قد يضطر النظام إلى استقدام العمالة وتوطينها. وفي الحالتين قد يترتب على ذلك نتائج سياسية معينة.
كما أن شكل الهرم السكاني بدوره شكل الهرم السكاني له أيضا معاني سياسية عديدة. فوقوع أغلبية السكان تحت سن الخامسة عشر مثلا يخلق ضغوط كبيرة على النظام بالنسبة لخدمات الصحة والتعليم.
ه- العوامل الاقتصادية
يودي ضعف المخرجات الاقتصادية للنظام السياسي إلى إضعاف شرعيته. وفي الدول الديمقراطية تؤدي المشاكل الاقتصادية (البطالة، التضخم، انخفاض النمو الاقتصادي، ...الخ) إلى تصويت الناخبين ضدها وتغييرها كما حدث لحكومة اليمين الفرنسي المعتدل في عام 1997.
و- العوامل الاجتماعية
ويتم التركيز في هذا الجانب على الانقسامات المختلفة في المجتمعات وبالتحديد الانقسامات الدينية والعرقية والطبقية والجغرافية. فالانقسامات الاجتماعية المختلفة تؤدي إلى نتائج سياسية معينة
ز- العوامل الإقليمية والدولية

السبت، 21 مارس 2009

تلكسات من فاعل خير (3)

عن صحيفة العاصمة بتاريخ 21 مارس २००९
• الذين يريدون حل المشاكل يتكلمون عن المستقبل، اما الذين يريدون تعقيد المشاكل فيتكلمون عن الماضي.
• ما تحتاجه البلاد ليس ناطقا رسميا باسم الحكومة بل قانون يضمن حق الناس في الحصول على المعلومة.
• ليس من الحكمة انكار الحقائق الموضوعية، فلن يضير الشمس شيئا انكار الناس لوجودها والمنكرون هم الذين سيدفعون الثمن .
• ما يحتاجه اليمنيون خلال السنتين القادمتين حتى يتمكنوا من اصلاح نظامهم الإنتخابي والسياسي ليس الوقت بل الإرادة.
• هل تتجرأ هيئة مكافحة الفساد فتنزل لجنة لمعاينة منجزات صندوق التنمية الإجتماعي في عزلة بني علي مديرية مذيخرة لترى بأم اعينها كيف حول الفساد هذا الصندوق الى مقبرة لأحلام الفقراء؟
• امريكا تقول ان السفن الحربية الأجنبية تكافح القرصنة داخل المياه الإقليمية اليمنية والحكومة اليمنية تقول انهم يكافحون القرصنة في المياه الدولية..الله يستر لا تكون الحكومة دولت مياه اليمن
• بالنظر الى ان منافسها قد كان مرشح الوضع الراهن، فقد أبلت الدكتورة الرائعة رؤوفة حسن بلاءا حسنا في انتخابات نقيب الصحفيين واثبتت ان هناك من النساء من باستطاعتهن هزيمة الرجال في حال وجود انتخابات نزيهة وبعيدا عن الوصاية الحزبية او الرسمية. .
• سيكون على نقيب الصحفيين الجديد الأستاذ ياسين المسعودي خلال الفترة القادمة اثبات ان ما كتبه زملائه عن سلبيته وضعف شخصيته وتبعيته ليس صحيحا .
• الحملة ضد القات في قناة السعيدة كلمة حق يراد بها باطل والممول هو الصندوق سيىء الذكر.
• لا يمكن ان يعتدل وضع الجامعات وتمارس دورها في الريادة دون ان تتحرر من الأحزاب والأمن.
• خالص التهاني للاخ العزيز عبد القادر السقاف بزواج نجله وعقبال البكاري، والتهاني موصولة كذلك للاستاذ عباس غالب بمناسبة فوزه بعضوية مجلس نقابة الصحافيين.

الأربعاء، 18 مارس 2009

"اليمن المطلوب تغييره" للدكتور عبدالله الفقيه:القادم..أسوأ


عبد الرزاق الحطامي

* يعرف الدكتور عبدالله الفقيه بكتاباته السياسية، التي تتبع منهجية تحليلية نوعية، تكاد تدل عليه. فالكاتب الذي يعمل أستاذاً للعلوم السياسية- جامعة صنعاء، ما فتئت أطروحاته التي ينشرها على صدر صحف، تثير جدلاً وقلقاً، بما تتمتع به من جرأة طرح ودقة معلومة وحدة ما، في أغلب ما تقدمه من رؤى ووجهات نظر، لكاتب لا يراوغ، كما لا يترك الباب موارباً، فهو يفتحه على الحقيقة، بمصراعيه.
* /’’اليمن المطلوب تغييره/’’ الذي يأتي –رابعاً- في سلسلة إصدارات صحفية /’’العاصمة/’’ بعد كتابي /’’التفكير ذلك المتاح الأعظم/’’ و/’’الجاهزيات/’’ للمفكر الإسلامي الأسودي و/’’السلطة على محك التداول/’’ لفريق من هيئة تحرير الصحيفة- يعد مرجعية لا غنى عنها، بالنسبة للمهتمين بشؤون الوطن من ساسة وباحثين وقادة رأي وقراء، على وجه العموم، وهو وإن انزحم –بكثافة مطبعية ملحوظة- في 84 صفحة من القطع المتوسط نجا –بحصافة- من سوءتي الإملال والتكرار، كما تفعله هكذا دراسات، من هذا النوع، عادة ما تقحل من عذوبة الكلمة ورهافة الرؤية، ودماثة السطر، وذلك ما تحاشاه تماماً /’’اليمن.. المطلوب تغييره/’’ منذ غلافه الناصع كمضمونه.
* في الغلاف الذي تصدره العنوان بلونين، تلفَّعت اليمن بالأحمر، ربما لأنه لون الفاجعة وثوب الخطر، لكن الصورة قد توحي أكثر، ففي الإطار البني لقطة فوتوغرافية مقلوبة من صنعاء القديمة، بفنها المعماري الأنيق، وهي الصورة التي احتجز بسببها الكتاب، خارج قائمة /’’أبو لو/’’ حيثما انعقاد المؤتمر الرابع للتجمع اليمني للإصلاح، وحيثما كان مقرراً نفاذ كمية منه، لولا أفراد من الأمن السياسي، وجدوا في غلافه ما ظنوا أن سيدلل على نباهة أمنية لديهم وربما أعمتهم نشوة الاستنباه رؤية الفارق بين القصر الجمهوري وصنعاء القديمة.
* وهكذا يمضي الكتاب من غلافه.. يحلل ويبرهن، يعالج ويناقش، يثير ويستفز، يحتد ويتأمل. من لحظة بكاء الطفل اليمني، يعايش ويساير الدكتور الفقيه محطات ومراحل عمرية بائسة ترافقه منذ لحظة ميلاده، على كل مولود يمني أن يتجرع غصصها، وكأنها القدر.
* إنه رحلة متمعنة، يرافقك فيها الفقر، شاملاً، وبأدق وأوجع التفاصيل، في بلد غني بثرواته ومع ذاك فهو مدقع فقير، حكومة غنية وشعب فقير، وقادم تميل المؤشرات الرقمية الكارثية، حالياً، إلى كونه أسوأ من القائم، ما دامت الأمور السياسية للدولة تسير، بعيداً عن سياق المنطق وصراط العقل.
* فقر كثير.. في التعليم والصحة والدخل والغذاء والمال والضوء والمواصلات والاتصالات والعمل والأمن ثم ثمة فقر الدعم الخارجي وفقر المهاجر.
* على مدى 14 فصلاً، كثاً بحقائق مرة واستقصاءات تنكأ الروح، راح الكاتب في جهد بالغ يدعم تأملاته وتألماته المتشبعة بكيمياء الوطن بآخر ما استجد من تقارير رسمية وخارجية عن بلده الذي لا يحسد عليه.
14 فصلاً تسلسلت وتماسكت خيوطها، وشدّ بعضها بعضها، وقد تمكنت فعلاً من الإلمام الكامل، بكل ما جاء من أجله هذا الكتاب القيم. لكن الفصل 15 والذي حمل عنوان /’’غنى الوطن/’’ آخر الكتاب فهو وإن وقف على الضفة الأخرى للكتاب وفصوله المدقعة، إلا أنه يكشف حجم المؤامرة والفاجعة، وكيف أن هذا الوطن إن لم يكن يقف الآن على شفير الهاوية، فهو حتماً يسير على شفا جرف هار.
* وبهكذا لمعة أدبية ودعا به قد تكون ناكِئة كتلك التي تتصدر عناوين الفصول /’’رسائل المعايدة مثلاً/’’، أو تلك التي تصادفك في طيات السطور، يأتي /’’اليمن المطلوب تغييره/’’ متخففاً كثيراً من جفافات الرقم وقسوة الجداول التقريرية، وصرامة الطرح الأكاديمي، المتخصص سياسياً.
* وحسب رئيس تحرير صحيفة العاصمة الزميل عبدالله مصلح فالكتاب الذي يهدف إلى القضاء على عدة فقورات في إطار الفقر الشامل لليمن، نجح في تحقيق أول وأهم أهدافه وهو القضاء على /’’فقر المعلومة/’’، وأحسبه كذلك.

قراءة في كتاب الفقيه "اليمن المطلوب تغيير: أرقام الفقر الشامل تضع اليمن جنوب الصحراء


عن صحيفة الناس وموقع ناس برس 16 مارس 2009

صدر الأسبوع الماضي عن صحيفة العاصمة كتاب "اليمن المطلوب تغييره" للدكتور عبد الله الفقيه استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، وقد نجح الكتاب منذ الوهلة الأولى في اثارة حفيظة الأجهزة الأمنية التي احتجزته ومنعت توزيعه في المؤتمر العام الرابع للاصلاح متحججة تارة بالصورة المعكوسة على الغلاف والتي قيل انها تشبه القصر الجمهوري، وتارة أخرى بعنوان الكتاب.

تبدأ مقدمة الكتاب بنكتة، ويبدأ فصله الأخير بنكتة كذلك، وما بين النكتتين صورة مكثفة، تعبر عنها الأرقام الصماء التي لا يمكن اتهامها بالإنحياز، لشعب فقير يعيش في بلد غني. وتتجلى بشاعة الأوضاع التي يعيش فيها الإنسان اليمني من خلال المقارنة التي يعقدها المؤلف بين أوضاع اليمن وأوضاع الدول العربية الأخرى بمن فيها تلك الدول التي كانت في فترة من الفترات تعيش أوضاعا أسوأ من أوضاع اليمن.

"يتم، في معظم دول العالم" كما يقول المؤلف، "التربيت على مؤخرة المولود عندما يخرج من رحم أمه لكي يبدأ في البكاء. وعندما يبدأ المولود في البكاء، فإن ذلك يؤخذ كأمارة هامة على أنه ولد ’حيا’ وأنه يتمتع بصحة جيدة. أما في اليمن التي كانت تسمى بالعربية السعيدة، وكما تقول الطرفة، فلا يتم التربيت على مؤخرة الطفل، وإنما يتم بدلا عن ذلك الهمس في أذنه بعبارة "مرحبا بك إلى اليمن." وعندها يبدأ المولود في البكاء. و نادرا ما يعني بكاء المولود اليمني أنه بصحة جيدة. وكثيرا ما يعني فقط أنه ما زال حيا. وفي الوقت الذي يتوقف فيه بكاء معظم أطفال العالم بعد لحظة الولادة، فإن بكاء معظم أطفال اليمن يستمر معهم طوال حياتهم القصيرة مقارنة بحياة غيرهم من أطفال العالم."

