الأربعاء، 25 يناير، 2017

25 يناير


سمير عطاء الله*

بعد مرور ما يزيد على نصف عقد على «ثورة 25 يناير»، يحسن بنا جميعًا أن نتأمل مواقفنا منها آنذاك. فهي حدثت في مصر، ولذا لم يكن أي عربي حياديًا أو لا مباليًا، متشائمًا أو متفائلا. وكانت حركة اجتماعية تقدمها في الأيام الأولى نخبويون ومثقفون وطلاب وغير سياسيين. وفي قرارة نفسي، لم أشأ أن أقف ضد مشاعر تلك الفئة من الناس. وكنت أتفهم أن موجة شعبية عاصفة تهز النظام العربي، سوف يؤخذ على معارضيها ممالقة الديكتاتوريات. ومع ذلك حاذرت، كصحافي، تأييد «25 يناير»، كما حاذرت الدفاع عن نظام الرئيس حسني مبارك. 


 
ولم يتغير موقفي بعد كل هذه السنين. أنا اعتقدت، بكل قناعة، أن الرئيس مبارك ارتكب ضعفًا بشريًا غير مسامح أو مسموح، عندما لم يدرك الأهمية التاريخية والوطنية، لحلول موعد الرحيل. وزاد من فداحة الخطأ بأنه لم يطمئن المصريين إلى أنه لن يفرض عليهم وريثًا، تكاد تكون أهم مؤهلاته أنه وريث. وبسبب هذا الخطأ، كان حسني مبارك يستحق المؤاخذة، ويستحق أن يرغم على التعويض عن ضياع الرؤية. لكن عهد حسني مبارك المليء بالاستقرار والنمو والمسالمة الاجتماعية والحريات الصحافية والسياسية غير المسبوقة، كان يستحق خروجًا لائقًا وانتقالا دستوريًا هادئًا، ومسارًا قانونيًا لا يزعزع أمن مصر واستقرارها واقتصادها وموقعها العربي والعالمي. 

من هنا، كانت «25 يناير»، فوضى لا ضرورة لها، بدل التغيير القانوني الهادئ. أدت «25 يناير»، قبل أي شيء، إلى فشل «25 يناير». «ثورة» من هواة صادقين ما لبثوا أن اختفوا من ميدان التحرير لتحل محلهم قوى تعادي وجودهم أكثر مما تعادي بقاء مبارك. وإذ أنظر الآن إلى تلك الأحداث، مكبرًا بقاء مبارك في مصر وثقته بسيرته وسجله، أتساءل لماذا لم يخرج جمال مبارك على العالم ليعلن أنه لا يريد أن يكون أكثر من مواطن عادي، قبل أن يخاطب الرئيس المصريين قائلا إنه تخلى عن الحكم. لقد ظل جمال مبارك، كما روى المراسلون والسياسيون، في القصر الجمهوري يدير عملية الاستمرار والتحدي، فيما مصر تغلي في الشارع وفي الثكنات. 

لم يكن عهد مبارك الطويل من دون أخطاء. لكنه كان عهدًا طيبًا و«ابن حلال» على ما يقول المصريون. لا ثورية عبد الناصر، ولا خطابيات السادات، ولكن دولة متصالحة مع نفسها، سجونها خالية من الصحافيين والسياسيين والمفكرين. رئيس لا يريد أن يغير العالم، بل المحافظة على مصر ووظائف المصريين وأعمالهم. أخرج مصر من نزاعاتها العربية وأعادها إلى مدارها الطبيعي وحقق لها استقرارًا اقتصاديًا لا ينكر. 

* الشرق الأوسط، 25 يناير 2017



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق