الثلاثاء، 12 أبريل 2011

قراءة في سياقات ثورة الحرية والديمقراطية في اليمن

د. عبد الله الفقيه
عن اليقين


في بداية اكتوبر 2010  ارتكب الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح (1978-2011) واحدا من أكبر الأخطاء السياسية في حياته أن لم يكن الخطأ الأكبر  والأخير. فبعد شهور من الحوار مع المعارضة اليمنية حول الطريقة المثلى للتحضير والتنفيذ للحوار الوطني الشامل، وجه صالح وبشكل فجائي حزبه الحاكم المؤتمر الشعبي العام بالانسحاب من عملية التحضير التي كان قد بدأها بنفسه في منتصف يوليو، ودشن صالح بذلك مرحلة غير مسبوقة من الجنون السياسي ستلعب دورا جوهريا ومحوريا في سقوط نظامه.
انقلاب مفاجئ
جاءت خطوة  صالح في الاتجاه الخطأ بعد أن كانت لجنة مكونة من اربعة اشخاص اثنان منهم من الحزب الحاكم واثنان من اللقاء المشترك قد اتفقت على مسودة خارطة طريق للكيفية التي ينبغي من خلالها التحضير والتنفيذ للحوار الوطني ولما يسفر عنه الحوار بعد ذلك من اتفاقات. ولم يكتفي صالح بالانسحاب من الحوار بل انه اعلن ايضا ان حزبه سيمضي بشكل منفرد في تنظيم انتخابات برلمانية في ابريل 2011 وبغض النظر عن مواقف احزاب اللقاء المشترك.
وايفاء بوعيده للقوى السياسية الأخرى على الساحة، وظف صالح الأغلبية الكبيرة لحزبه في مجلس النواب فعمل بشكل منفرد على تعديل قانون الانتخابات وتغيير آلية اختيار اللجنة العليا للانتخابات وتعيين اعضاء اللجنة  الجديدة. والأكثر من ذلك هو ان صالح وفي مطلع يناير 2011 دفع بالأغلبية الكبيرة لحزبه في مجلس النواب الى تقديم مقترحات بتعديل الدستور في خطوة هدفت كما بدا واضحا الى ازالة النص المتعلق بتحديد خدمة الرئيس بفترتين فقط وبما يمكن صالح من الترشح لعدد غير محدود من المرات.   
كان اللقاء المشترك ولأشهر عديدة يطالب صالح وحزبه بحوار وطني شامل يشارك فيه كل الأطراف ذات العلاقة وتناقش فيه كل القضايا والموضوعات  وقد ارادت احزاب اللقاء المشترك تحقيق هدفين من خلال الحوار الوطني: الأول معالجة المظالم والمشاكل القائمة؛ والثاني اعادة بناء الدولة والنظام السياسي على نحو يمكن اليمنيين من معالجة الاختلالات النظامية التي تمثل مصدرا للخلافات والصراعات العنيفة وعدم الاستقرار. وباختصار، فقد ارادت احزاب اللقاء المشترك ان يقود الحوار الوطني الى صفقة تاريخية يتم بموجبها تفكيك النظام الاستبدادي الذي اقامه الرئيس صالح وتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي. 
خيبة أمل
كان صالح المشهور بمهاراته في التكتيك قد وافق في منتصف يوليو 2010،  تحت ضغوط اقليمية ودولية كبيرة، على الدعوة الى حوار وطني شامل لا يستثني احد اراد به استباق اجتماع لمجموعة اصدقاء اليمن خطط لعقده في اواخر سبتمبر من نفس العام وخصص لمناقشة التقدم الذي حققته الحكومة اليمنية على جبهة الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي يطالب بها المانحون. وربما ظن صالح المحتاج دائما الى النقود ان تكتيكاته يمكن ان تساعده في الحصول على المزيد من الدعم المالي من قبل المانحين الدوليين. لكن اجتماع نيويورك خيب آمال صالح حيث لم يسفر عن أي التزامات مالية جديدة من قبل المانحين. وبينما كان صالح قد عمل على تضييع الوقت بين منتصف يوليو واواخر سبتمبر في البحث عن طرق لتشتيت خصومه واثارة النزاعات بينهم قبل ان يبدأ الحوار، فإن نتائج اجتماع نيويورك قد جاءت لتؤكد من بين اشياء أخرى على تسريع الحوار الوطني واصفة اياه بانه "الطريق الأمثل لبناء الأمن والاستقرار." لكن صالح الذي قاوم بشدة تدخلات المانحين بالجانب السياسي وطالب بإلحاح بالمعونات الاقتصادية قرر ان يتصرف بالطريقة التي راها مناسبة.  ويبدو واضحا ان صالح ومن خلال قراره بالذهاب الى الانتخابات التشريعية والتعديلات الدستورية منفردا قد أخطأ تماما في قراءة تفاعلات البيئات السياسية الداخلية، والإقليمية، والدولية، ومن المحتمل ان يكون صالح قد ظن ان بإمكانه ان ينجح فيما كان الرئيس المصري محمد حسني مبارك والملك الأردني عبد الله الثاني قد نجحا فيه الا وهو عقد انتخابات مزورة تزيل من مجلس النواب أي تمثيل للمعارضة، وتعديل الدستور بما يلبي الاحتياجات المتجددة لأسرته المالكة.                   
وبينما مضى صالح في تنفيذ مخططاته غير الدستورية وغير القانونية فقد ظلت احزاب المعارضة المنضوية في اللقاء المشترك والشخصيات السياسية المستقلة ونشطاء المجتمع المدني وحتى بعض اعضاء الحزب الحاكم في مطالبة صالح بالعودة الى الحوار.  لكن صالح كان كما يبدو قد سد اذنيه أمام كل المناشدات. وعندما وجهت وزارة الخارجية الأمريكية في نهاية ديسمبر 2010 نداء الى الأحزاب اليمنية بتأجيل الإجراءات البرلمانية المتعلقة بتعديل الدستور والعودة الى طاولة الحوار، ردت الحكومة اليمنية باتهام الإدارة الأمريكية بالتدخل في الشئون الداخلية.            

تواريخ مهمة في ثورة اليمن الحالية
17 يوليو   2010
صالح يوافق على الحوار الوطني الشامل
24 سبتمبر 2010 
مجموعة اصدقاء اليمن تلتقي في نيويورك
31 اكتوبر 2010
المؤتمر الشعبي العام ينسحب من التحضير للحوار للوطني الشامل
11 ديسمبر 2010
الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم تعدل قانون الانتخابات بشكل منفرد
15 ديسمبر 2010
صالح يعين اعضاء اللجنة العليا للانتخابات من صفوف القضاة
31 ديسمبر 2010
الحكومة الأمريكية توجه نداء للأحزاب اليمنية لتأجيل أي اجراء برلماني بشأن تعديل الدستور والعودة الى الحوار
01  يناير 2011
الكتلة البرلمانية للمؤتمر الشعبي العام تقر في مجلس النواب من حيث المبدأ النظر في التعديلات الدستورية
14  يناير 2011
انهيار نظام الرئيس زين العابدين بن علي في تونس
25  يناير 2011
اندلاع الثورة المصرية
02  فبراير 2011
صالح يدعو الى العودة للحوار
03  فبراير 2011
احزاب اللقاء المشترك تنضم تظاهرة كبيرة في سائر انحاء الجمهورية تتويجا لشهر من المهرجانات الجماهيرية
11 فبراير 2011
مبارك يتخلى عن السلطة وبدء الثورة اليمنية في نفس اللحظة
18 فبراير 2011
سقوط عدد من القتلى في تظاهرة كبيرة في عدن
21 فبراير 2011
اللقاء المشترك والحوثيون يعلنون دعمهم لثورة الشباب
32 فبراير 2011
عشرة اعضاء مؤثرين في مجلس النواب يستقيلون من الحزب الحاكم احتجاجا على قمع الاحتياجات السلمية
25 فبراير 2011
مئات الالاف يتظاهرون ومقتل 10 على الأقل
26 فبراير 2011
شخصيات مشيخية محورية من حاشد وبكيل تعلن الالتحاق بالثورة
27 فبراير 2011
مقتل 12 متظاهرا على الأقل في مدينة عدن
01 مارس 2011
خروج الملايين في مظاهرات يوم غضب
10 مارس 2011
صالح يقترح تغيير الدستور وتبني النظام البرلماني والمعارضون يرفضون
13 مارس 2011
مقتل 8 اشخاص على الأقل وجرح العشرات في محاولة للشرطة اليمنية لفض الاعتصام امام جامعة صنعاء باستخدام غازات سامة، وفي مدن يمنية اخرى
14 مارس 2011
مقتل 5 محتجين في عدن
15 مارس 2011
استقالة معظم اعضاء المجلس المحلي لمحافظة عدن من مناصبهم ومن الحزب الحاكم احتجاجا على قتل المحتجين
18 مارس 2011

قناصة تابعين للأمن المركزي والحرس الجمهوري يقتلون على الأقل 52 من المعتصمين امام جامعة صنعاء ويجرحون المئات وصالح يعلن حالة الطوارئ
19 مارس 2011

علماء اليمن وشيوخ القبائل بما في ذلك قبيلة الرئيس ورجال الأعمال يطالبون صالح بالرحيل درءا للفتنة وقادة المعارضة يعتصمون مع الشباب لأول مرة
20 مارس 2011
صالح يقيل الحكومة نتيجة لتزايد عدد الاستقالات من بين صفوف الوزراء احتجاجا على قمع المحتجين
21 مارس 2011
علي محسن الأحمر وقادة عسكرين آخرين ينضمون الى ثورة الشعب؛ واستقالة سفراء اليمن في 18 دولة
25 مارس 2011
مئات الالاف يتظاهرون  مطالبين صالح بالرحيل
26 مارس 2011
صالح يتراجع عن اتفاق مع المعارضة على نقل السلطة لنائب يسميه
28 مارس 2011
انفجار في مصنع الذخيرة بعدن يخلف اكثر من 150 قتيلا
01 ابريل 2011
مئات الالاف يخرجون الى الشوارع في اكثر من 15 محافظة مطالبين برحيل الرئيس
03 ابريل 2011
المعارضة اليمنية تقدم رؤية لحل الأزمة اليمنية تتضمن رحيل صالح
04  ابريل 2011
سقوط 17 قتيلا في تعز و7 في الحديدة  على ايدي رجال امن وبلاطجة  وجرح المئات؛ الولايات المتحدة تطالب صالح بالرحيل
05   ابريل 2011
صالح يحاول اغتيال اللواء علي محسن ومقتل 4 اشخاص
06   ابريل 2011
دول مجلس التعاون الخليجي تتقدم بمبادرة لحل الأزمة اليمنية تتضمن رحيل صالح



العاملان التونسي والمصري
سارع صالح بعد انهيار نظام زين العابدين بن علي في تونس في 14 يناير 2011 الى جمع كبار قادة الجيش في قاعة كبيرة بالعاصمة صنعاء وقال لهم وللمتابعين عبر الفضائيات بأن اليمن ليست تونس، وربما اتفق الكثير من اليمنيين معه في الراي بان اليمن تختلف في بعض الجوانب عن تونس. ومع ذلك قرر صالح وكأجراء وقائي رفع مرتبات العاملين في قطاعات الدولة  المدنية والعسكرية ووجه الحكومة الى استيعاب 25% من العاطلين من خريجي الجامعات وتأسيس صندوق لدعم الشباب.
أما بعد أن انتقلت الثورة الى مصر وبدأت تكتسب قوة وزخما فقد تخلى صالح عن التلويح بالقوة وسارع بدلا عن ذلك الى الدعوة لعقد اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشورى في الـ2 من فبراير 2011. لكن الموعد الذي حدده صالح للاجتماع كان يسبق بيوم واحد فقط تظاهرة كبيرة كانت احزاب اللقاء المشترك دعت اليها في الثالث من فبراير وهو ما يعني ان صالح كان يناور كعادته. ومع ان صالح اعلن في الاجتماع بصوت عال بانه "لا تمديد، ولا توريث"، ودعا فيما اسماه بالمبادرة الى تأجيل الانتخابات والتعديلات الدستورية والعودة الى طاولة الحوار. لم يطلب من المجلسين اتخاذ قرارات تلغي تعديلاته غير الدستورية على قانون الانتخابات أو تحل اللجنة العليا للانتخابات أو تسحب التعديلات الدستورية المقدمة. كان صالح يحاول فقط كسب الوقت ليرى الى اين تقود الرياح العاتية التي انطلقت بتونس وحطت بمصر وباتت تهدد عرش اليمن. كل ما دعا اليه ذلك اليوم كان عبارة عن تصحيح للأخطاء والتجاوزات التي ارتكبها خلال الأشهر السابقة. والأكثر من ذلك انه وبدلا من ان يتخذ الإجراءات اللازمة لإلغاء التجاوزات التي كان قد قام بها فانه جعل اتخاذ تلك الإجراءات موضوعا للتفاوض مع المعارضة. وفشلت مناورة صالح واخرجت المعارضة الالاف الذين هتفوا لأول مرة خلال سنوات حكم صالح يطالبونه بالرحيل.
اندلاع الثورة
وربما كانت نقطة التحول الهامة لنظام صالح قد حدثت في مساء 11 فبراير عندما سقط نظام حسني مبارك. ففي ساعتها ولحظتها خرج النشطاء من الشباب الى الشوارع للاحتفاء بالمناسبة والتظاهر ضد صالح. اما صالح فقد دعا الى اجتماع عاجل لمجلس الدفاع الوطني وبعض القادة السياسيين وسارع الى اخراج قوات الجيش والأمن بثياب مدنية للاعتداء على المتظاهرين واحتلال ميدان التحرير حتى يمنع النشطاء من بدء اعتصام هناك. ومع ان صالح بدا اشطر من بن علي ومبارك الإ ان احتلال ميدان التحرير بكل ما يحمله من رمزية لم يمنع الشباب من خلق ميدان التغيير أمام جامعة صنعاء بكل ما يحمله المكان من رمزية.  وانتشرت الاحتجاجات في غضون ايام قليلة الى العديد من المدن اليمنية وحطمت حواجز الطبقية والفئوية والجغرافيا. ومع ان اللقاء المشترك تردد كثيرا في البداية في اللحاق بالركب بكل ثقله الا انه سرعان ما وجد نفسه محاصرا بالأصوات المنتقدة لتردده.   واذا كان 11 فبراير يمثل تاريخ ميلاد الثورة فإن يوم 18 مارس يمثل التاريخ الفعلي لسقوط نظام صالح.  فقد ادت المذبحة الى ارتكبها نظامه الى انهيار مريع داخل ذلك النظام وبحيث انتقل ثقل الشرعية الى الثورة.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق