الاثنين، 19 يناير 2009
واخيرا قرعت اجراس الحرية
لعل ابرز ملامح بيان الاستقلال الأمريكي، الذي كتب مسودته توماس جيفرسون وأعلن في عام 1776، هو التأكيد بان "الناس خلقوا سواسية" وهو تأكيد له أهميته في مجتمع تعددي مثل المجتمع الأمريكي. لكن ذلك التأكيد، ومن بعده النصوص الدستورية البراقة التي اقرها مؤتمر فيلادلفيا في صيف عام 1787، لم تشفع للأمريكي الأسود. فقد ظل السود يأنون تحت نيران العبودية حتى تلقف ابرهام لنكولن في عام 1863 صيحة جيفرسون واصدر قرار التخلص من العبودية. ومثله مثل إعلان الاستقلال ومثل نصوص الدستور الأمريكي، ظل قرار التخلص من العبودية بالنسبة للأمريكي الأسود مجرد حبر على ورق عندما تعلق الأمر بالحقوق السياسية، وفي مقدمتها حق التصويت وحق الترشح.
وفي 28 أغسطس عام 1963 ، وبعد 100 سنة على قرار لنكولن بتحرير العبيد، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن اكبر تجمع للامريكيين السود الذين جاءوا إليها من جميع أرجاء الولايات المتحدة في تظاهرة من اجل الحرية. لقد وعدت امريكا، كما قال داعية الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كنج، مواطنيها—كل مواطنيها أبيضهم وأسودهم — في إعلان الاستقلال، وفي نصوص الدستور، وفي قرار إلغاء العبودية، ب"الحياة، الحرية، وحق بلوغ السعادة." لكن الأمريكي الأسود، كما قال كنج مستدركا، ما زال يرزح تحت أغلال الفصل العنصري والتمييز.
لقد كتبت أمريكا لمواطنيها من السود، كما قال كنج، "شيكا" وعندما ذهبوا لصرفه تم إعادته إليهم مكتوبا عليه "الرصيد لا يكفي." وأعلن كنج بان الأمريكيين السود يرفضون التصديق بان بنك العدالة قد أفلس، وبان الرصيد الذي يريدون سحب الشيك منه قد نفذ. وساهمت حركة الحقوق المدنية التي كان كنج ابرز رموزها في إسقاط الفصل العنصري وفي إزالة الحواجز التي كانت تمنع السود من التصويت.
ولعل الشيء الذي لم يتوقعه كنج ، الذي هتف في ال28 من أغسطس 1963 "فلتقرع أجراس الحرية"، هو أن باراك اوباما الذي ولد في عام 1961 وعاصر خلال سنوات طفولته الأولى حركة الحقوق المدنية سيصبح بعد 45 عاما من خطاب كنج، أول رئيس لأمريكا من أصل إفريقي .
ويمثل صعود اوباما، الذي سيتم تنصيبه ليكون الرئيس ال44 للولايات المتحدة الأمريكية يوم الثلاثاء في ال20 من يناير 2009، إلى الموقع الأول في الدولة الأقوى في العالم، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، أهم حدث سياسي شهدته الولايات المتحدة منذ قرار ابرهام لنكولن بإلغاء العبودية في عام 1863. وسيصادف تنصيب اوباما الذكرى ال200 لميلاد ابراهام لنكولن محرر العبيد.
وبين صيحة جيفرسون وصعود شخص من أصل إفريقي إلى رئاسة الولايات المتحدة تمتد مرحلة طويلة من النضال ضد الفصل العنصري والتمييز على أساس اللون والعرق استمرت لأكثر من 232 سنة.
البيت الخراب
سيتسلم الرجل الأسود البيت الأبيض وأمريكا من أدناها إلى أقصاها أشبه ب"البيت الخراب." وسيكون على الرجل الأسود خلال أربع سنوات اجتراح المعجزات لإصلاح ما أفسده الرجل الأبيض خلال عقود. وإذا كان وصول اوباما إلى البيت الأبيض يمثل أولى ثمار التغيير، فان الظروف التي يصل فيها اوباما إلى السلطة قد تثبت أن الوصول إلى البيت الأبيض شيء، ومحاولة تغيير السياسيتين الداخلية والخارجية للإمبراطورية العظمى شيء آخر. فاوباما سيحكم بنفس الطبقة السياسية التي سيطرت على الولايات المتحدة خلال ال232 سنة الماضية. ومن سوء حظه انه يصل إلى البيت الأبيض في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي تحديات كبيرة لم يواجه مثلها أي رئيس امريكي سابق. فعلى الصعيد الداخلي تواجه امريكا أزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ الكساد الكبير الذي بدأ في عام 1929. أما على الصعيد الخارجي، فان اوباما سيواجه منذ الليلة الأولى له في البيت الأبيض ملفات غزة والعراق وإيران وغيرها الكثير من الملفات التي ستمثل اختبارا صعبا لمصداقية اوباما ولقدرة أمريكا على الاستمرار كقوة مؤثرة في العالم.
الجمعة، 16 يناير 2009
الدكتور عبد الله الفقيه للبديل: اخشى تكرار ما يحدث في السودان أو..
قال أاتفاق قادة الحراك الجنوبي أو اختلافهم يعد مشكلة ,,,,الدكتور عبدالله الفقية للبديل ,,أخشى تكرار مايحدث في السودان او زيمبابوي في اليمن وادعو لمشاركة الانفصاليين في انتخابات حرة ببرنامج للانفصال
[1/13/2009]
البديلنت \صنعاء\اشرف الريفي:
أبدى استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء الدكتور عبد الله الفقيه مخاوفه من تكرار ما يحدث في السودان او في زيمبابوي باليمن .
وقال الفقيه في حوار ساخن أجراه معه "البديل " أن اليمن يسير مغمض العينين في طريق من الصعب التكهن بمنحدراته ومنعطفاته او معرفة الى اين يقود .؟ مشيرا إلى أن النظام اليمني يعيش اليوم تحت اشعة اكس.. وهناك عمل دؤوب لإلصاق كافة التهم به من الإرهاب الى القرصنة الى تهريب الإسلحة ,و تزوير العملات وغيرها.
وأنتقد توجه الحزب الحاكم في الإلغاء للاخرين والتعامل مع البلاد كما لو كانت ملكية خاصة ,معتبرا أن ما يحاول النظام بيعه للشعب باسم الديمقراطية هو بضاعة فاسدة ستهلك الحرث والنسل .
وقال الفقية ان حال الجنوبيين لا يختلف عن حال الشماليين , وأن اتفاق قادة الحراك الجنوبي أواختلافهم حول القضية الجنوبية تعد مشكلة تعقد الحلول , مشيرا إلى أن الوضع الإجتماعي في الجنوب هو الان أسوأ مما كان عليه في نهاية الستينيات من القرن الماضي. وما سيحدث في الجنوب سيكون أسوأ بكثير مما حدث في عام 1986.
وحول موقف المعارضة من الانتخابات البرلمانية القادمة قال الفقية أن "موقف المعارضة حسب علمي انها لم تعلن حتى الان موقفا نهائيا من الإنتخابات وانها ابقت على خياراتها مفتوحة..ومن خلال الحديث عن الحوار الوطني يبدو ان المعارضة لن تقاطع ولن تشارك وانما ستلجأ الى خيارات اخرى اكثر راديكالية من الإثنين..