وتتعدد الأسباب الموجبة لبكاء الطفل اليمني عند الولادة، فهناك احتمال كبير أنه لن يتلقى اللقاحات الضرورية لتحصينه ضد الأمراض، وهناك احتمال بأنه لن يلتحق بالصف الأول الإبتدائي، لأن اثنين فقط من كل ثلاثة يفعلون ذلك، وأنه سيعيش حياته أميا. وهناك إحتمال كبير بأنه قد يدخل الصف الأول لكنه لن يمكث في المدرسة حتى يتم الصف الخامس، وحتى إذا تمكن من إكمال الصف الخامس، فهناك احتمال كبير يصل إلى 90% بأنه سيغادر مقاعد الدراسة قبل أن يحصل على الثانوية العامة. وحتى إذا كان من ضمن المحظوظين من السكان الذين يتمكنون من الحصول على الثانوية العامة، فإن إحتمال الإلتحاق بالجامعة يظل ضئيلا جدًا. فمن بين كل 100 شخص من السكان، يتمكن 3 فقط من دخول الجامعة والبقاء فيها حتى يوم التخرج."

لقد حاول المؤلف كما يقول "أن يرسم صورة لواقع اليمن واليمنيين ليس من منظور القلة المترفة ولا من منظور الأغلبية المسحوقة ولكن من منظور الواقع كما هو، وكما تعبر عنه الأرقام الصماء، وكما يدركه الكثير من الناس."

ولا يطلب المؤلف من القارىء أن يوافق على ما ورد في الكتاب بل يدعوه في حال شعوره بالشك في الآراء والأرقام والشهادات الواردة في الكتاب أن يقترب من الواقع الذي يعيش فيه وان ينظر بسعة أفق داخل نفسه وفي ظروف حياته وحياة أبناء مجتمعه حتى يتمكن من الوصول إلى يقينه الخاص. ولا شيء يساعد الإنسان، كما يقول المؤلف، على تقييم واقعه مثل مقارنة حاله بحال غيره من الناس، ليس فقط في مجتمعه، ولكن أيضا في المجتمعات الأخرى. "ويمثل وعي الإنسان بواقعه بخيره وشره وبنقاط قوته وضعفه الخطوة الأولى نحو التغيير. .ففي البداية كانت الفكرة..ثم كانت الكلمة...ثم يكون الفعل."

الفقر الشامل

يبدأ الفصل الأول من الكتاب برسالة معايدة تلقاها المؤلف من الأستاذ احمد المنيعي وفيها يقول "لقد استبدلنا الغاز بالحطب من الجبل، وبمبة دفع الماء بالدلو والعجل، والسيارة بالجمل، والماء تنقله النساء على رؤوسهن في غالب القرى والعزل، ولم نعد نفكر في البناء أو شراء الفلل. ونحن في اليمن ودولة الشلل، لا دخل ولا عمل، وأعرف أشخاصا وتعرف مثلهم بيوتهم عطل، حتى من البصل."

ثم يمضي المؤلف بالحديث عن الفقر الشامل الذي ينظر اليه على أنه " فقر في الغذاء.. فقر في التعليم..فقر في المعرفة..فقر في الصحة..فقر في الدخل..فقر في فرص العمل..فقر في الكهرباء..فقر في المجاري...في الماء..في الضوء..في الطرق العصرية...وفي غير ذلك.

ويتجسد الفقر الشامل في حياة اليمنيين بأكثر من مظهر وفي أكثر من شكل ولون. فهو يتجسد، أولا وقبل كل شيء في غياب الطعام الكافي الذي يحقق من خلال تنوع مكوناته الإشباع المطلوب للجسم الإنساني. ويتجسد على صعيد التعليم، في عجز حوالي نصف السكان البالغين 15 سنة فأكثر عن القراءة والكتابة. كما يتجسد أيضا في وجود مئات الآلاف من الأطفال الذين لا يلتحقون بالمدارس، وفي وجود مئات الآلاف من الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس ثم لا يتمكنون بعد ذلك من إكمال تعليمهم، وفي ازدحام الفصول، وفي ضعف مستوى الخريجين من مختلف المراحل التعليمية، وفي ...وفي...وفي...قائمة طويلة لا تنتهي من مظاهر فقر التعليم..

ويتجسد فقر الصحة في حياة اليمني في صيحات الألم المدوية التي يطلقها والتي لا تجد رغم قوتها من يسمعها..وفي انتشار الأوبئة والأمراض وعدم قدرة غالبية السكان الحصول على الدواء...ويحضر الفقر في حياة اليمني على شكل قصر في العمر وفي الطول وانخفاض في الوزن ولون مميز للبشرة. كما يحضر الفقر في المعدلات المرتفعة لوفيات الأمهات والأطفال الرضع والأطفال تحت الخامسة...

ويتجسد الفقر الشامل في حياة الإنسان اليمني في غياب الدخل، وفي ضآلة ذلك الدخل إن وجد، وفي عدم قدرة اليمني على مواجهة تكاليف المأكل والمشرب والملبس والتعليم والرعاية الصحية ناهيك عن الكهرباء والصرف الصحي والماء النقي الصالح للشرب والطريق الصالح للسفر ووسائل التكنولوجيا كالتلفزيون والكمبيوتر وغيرها.."

وضع اليمن

حققت اليمن في عام 2007-2008 المرتبة رقم 153 من بين 177 دولة تم قياس مستوى التنمية الإنسانية فيها. ولو كان مقياس التنمية الإنسانية عبارة عن سلم طويل يتكون من 177 درجة، والدرجة أعلى السلم رقمها واحد والدرجة أسفل السلم رقمها 177، والدول عبارة عن أشخاص يقف كل واحد منهم على درجة من الدرجات بحسب ما يتمكن من تحقيقه في مجالات التعليم والصحة والدخل، فإن اليمن تكون قد صعدت 24 درجة فقط وبقي امامها 153 درجة. ومقارنة بالدول العربية الأخرى، فإن اليمن تكون قد حصلت على المرتبة الأدنى على السلم. وحصلت الكويت على المرتبة رقم 33، وقطر على المرتبة 35، والإمارات على المرتبة 39، والبحرين على المرتبة 41، وليبيا على المرتبة 56، وعمان في المرتبة 58، والسعودية في المرتبة 61.

وإذا كانت الجغرافيا قد وضعت اليمن في جنوب غرب الجزيرة العربية، فإن مستوى الفقر الشامل يضعها بين دول جنوب الصحراء الأفريقية. ولذلك استحقت اليمن وبجدارة لقب أفقر دولة في العالم خارج أفريقيا..كما استحقت أيضا لقب الدولة الأفقر في العالم العربي وفي الشرق الأوسط.

وإذا استمر النمو في مجالات التعليم، والصحة، ودخل الفرد بنفس المعدلات الحالية، فإن اليمن ستحتاج إلى 120 سنة لتصل إلى نفس المستوى الذي تتمتع به دولة الكويت اليوم. وسيحتاج اليمني إلى حوالي 100 عام ليصل إلى مستوى التعليم والصحة الذي يتمتع به جاره العماني اليوم.

وتكمن مأساة اليمن من وجهة نظر المؤلف في انه في الوقت الذي يتقدم فيه الآخرون فإن اليمن تتراجع إلى الخلف. وإذا تم تشبيه عملية التنمية بدرجات سلم طويل والدول بمجموعة من الرياضيين يحاول كل منهم في كل دورة من دورات اللعب تحقيق مركز أفضل بين المتسابقين، فإن الظاهرة المخيفة هي أن الرياضي اليمني يتراجع دائمًا إلى الخلف، اي إنه يشارك في الركض كغيره، لكنه لا يفوز، ولا يحقق تقدمًا مع مرور السنوات، ولا يحافظ على نفس المركز الذي يحققه كل سنة.. ففي الوقت الذي كان فيه ترتيب اليمن على نفس المقياس في عام 2003 هو 148، فان ذلك الترتيب تراجع إلى المركز رقم 149 في عام 2004 ثم إلى المركز 151 في عام 2005 ثم إلى 153 في عام 2007. وما زالت رحلة السقوط الإنساني في اليمن ماضية رغم وصول برميل النفط في فترة من الفترات إلى قرابة الـ140 دولاراً للبرميل.

والحديث هنا، كما يؤكد المؤلف، ليس عن كأس آسيا للشباب ولا عن بطولة كأس العالم لكرة القدم ولا عن مباراة في تنس الطاولة بين اليمن ودولة أخرى، وإنما هو حديث عن حياة الإنسان..عن مستوى التعليم الذي يحصل عليه وعن الرعاية الصحية التي ينعم بها وعن الدخل المادي الذي يتوفر له ويمكنه من الحصول على حاجاته الأساسية.

صناعة الفقر

لا ينظر مؤلف الكتاب الى الفقر الشامل في اليمن على أنه قدر لا فكاك منه. فالفقر في جانب كبير منه صناعة بشرية ينتجه البعض ليستهلكه البعض الآخر. وللتمثيل فقط، فإن الفساد، بكافة أشكاله، يؤدي إلى شفط الموارد العامة التي يمكن الإستفادة منها في بناء وتجهيز المدارس وفي دعم الفقراء وفي تحسين الخدمات الصحية وبناء الطرق وغير ذلك من البرامج، وتحويلها إلى الجيوب الخاصة. كما أنه يساهم، في ظل غياب أنظمة الثواب والعقاب والحماية للمواطنين، في تحويل القضاة وأعضاء النيابات العامة وعقال الحارات وأقسام الشرطة ومدراء المدارس والعاملين فيها والمرافق الصحية ومرافق البلديات وموظفي الحكومة بشكل عام إلى نظام متكامل للتصيد والتهطش والإفقار المنظم للمواطن.

وتتعدد أسباب الفقر في المجتمع اليمني. منها ما يتصل بالبيئة التي يعيش فيها الشخص الفقير.. ومنها ما يتصل بالفقير ذاته.. ومنها ما يتصل بالدولة والسياسات التي تتبعها. وفي حين تركز الحكومة عند الحديث عن الفقر على لوم الضحية، وهو في هذه الحالة الفقراء، حيث تتحدث عن كبر حجم الأسر، وضعف مهارات الأشخاص، وغيرها، يركز كتاب اليمن المطلوب تغييره على الأسباب العامة للفقر والتي تمثل نتاج سياسات وممارسات وتوجهات رسمية داخلية وخارجية.

على الصعيد الداخلي، تم تركيز السلطة داخل الحزب الواحد، وفي داخل الحزب الواحد تم تركيز السلطة في يد الفرد الواحد. وأدى الفساد السياسي إلى تركيز السلطة في أيادي فئات سياسية وإجتماعية معينة. وسُمح للفئات المسيطرة سياسيًا بالإستيلاء على الموارد العامة وعم الفساد البر والبحر، وتم تحويل المدارس والمستوصفات وأجهزة الدولة إلى نقاط يتم من خلالها إمتصاص دخول المواطنين وتحويلها إلى جيوب الفاسدين..تم تحويل التعليم إلى ضرب من ضروب الدعاية السياسية وإفراغه بالتالي من بُعده المعرفي والمهاراتي. وقد انعكس ذلك التسييس للتعليم في التركيز على أعداد المدارس وأعداد الخريجين بدلاً من التركيز على جودة التعليم.

واتصفت السياسات الإقتصادية والمالية الحكومية التي اُتبعت إبتداءً من عام 1995 بالعشوائية والتخبط والإنتقائية ومعاداة الفقراء. وبدلاً من أن تحقق تلك السياسات النمو الإقتصادي الكفيل بخلق فرص العمل وتحسين مستويات دخول الناس، أدت من خلال تخفيض الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية والمواد الغذائية بما في ذلك البر والدقيق، إلى توسيع رقعة الفقر وتعميقه. فقد أخذت تلك السياسات ما بجيوب الفقراء ووضعته في جيوب الفاسدين من مسئولي الدولة.

لقد قال المسئولون الحكوميون للناس في اليمن ما معناه: اغمضوا عيونكم..فلما أغمضوا عيونهم، قالوا لهم: "سنسحب الدعم عن الدقيق والقمح وعن البترول والديزل وسنوجه المليارات التي سيتم توفيرها من سحب الدعم عن تلك السلع إلى بناء المصانع والمدارس والمستشفيات، ومحطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية والرياح والغاز، والمدن السكنية.. وسينمو الإقتصاد ويخلق فرص العمل ويتحسن الدخل..وعندما تفتحون عيونكم لن يهمكم إن كانت أسعار الغذاء والمحروقات قد زادت."

وظل الناس مغمضي العيون في إنتظار المفاجأة، وطال الإنتظار. وعندما فتح الناس أعينهم في النهاية لم يجدوا أمامهم، وخلفهم، وتحتهم، ومن فوق رؤوسهم سوى الفقر. لقد ذهب كبار المسئولين بالثروة والوظائف والأراضي والمزارع والمنح الدراسية والرحلات العلاجية إلى الخارج..وتركوا للشعب الفقر..كان العالم قد انقسم إلى قسمين: قسم صغير يملك كل شيء من قصور ألف ليلة وليلة إلى الأراضي والمزارع والشركات والفنادق والحسابات ذات الأرقام الفلكية في الداخل والخارج؛ وقسم كبير لا يكاد دخله يفي بحاجته الأساسية من الغذاء والدواء والملبس.

وحيث أن النمو الإقتصادي المحدود الذي شهدته اليمن خلال السنوات الماضية قد كان، وما زال، مرتكزًا على النفط، فإن ذلك النمو لم يؤد إلى تحسين أوضاع الفقراء وذلك لأن قطاع النفط لا يوظف سوى نسبة صغيرة من السكان ومن العمال المهرة الذين لا يأتون من الفئات الفقيرة. ولم تؤد الزيادة في النفقات الحكومية، الناتجة عن زيادة عائدات النفط، إلى تحسين أوضاع الفقراء لان الإنفاق الحكومي تركز إما في المناطق الحضرية أو في المناطق الريفية التي يسكنها السكان الأفضل حالا من الناحية إلاقتصادية.

وقادت السياسات الخارجية لليمن إلى عزل البلاد وفقدانها في بعض السنوات للدعم الخارجي وتراجع ذلك الدعم في سنوات أخرى، وإلى طرد مئات الآلاف من العمال اليمنيين من المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. وتحول اليمني في مطارات وموانئ وسفارات معظم الدول إلى مدان حتى يُثبت براءاته..مدان بالإرهاب أو التخريب أو التهريب أو حتى التسول.

أسئلة صعبة

وتتعدد الأسئلة التي يطرحها المؤلف. لقد ولد اليمنيون في جنوب الجزيرة العربية، فلماذا تجعلهم أوضاعهم التعليمية والصحية ومستوى دخولهم يعيشون في دول جنوب الصحراء الأفريقية؟! وما هي الأسباب التي جعلت اليمن الدولة الأفقر خارج افريقيا والدولة الأفقر في العالم العربي؟! ما الذي حدث لسد مآرب الذي بدأت عملية إعادة بنائه في الثمانينيات من القرن العشرين، ولم تنته حتى اليوم؟ والى متى يظل الماء موردا خاصاً بالأقوياء القادرين بحكم النفوذ، والإمكانات على حفر الآبار ودون الحاجة حتى إلى ترخيص؟ والى متى سيظل اليمنيون يحاولون الإجابة على السؤال الخاص بمن يملك المياه الجوفية وهل هو الدولة، أم المواطنون الذين يملكون الأراضي التي تقع تحتها المياه؟ وإذا كان اليمنيون القدامى قد طوعوا الجبال عبر التاريخ، وبنوا القلاع والحصون المنيعة لتقيهم شر الغزاة، والسدود والحواجز المائية لتوفر لهم حاجتهم من الماء، والمدرجات ليزرعوا عليها أنواع الحبوب والخضروات، فلماذا لا يتمكن أحفادهم من تطويع تلك الجبال وتسخيرها في بناء حضارتهم الخاصة التي تصل عصور التميز الحضاري والعلمي والثقافي ببعضها البعض؟

الأحد، 15 مارس 2009

نتائج مادة الدبلوماسية




الى طلاب العام والموازي في مادة الدبلوماسية
ترون الى جانب هذا نتيجة مادة الدبلوماسية (يناير 2009)
يستقبل استاذ المادة اي تظلمات برسائل اس ام اس على تلفونه او بالبريد الإلكتروني
انقر على الظرف في نهاية هذه الرسالة للتظلم

للتكبير اضغط على الصورة