الخميس، 2 أكتوبر، 2014

العرب في عصر الثورات: قراءة سريعة في حصاد اربع سنوات من الصراع (2011-2014)

يبدو العالم العربي، بعد مرور قرابة 4 سنوات على قيام ثورات الربيع العربي وحوالي عامين على قيام الثورات المضادة، في حالة من الفوضى والإضطراب تتجسد في استمرار الحرب الأهلية في سوريا، ظهور داعش (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ألأوضاع الهشة التي تتأرجح بين الإحتراب الأهلي تارة والوفاق تارة أخرى في كل من ليبيا واليمن، الخلافات الخليجية-الخليجية، العدوان الإسرائيلي المدعوم عربيا على غزة، الخلافات العربية الإيرانية التي لا تخلو من ابعاد طائفية، والتوترات السياسية في مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين. 

كما تتجسد تلك المعالم وبشكل أخطر في حالة من انهيار القيم والإيديولوجيات والخطط والإستراتيجيات وقيام تحالفات انتهازية تعتمد في الكثير من الأحيان على المصلحة المجردة العارية من كل مبدأ وقيمة دينية كانت او انسانية! والأسوأ من كل ذلك هو أن المنطقة ومن خلال كل هذه الصراعات والعداوات والأحقاد والإنشقاقات والمغامرات تتأهب لإنفجار كبير لا يعرف احد حتى الان على وجه الدقة طبيعته ولا حجم وعمق التدمير الذي سيتركه. 

والحال أنه، بعد اربع سنوات من الثورات، لم تتمكن الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي من تحقيق اي قدر من الآمال والتطلعات التي خرج من اجلها الشباب الثائر. وأخفقت الدول التي حاربت الربيع العربي في الحفاظ على أمنها واستقرارها، وساءت أحوالها بدلا من أن تتحسن، وأطاحت بطريقة غير مفهومة بكل مصادر الإستقرار لها وللآخرين.

واصبح الكل مهددا؛ دول الربيع العربي مهددة بدول الثورات المضادة؛ ودول الثورات المضادة مهددة بشعوب الدول التي تدخلت في شئونها وبشعوبها التي ايقضتها بتحركاتها المناهضة للثورات. وتشكل حالة الفوضى والتشظي السائدة، بين الدول، وبين النخب السياسية داخل كل دولة، حالة مثلى لإزدهار الجماعات الإرهابية والمتطرفة بكل أنواعها بعد أن تحولت هذه الجماعات الى وسيلة تخاض من خلالها حروب الوكالة بين الدول وبين المكونات السياسية والإجتماعية داخل كل دولة. 

عثرة الثورات العربية 

واجهت ثورات الربيع العربي مجموعتين من التحديات الخطيرة: الأولى ذات طابع داخلي تتعلق بالأوضاع العامة للدول وبالقوى التي قامت بالثورة أو التحقت بها، والثانية ذات طابع خارجي يتعلق بالموقفين الإقليمي والدولي من الثورات وخصوصا موقف تلك الدول التي لم تشهد ثورات الربيع العربي، والتي رأت انظمتها، دون أي تمحيص أو تدقيق أو دراسة علمية، أن تلك الثورات تمثل تهديدا لها. 

بالنسبة للتحديات الداخلية، وهي بالطبع الأكثر أهمية، فقد تمثلت من جهة في الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والمالية والأمنية الصعبة التي جعلت هذه الدول تتأثر بالخارج ومواقفه الى حد كبير. ورغم ان ليبيا بدت افضل من غيرها على الأقل في الجوانب المالية بحكم امتلاكها للنفط وللإحتياطيات الهائلة التي راكمها الدكتاتور في الغرب وان باسمه، الإ ان الحرب المدمرة التي شهدتها وضعف مؤسسات الدولة والتفتت الإجتماعي وان على خطوط قبلية وعشائرية، أو على خطوط الصراع على السلطة بين جماعات مسلحة، قد جعلت أوضاع هذا البلد على الأقل حتى الان الأسوأ على الإطلاق. 

ومن جهة ثانية، فإن القوى التي اشتركت في الثورة او انحازت اليها بعد قيامها في كل بلد شهد الثورة، قد افتقرت الى القيادة التي تحظى بثقة الجميع وتملك الرؤية والخبرة اللازمة لإدارة البلاد بطريقة تكرس الشراكة الوطنية وتمنع التفرد بالحكم، وتعمل على التخفيف من حدة التهديدات الداخلية والخارجية. وهكذا ظهرت قوى الثورة في حركتها وسلوكها وسياستها، بعد أن رفعت المرحلة الثورية سقف الطموحات الشعبية، أسوأ بكثير من الأنظمة التي تم الثورة عليها . واذا كانت ثورة مصر قد تلقت أكبر ضربة وجهت للثورات العربية، فإن الأخطاء الكبيرة والفادحة التي أفضت الى مثل تلك النتيجة، مع أخذ الدور الخارجي في الإعتبار، قد ارتكبت في مصر أيضا. 

مأزق الثورات المضادة 

لم تكن الدول التي قادت الثورات المضادة على صعيد العالم العربي بافضل حالا من القوى التي قادت أو دعمت ثورات الربيع العربي. فقد أفتقرت هي ايضا الى الرؤية الواضحةوالإستراتيجية المتماسكة لما تقوم به. وفي ظل غياب الرؤية، كان طبيعيا أن يحل منطق الثأرات مكان المصالح وان ترفض تلك الدول بالتالي الثورة في مصر والبحرين وتونس واليمن بينما رحبت بها ودعمتها في كل من سوريا وليبيا. 

وركزت الدول التي قادت الثورات المضادة على استراتيجية قديمة كانت الأنظمة التي سقطت بفعل الثورات العربية تستخدمها ويمكن تلخيصها بمقولة "الإرهاب كبديل للطغيان"، أي أن سقوط الأنظمة الإستبدادية القائمة كما ذهب الخطاب سيقود الى صعود الإسلاميين الداعمين والمؤيدين والمفرخين للإرهاب. وقد كانت هذه الإستراتيجية التي وظفتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة قبل موجة الثورات العربية تستهدف الغرب، الذي كان يطالب الدول العربية بالإصلاح السياسي والديمقراطية والشراكة الوطنية، بشكل أساسي والشعوب العربية، على نحو ثانوني. 

واذا كانت بعض الدكتاتورية العربية قد نجحت في توظيف هذه الإستراتيجية لبعض الوقت كما حدث في مصر مثلا منذ بداية الثمانينيات، فإن نجاحها ، وهذا أمر في غاية الأهمية، قد أرتبط بطريقة ادارة التهديد وليس بالقدرة على القضاء عليه. فقد كان بامكان نظام مبارك ان يقضي على الإسلاميين مرة واحدة والى الأبد لكنه لم يفعل، بل حرص على الإحتفاظ بهم كتهديد، ربما لإدراكه ان نهاية الإسلاميين ستعني نهاية الشرعية لنظامه بالنسبة للغرب. لكن ما حدث بعد ثورات الربيع العربي هو أن الدول التي تقود الثورات المضادة تخلت تماما عن ممارسة "السياسة" وسعت بدلا عن ذلك الى القضاء التام على التهديد رغم ما يحمله ذلك من إسقاط لورقة التوت. 

وعمدت تلك الدول، وهي تستهدف الإخوان المسلمين الذين استفادوا من الثورات، ومن خلال توظيف الكثير من الموارد المالية، الى تأسيس ودعم جماعات متطرفة عابرة للحدود مثل "انصار الشريعة" و "جبهة النصرة" وغيرها من الجماعات التي كانت وما زالت على استعداد للقيام بما يطلب منها بما في ذلك تنفيذ العمليات الإرهابية والإحتجاجية والإستيلاء على المدن واعلان قيام دولة الخلافة. وكان طبيعيا ان تزدهر "تجارة الإرهاب" بشكل غير مسبوق وان تفقد الدول القائدة للثورات المضادة زمام السيطرة على تلك "الحركات" الأرهابية التي اخذت تكبر كلما تدحرجت كما حدث مع داعش. 

وأنشأت الدول التي تقود الثورات المضادة ووظفت وسائل الإعلام المختلفة، بما في ذلك عشرات القنوات التلفزيونية ومئات الصحف والمواقع رغم التكاليف الباهضة لمثل هذا الإستثمار، في الهجوم على الحكومات التي قامت في مرحلة ما بعد الربيع العربي، حركة الإخوان المسلمين، والإسلام "السني" بشكل عام. وتم توسيع نطاق هذا الهجوم ليشمل دول مثل تركيا رغم الطبيعة العلمانية للحياة السياسية. 

ورغم أن الثورات المضادة غالبا ما تكون مستترة أو على الأقل تحاول الحفاظ على قدر من الغموض في مواجهة شعوبها والشعوب الأخرى الإ أن ما حدث في العالم العربي يثير الكثير من الغرابة ذلك لإن الدول التي نظمت ومولت وما تزال تفعل حتى اليوم حرصت على اعلان مواقفها بكل الطرق الممكنة وبحدية واضحة. 

تأثير الثورات 

أدت الإنتفاضة التي بدأت في تونس في أواخر عام 2010 الى قيام الثورة في مصر، وقادت الأخيرة الى قيام الثورات في اليمن وليبيا وسوريا والبحرين. وتمكنت الأنظمة الملكية في الأردن والمغرب من احتواء التحركات الجماهيرية التي كانت قد بدأت.وبالمثل فقد نجحت دول الخليج العربي عن طريق العمل الجماعي أو الفردي من احتواء التحركات التي كانت قد بدأت في البحرين وسلطنة عمان والكويت والسعودية.

وصحيح ان ما حدث في دول الربيع العربي كان يمكن ان يؤثر سلبا على الأنظمة الأخرى في المنطقة لكن ذلك التأثير كان سيظل مرهونا بالكيفية التي تتطور بها الأوضاع في دول الربيع العربي، وباجراءات الإصلاح التي تتخذها كل دولة من الدول التي لم تشهد الثورات، أكثر من ارتباطه بعامل الثورات ذاته. ومما يؤكد هذا التحليل أن الدول التي تزعمت الثورة المضادة لم تواجه اي تهديد يعتد به بين ابريل 2011 وحتى منتصف عام 2013. 

أما وقد اختارت الدول التي شعرت بانها مهددة بثورات الربيع العربي ان تهاجم بدلا من أن تدافع وأن تصدر الثورات بدلا من العمل على احتواء مدها، فإن ذلك قد قاد الى العديد من النتائج الوخيمة والمتداخلة على الصعد الداخلية والخارجية. فعلى الصعيد الداخلي، فإن الثورات والثورات المضادة قد عملت، وبفعل التراكم، على نخر شرعية النخب السياسية الحاكمة والمعارضة في كافة الدول، وبدرجة أكبر بكثير في الدول التي قادت الثورات المضادة. 

أما على الصعيد الإقليمي، فإن الثورات ساهمت بقدر كبير في انهيار النظام الإقليمي العربي الذي تأسس في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وظل يعمل باستقرار نسبي رغم كل الهزات حتى عام 2011. وقد تشارك في قيادة النظام خلال 7 عقود 3 دول هي مصر، السعودية، وسوريا، ودخل العراق في ظل صدام منافسا لبعض الوقت بينما خرجت مصر بدورها لبعض السنوات. وبينما أدت ثورة الربيع العربي في سوريا الى تحييد دورها الإقليمي فإن الثورة (والثورة المضادة على نحو أشد) في مصر بالإضافة الى عوامل أخرى أكثر تعقيدا قد أدت الى ضرب الدور الإقليمي لمصر. وفي حين تهيأت الأوضاع للسعودية، ربما لأول مرة منذ عام 1945 ، لتلعب الدور الرئيس ولتكون اللاعب الوحيد، فإن الدور السعودي يبدو وبشكل غير مسبوق مرتبكا ومفتقرا للرؤية ويميل الى الحفاظ على نظام اقليمي تقليدي لم يعد من الممكن في ظل التطورات الحالية الحفاظ عليه. 

وفي حين يبدو غريبا أن تظهر السعودية استعدادها لقيادة الثورات المضادة ورفضها في ذات الوقت قيادة النظام الإقليمي العربي، الإ أنه لا يخفى على المتابعين التعقيدات الداخلية والإقليمية والدولية التي يعمل في ظلها النظام السعودي بما في ذلك اختياره غير الموفق أن يكون طرفا في صراع الثورات والثورات المضادة بدلا من أن يكون حكما. وبغض النظر عن الأسباب التي قادت الى الوضع الحالي للنظام الإقليمي فإن افتقار النظام الى القيادة ينذر بالمزيد من الفوضى والخراب والدمار، وقد يقود في أسوأ السيناريوهات الى تحولات جذرية في الخارطة العربية ! 

كما قادت الثورات، على الصعيد الإقليمي، الى نتيجة ثانية وهي تصاعد القوة والدور الإيراني، وذلك لثلاثة أسباب على الأقل. ففي حين كان يفترض ان تؤدي الثورة في سوريا الى إعادة توازن القوى الذي كان سائدا قبل الغزو الأمريكي للعراق، فإن فشل جهود اسقاط دكتاتور سوريا قد عزز من الموقف الإيراني، وأضعف الدول المساندة للثوار. أما العامل الثاني في تصاعد القوة الإيرانية، فيتعلق بالثورات المضادة والتي خدمت ايران بعدة طرق. فالسعي للقضاء على الإخوان سياسيا تطلب استدعاء الطائفية دينية كانت (المسيحية في مصر) أو مذهبية (الشيعة في اليمن ومصر) والعمل على تضخيمها، وكان من الطبيعي ان يصب ذلك في مصلحة السكان الشيعة وبالتالي في مصلحة ايران كما تجسد ذلك بشكل واضح وعلى نحو لا يخلو من مبالغة في الحالة اليمنية. وأدى استهداف الإخوان، كحركة سنية في مجتمعات يشكل المسلمون السنة الغالبية العظمى فيها، الى إضعاف شرعية الأنظمة الحاكمة السنية وجعل الحركات السنية المنظمة وفي مقدمتها الإخوان حلفاء محتملين لإيران وللأقليات الشيعية، ويقدم اليمن هنا مثالا واضحا على هذه الحالة! 

وشكلت المرونة التي أظهرها الغرب في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني بدورها عاملا ثالثا في تصاعد القوة الإيرانية. واذا اخذ هذا التطور جنبا على جنب مع الطريقة التي يتعامل بها الغرب مع الثورة السورية، فإنه يغدو واضحا مقدار الإستنزاف الذي تتعرض له شرعية الأنظمة الخليجية داخليا واقليميا ودوليا في مواجهة شعوبها من جهة، وفي مواجهة القوة المتصاعدة لإيران، من جهة أخرى. 

حتمية التغيير 

أرتكبت الأنظمة التي قادت الثورات المضادة خطيئة في حق نفسها وفي حق النظام الإقليمي العربي وفي حق المجتمعات الأخرى. وبدلا من أن تعمل على مواجهة التهديد، ان وجد بالفعل، بالسياسة وبعيدا عن الحدية والراديكالية والسعي للإستئصال وتبني استراتيجيات غير محسوبة النتائج، فإنها، ربما تحت تأثير الشعور بوهم القوة والقدرة، سلكت الطريق الخطأ. وكانت النتيجة هذا الوضع الكارثي الذي يشكل تهديدا للجميع وفي المقدمة تلك الدول التي تزعمت الثورات. 

ويبقى القول أن التغيير سنة من سنن الحياة. وقد ينجح البعض في اعاقته مؤقتا، ولكنه لن يتمكن من منع حدوثه. واذا لم يحدث التغيير عن طريق الإصلاحات التدريجية التي تقوم بها الأنظمة، فانه يحدث عن طريق الثورات والإنتفاضات والحروب الأهلية المدمرة. وفي الحالة الأخيرة تكون التكلفة أكبر بكثير وقد تمر العديد من السنوات العجاف قبل الوصول الى التغيير المنشود.














































هناك تعليقان (2):

  1. شكرا على هذا التحليل الذي نتمنى لو كان اكثر تفصيلا ولا ادري لماذا لم يتطرق الى التغييرات التي حدثت في العراق ويقيمها

    ردحذف
  2. شكرا يادكتور ..
    التحليل قيّم ومتميز ..
    ولكنه تكلم عن الحالة العامة ويبدو أن كل بلد يحتاج لتحليل منفصل ومفصل لسيناريو الأحداث وخاصة مع تراكمها وكثرة تداخلاتها .
    يمنيا .. كنت أتمنى أن يكون التحليل أكثر تفصيلا .. وخاصة التسلسل التاريخي لمعطيات ثورة الشباب والنزاع وإن كان خفيا بين أطراف السلطة والخطط المستقبلية التي يرسمها كل طرف لنفسه ومع الثورة كيف سقطت ورقة التوت عن أسماء وقيادات كثيرة كان الشعب مخدوع بهم ..

    ردحذف