وأضاف أن الديمقراطية نظام لحل المشاكل سلميا وللتعايش بين ابناء الوطن الواحد وليست نظاما لصنع الإزمات واشعال الفتن. داعيا الى السماح لدعاة الإنفصال بان ينزلوا بمرشحيهم في جميع انحاء اليمن وبان يتبنوا برنامجا للانفصال كما فعل الفرنسيون في كندا ولا اخاف على الوحدة في ظل عملية ديمقراطية فعالة بقدر ما اخاف عليها في ظل انتخابات شكلية تنزع عن الوحدة اليمنية اهم مبرراتها. والخلاصة هي انه لا بد من اعادة الإعتبار للدستور وللوحدة اليمنية وللديمقراطية. ولا بد من عملية ديمقراطية تجدد شرعية الدولة في اليمن داخليا وخارجيا..
ولم يستبعد تشكل تحالف ثلاثي جنوبي-حوثي-مشتركي في مواجهة النظام قائلا:" واذا تشكل مثل هذا التحالف فان فرص النظام في البقاء تغدو محدودة وخصوصا اذا نزع عن نفسه غطاء الشرعية الإنتخابية. لكني اعود واقول ان اسقاط النظام في اليمن شيىء , واقامة نظام بديل والحفاظ على وحدة البلاد وتحقيق الأستقرار شيئ آخر. واذا كان النظام القائم ذاته وبما يملكه من تجانس نسبي وجيش وامن مركزي ,وموارد ضخمة يجد صعوبة في الحفاظ على الوحدة والإستقرار، فما بالك بتحالف ثلاثي بين المشترك والجنوبيين والحوثيين.
البديل سينشر نص المقابلة المثيرة والجريئة مع الدكتور عبد الله الفقيه لاحقا .
الاثنين، 12 يناير 2009
الأمن القومي يثير جدلا..!
د. عبد الله الفقيه
اثار مشروعان بحثيان، تم تقديمهما من قبل اثنين من طلاب برنامج الماجستير الى حلقة السمنار في قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء لإقرارهما، الكثير من الجدل بين اساتذة وطلاب العلوم السياسية. ويحمل المشروع الأول عنوان "العوامل المؤثرة على الأمن القومي اليمني" في حين حمل المشروع الثاني عنوان "البعد الإقليمي للامن القومي للجمهورية اليمنية." وقد اعترض بعض اعضاء هيئة التدريس على تعبير "الأمن القومي" بحجة انه يثير مسألة اخلاقية تتعلق بالإلتزام القومي لليمنيين الذين ينظرون لأنفسهم على انهم جزء من الأمة العربية وبالتالي لا يملكون امنا قوميا بمعزل عن "الأمن القومي العربي" مؤكدين بان أمن الدولة القطرية هو امن "وطني" أو "امن دولة" وليس امنا قوميا.
وفي حين راى البعض ان الموضوع يبدو وكما لو كان محاولة لإخضاع العلم للايديولوجيا (اي اخضاعه للمعتقدات السياسية) وذلك على اعتبار ان "الأمن القومي العربي" ليس اكثر من مجرد وهم اثبتت التجارب التاريخية زيفه، رأى آخرون بأن الإلتزام الوطني والقومي لأي باحث لا يمكن ان ينظر اليه على انه محاولة لأدلجة العلم لإن العلم ينبغي ان يخضع ايضا للقواعد الأخلاقية وان لا يتعارض مع معتقدات المجتمع. وربما كان لأحداث غزة دورها في احتدام الجدل وسخونته حول المشروعين. فالقول بوجود امن قومي لمصر وامن قومي لليمن وامن قومي للعراق يغلب الجانب القطري ويجعل حماية امن اي دولة عربية مسئولية تلك الدولة فقط. وفي ظل نظرية "الأمن القومي" للدولة القطرية يصبح التضامن مع ضحايا المحرقة الصهيونية الأمريكية ضد النازيين الجدد في تل ابيب وواشنطن مسالة انسانية او في احسن الأحوال مسالة تتعلق بالقانون الدولي بدل ان تكون مسالة تندرج تحت مفهوم الدفاع عن النفس وحماية الأرض والعرض وفلذات الأكباد.
الجدير بالذكر هو ان المادة الأولى من دستور الجمهورية اليمنية تنص على ان "الشعب اليمني جزء من الأمة العربية والإسلامية" وهو ما ينفي وجود الأمة اليمنية وبالتالي وجود الأمن القومي لها، ويؤكد بالتالي ان الشعب اليمني جزء من الأمة العربية وان امنه جزء من امنها. وينبع الجدل في السياق اليمني من انه قد تم—ورغم النص الدستوري الواضح—اطلاق اسم "الأمن القومي" على مؤسسة أمنية يمنية وبالمخالفة الواضحة لنصوص الدستور. وفي حين يرى البعض ان الهدف من تلك التسمية هو تجفيف منابع القومية العربية وتثبيت الهوية القطرية، يرى آخرون ان المسألة ربما كانت مجرد خطأ في ترجمة مصطلح National Security عن الإنجليزية وذلك في اشارة الى ان جهاز "الأمن القومي" قد أنشأ نتيجة لضغوط امريكية على النظام اليمني في اعقاب احداث سبتمبر 2001.
وما لا يعرفه الكثيرون هو ان وثيقة العهد والإتفاق التي توصلت اليها القوى السياسية في عام 1994 كانت قد نصت على ان "يشكل مجلس اعلى للامن القومي بالجمهورية اليمنية تحدد مهامه في اجراء الأبحاث والدراسات واعداد التوصيات لرئاسة الدولة والحكومة بهدف حماية السيادة الوطنية وتوطيد علاقة بلادنا بالوطن العربي والعالم على ضوء الوضع العالمي الجديد..."...الخ.
القردة والخنازير..
ارسل لي اخ عزيز ظل يتابع الغزو الإسرائيلي البري لغزة في ليلته الأولى برسالة عند السحور يصف فيها اليهود والنصارى المنفذين والداعمين والقائمين بالتغطية على محرقة غزة بانهم ابناء القردة والخنازير. واحترت كثيرا فيما ذكره ذلك الأخ..فلقد اوسعنا اليهود ومن خلفهم الأمريكيين قتلا وأوسعناهم بدورنا سبا. والحق ان الإبل اختلطت علينا فلم نعد نعرف من هم القردة والخنازير بالفعل. وبدا لي اننا نحن القردة والخنازير والا لما تجرأ علينا اليهود والنصارى بهذا الشكل وشرعوا في حرق ابنائنا واخواننا واخواتنا في غزة بهذه الفجاجة ولمبررات تعكس احتقارا واستهزءا بنا كأمة وكثقافة وحضارة ودين ولما استخفوا بمليار ونصف مليار مسلم وبقرابة ثلث المليار عربي ...
لو كنا بشرا بحق ما كان لضحايا المحرقة النازية ان يتفرعنوا علينا بهذا الشكل وما كان للولايات المتحدة واوروبا ان يضحوا بمئات الملايين من العرب قربانا لبضعة ملايين من اليهود وما كان لأغبى رئيس عرفه التاريخ الإنساني ان ينفذ فينا وعلى ارضنا المحرقة بعد الأخرى مبتدءا بافغانستان، ومرورا بالعراق، وانتهاء بغزة ونحن نتفرج على عربدته وبعضنا يصفق لها والبعض الآخر يكتفي بغض الطرف..لو كنا بشرا ما كنا قبلنا لأنفسنا أو لغيرنا بجوانتناموا، وابو غريب، وبالمحرقة تلو الأخرى وما كنا انتظرنا ببلاهة حتى تصل المحرقة الى غرف نومنا..
لقد أوهمونا منذ ال11 من سبتمبر 2001 بان دفاعنا عن انفسنا في مواجهة محارقهم "النازية" يعتبر "ارهابا"، وقبلنا.. وصدقنا..وقضينا السنوات نحمل على اكتافنا اعباء الشعور بالذنب لإن اسامة بن لادن واتباعه قتلوا حوالي 3 الاف امريكي. وبينما نحن غارقون في الشعور بالذنب راحوا هم يقتلون مئات الالاف من النساء والأطفال والشيوخ الأبرياء في افغانستان وفي العراق وفي باكستان والصومال وفلسطين ولبنان. وهاهم اليوم يمارسون هوايتهم في قتلنا ونحن نتحرج في التعبير عن حقنا في الحياة وفي ان نملك ارضنا ومواردنا وحريتنا.
لو كنا بشرا بحق ما كانت صحفنا ومواقعنا ومنظمتنا المدنية تمول من امريكا وليس من خزائننا، وما كانت عقولنا لتدار من واشنطن بالريموت كنترول وما كنا لنتحرج في الجهر بالحق، وما كان قادتنا وانظمتنا واعلامنا ومنظماتنا لتقيم الدنيا ولا تقعدها من اجل مقتل يهودي في حين تدير ظهرها للقتل الجماعي والتطهير العرقي الذي يمارس ضدنا..
لو كنا بشرا ما كان للفلسطيني ان يتآمر على الفلسطيني وما كان للفلسطيني ان يقتل الفلسطيني وما كانت احزابنا وانظمتنا وحكامنا ليكفروا بروابط الدم والقربى والإنسانية وليتحالفوا مع ابليس في سبيل البقاء في السلطة او الوصول اليها وما كان بعضنا سيتخصص في لعن بعضنا الآخر. ماكان نصر الله عطل صواريخه وراح يطالب مصر بفتح معبر وما كان لجيش سوريا ان يتوارى خلف المتظاهرين وما كان لملك الأردن—حفيد رسول الله—ان يكتفي بالتبرع بالدم وما كان لرئيس مصر ان يخشى انتصار حماس.
لو كنا بشرا لما انتظر كل منا دوره في المحرقة ولسالنا انفسنا: اين صواريخ حزب الله وجيوش الأردن وسوريا؟ واين السنة حكامنا وجيوشهم التي يهددونا بها في نشرات الأخبار كل مساء ؟ اين ثروات بلداننا والأسلحة التي انفقت عليها الأنظمة مدخراتنا؟ لوكنا بشرا لكنا شرعنا في البحث لإنفسنا عن مخارج من مرحلة "التقرد" و "الخنزرة" التي افقدتنا ليس فقط القدرة على الدفاع عن استقلالنا وكرامتنا ولكن ايضا وهو الأهم قدرتنا على الدفاع عن حق اطفالنا في الحياة.
الخميس، 1 يناير 2009
احتكار السلطة والثروة والسلاح : وإستدعاء الخارج للتغيير في اليمن
عبر تاريخ صراع اليمنيين على السلطة والثروة كانت هناك ظاهرتان مختلفتان كلفتا اليمن واليميين الكثير والكثير.
الظاهرة الأولى: إن العامل الخارجي كان حاضرا وعاملا أساسيا في حسم الصراع لصالح هذا الطرف أو ذاك وغالبا ما تنتهي الأمور إلى هيمنة الطرف الخارجي الذي استدعاه أحد أطراف الصراع.. وحين يحس اليمنيون -بعد فترة زمنية- بوطأة النصير الخارجي الذي استعدوه يعملون على محاربته وقد يستنصرون عليه بنصير خارجي آخر.. وهكذا دواليك منذ استدعي سيف بن ذي يزن الفرس في الزمن الغابر وحتى استدعاء المصريين في ستينيات القرن الماضي.. والقبول بالنفوذ الأمريكي والاستعانة بالمال السعودي والليبي والخليجي في زمننا الحاضر.
أما السبب الرئيس في لجوء اليمنيين إلى نصير خارجي فيعود إلى أن الفئة التي تستولي على السلطة تقوم باحتكار السلطة والثروة والسلاح، فيجد المعارضون أنفسهم في العراء مجتمعاً فقيراً غير قادر على دعمهم وجمهوراً سلبياً يردد حكمته المشهورة من تزوج أمنا كان عمنا.
وأصحاب الثروة من تجار وصناع وزراع يربطون مصالحهم بمصالح الحاكمين ويخشون معاداتهم لكي لا تتأثر مصالحهم، وحينها لا يجد المعارضون خيارا سوى البحث عما يسميه اليمنيون (ظهرا) يرتكنون إليه.
الظاهرة الثانية: في صراع اليمنيين على السلطة والثروة أن القوى المعارضة حين تنتصر يتركز همها الأساسي في القضاء على الحاكمين السابقين ونهب ممتلكاتهم وتشريد نسائهم وأطفالهم والقيام بالحكم على نهج من سبهم في احتكار السلطة والثروة وإقصاء وتهميش الآخرين وقتل ومطاردة المعارضين وقد روي - والعهدة على الراوي- أن السلال اشترط لقبول رئاسته الثورة "أن من زقمناه قتلناه" وهكذا دواليك حتى يدور الزمن دورته.
ألم يحن الوقت لتغيير هذا النهج المتخلف الذي حول اليمن من يمن سعيد إلى يمن شقي وتعيس؟
ألم يحن الوقت لندخل العصر الحديث عصر الحضارة والحوار والمشاركة واحترام حق الآخر ورأيه؟
أما آن لمراكز القوى العسكرية والمشائخية والتكنوقراط الانتهازي أن يدركوا أن الزمن قد تغير وأن الوطن قد اتسع وأن المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني قد نمت وأن الحراك الاجتماعي أصبح أكبر من أن يستوعب لا بالترغيب ولا بالترهيب، ولا بالتضليل؟
أما آن لهم أيضا أن يدركوا أن نذر التغيير قد دقت أجراسه وأن الحكمة تستدعي بألا نسمح بتكرار ظواهر الصراعات المتخلفة والمدمرة؟
أما آن أن يعود الجميع إلى كلمة سواء وعلى القاعدة الإسلامية لا ضرر ولا ضرار؟
إذا لم نكن كمجتمع وكنخب قد هضمنا الديمقراطية بمفهومها الحضاري الذي يحتكم الجميع فيه إلى الإرادة الشعبية الحرة والمتساوية والمباشرة فلنجرب الديمقراطية التوافقية حيث لا غالب ولا مغلوب وفي إطار أسس تساعد على الانتقال إلى ديمقراطية الأغلبية خلال زمن منظور يكون فيه قد اتسعت قاعدة الحراك الاجتماعي بشكل أكبر وتعمقت في العقول والنفوس ثقافة ديمقراطية الأغلبية وأصبحت مراكز القوى أكثر استعدادا لقبولها وأقل خوفا من نتائجها.
وديمقراطية التوافق التي نقصدها لا تعني بأي حال من الأحوال أن تكون اقتساما للغنيمة أو تكون على حساب المصلحة العامة ومصلحة الغالبية من أبناء الشعب وإنما هي عملية تهدف إلى تفادي الصراع المدمر.
وتطمين من قد استفادوا أو أساء أنه لن يضار وبإمكانه ضمان ذلك من خلال شراكته في مرحلة تصحيح الأوضاع في الطريق السليم، طريق بناء الدولة الديمقراطية المؤسسية التي يتم الاحتكام فيها إلى رأي الأغلبية من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة، لا استقواء فيها بسلطات الدولة وإمكانياتها.
وعليه فالديمقراطية التوافقية التي نقصدها هي الديمقراطية التي تلتزم بأمر الله تعالى في التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.
وديمقراطية التوافق عملية يصدق عليها قول الزعيم الروسي الراحل لينين: خطوة إلى الوراء في سبيل التقدم خطوتين إلى الأمام.
والدخول في الحوار للوصول إلى التوافق يتطلب في البداية أن تعترف مراكز القوى العسكرية والمشائخية والتكنوقراط الانتهازي أن الاحتكار الكامل للسلطة والثروة وتغييب وتهميش القوى الاجتماعية الجديدة أصبح عملية خطرة تعيد الزمن إلى دورة الصراع التقليدي والذي لن يكون بأي حال لمصلحة مراكز القوى لأنها تسير ضد الزمن وعكس حركة التاريخ وهي بحكم التطور ونمو الحراك الاجتماعي قوى متراجعة وإصرارها على موقفها من احتكار السلطة والثروة سوف يجعلها في النهاية تخرج من المولد بلا حمص وحتى الحمص الذي جمعته خلال مرحلة حكمها سوف تخسره إن لم تخسر ما هو أغلى من ذلك .
وعلى قوى التغيير - أيضا- أن تدرك أن منهج الاعتدال والتسامح والواقعية ليس خيانة وطنية ولا عملا من أعمال الشيطان فترك المفاسد مقدم على جلب المصالح والعمل السياسي القائم على الحدية في السواد والبياض عمل لا يتسم بالحكمة في كل الاوقات وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا ومعلمنا فإن صلح الحديبية نموذج سياسي رائع أثبتت الوقائع سلامة نهجه.
والعمل الوطني يجب أن لا نسمح بأن تحكمه الضغينة والرغبة في الانتقام، أو نتعامل معه بعواطف غير منضبطة بحكمة العقل وإلا تحول إلى عمل غير وطني وتجارب شعبنا القديمة والجديدة أكدت مدى خطورة وبشاعة ما خلفته الصراعات المفعمة بالحقد والضغينة وحب الانتقام.
دعوة الرئيس إلى كلمة سواء ودعوة المشترك إلى التشاور والحوار الوطني هما الفرصة للدخول في حوار مسئول بين مراكز قوى السلطة وقيادات المجتمع المدني ورموزه الاجتماعية للوصول إلى كلمة سواء في إطار القاعدة الإسلامية لا ضرر ولا ضرار ولا غالب ولا مغلوب.
ليس أمام مجتمعنا سوى خيارات ثلاثة ديمقراطية الأغلبية بكل متطلباتها.
أو الديمقراطية التوافقية والشراكة بين القوى الحاكمة والقوى المتطلعة في تنفيذ برنامج إصلاحي نصل في نهايته إلى القبول مطمئنين بحكم الأغلبية، أو الصراع المدمر لبلد ليس فيه ماء.
وما دمنا غير قادرين وغير مطمئنين إلى ديمقراطية الأغلبية فنتكل على الله ونخوض تجربة الديمقراطية التوافقية ومن مشنقة إلى مشنقة فرج.
والممسكون اليوم بالسلطة والمتصرفون بالثروة هم من يتحمل المسئولية الأولى في تفادي الصراع المتخلف وهم أول من سوف يكتوي بنار الصراع لو أصروا على غيهم.
ومن الغباء أن ترى أمامك الهاوية وتصر على تجاهلها حتى تسقط فيها.
وقد قال الرئيس في ذكرى الشيخ الأحمر لنتنازل لمواطنينا خير من التنازل للخارج فجربوا ولن تندموا.
اللهم أشهد أني قلتها بصوت عال ووحدي أتحمل مسئولية هذا الرأي الذي يمكن بلورته لو تم قبوله من حيث المبدأ.
* يذكرني هذا التاريخ بفجيعة أمتنا بقتل الشهيد جار الله عمر رحمه الله.
أحد ضحايا الصراع المتخلف.
لقد فقدنا أربعة من أخيار رجالنا لو كانوا معنا اليوم لكان لهم رأي وموقف جار الله عمر، يحيى المتوكل، مجاهد أبو شوارب، عبدالله بن حسين الأحمر تغمدهم الله برحمته وأسكنهم فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المقال عن موقع شبوة برس http://shabwahpress.com/id2501.html