الثلاثاء، 25 فبراير، 2014

حوار اليمن الشامل: قراءة سريعة في المخرجات والمآلات المحتملة


عبدالله الفقيه* عن موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 24 فبراير 2014 

في الـ25 من يناير 2014، وبعد أكثر من 10 أشهر من الأزمات والتوترات والتفجيرات والاغتيالات، أحتفل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وبعض قيادات الأحزاب السياسية ومن تبقى من 565 مشاركا بانتهاء، وربما الأصح إنهاء، أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي كان قد بدأ جلساته في 18 آذار/مارس 2013 بإشراف جمال بن عمر المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الملف اليمني وسفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية (سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة الى المانيا والسعودية والكويت والإمارات وعمان).

كانت مقاعد مؤتمر الحوار، الذي ترأس اعماله الرئيس هادي قد توزعت باقتراح من مستشار الأمين العام للأمم المتحدة بعد ان فوضته القوى السياسية المشاركة في التحضير للحوار بذلك، على المؤتمر الشعبي العام وحلفاؤه 112، التجمع اليمني للإصلاح 50، الحزب الاشتراكي اليمني 37، التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري 30، الحراك الجنوبي السلمي 85، انصار الله (الحوثيون) 35، الشباب 40، النساء 40، المجتمع المدني 40، احزاب وفعاليات اخرى 34، قائمة الرئيس 62. 

وبينما سيطر الرئيس هادي على عضوية القائمة الخاصة به وقائمة الحراك، فقد تقاسم هو أو مقربين منه مع الأحزاب والقوى الأخرى مقاعد المرأة والمجتمع المدني والشباب. ووفقا للنظام الأساسي للمؤتمر، فقد وزعت حصص القوى المختلفة بطريقة تضمن في النهاية المناصفة في مقاعد الحوار بين الشمال والجنوب. 

وتركزت مقاطعة الحوار بشكل اساسي في تيار متشدد في الحراك الجنوبي يطالب بما يسميه "فك الارتباط" ويقوده علي سالم البيض، نائب الرئيس اليمني السابق خلال الفترة (1990-1994). وقد نجح الرئيس هادي بفعل انتمائه للجنوب، وشعوره بأن القضية الجنوبية هي ورقته السياسية الرابحة، وهي بالفعل كذلك، في استمالة العديد من العناصر الفاعلة في تيارات الحراك للمشاركة في الحوار بينما عمل في ذات الوقت على عزل واضعاف العناصر المتشددة. ولم يتردد هادي أكثر من مرة في التضييق على عناصر الحراك التي اظهرت تشددا بعد التحاقها بالحوار ودفعها الى الانسحاب واستبدالها بأخرى، ويبدو ان الأمور داخل الجنوب تميل بشكل متزايد وسريع ، خوفا من سيف المعز أو طمعا في ذهبه، لصالح هادي والقوى الجنوبية التي شاركت في الحوار. 

وقد خرج مؤتمر الحوار بما سمي بـ"وثيقة الحوار الوطني الشامل" وهي عبارة عن "كشكول" يبلغ عدد صفحاته حوالي 350 صفحة ويحتوي على تقديم ومقدمة، والبيانات الصادرة عن المؤتمر، وتقارير فرق العمل التسع التي شكلها المؤتمر النصفية والنهائية، ووثيقة ضمانات تنفيذ مخرجات الحوار والبيان الختامي، وغير ذلك من النصوص والوثائق والبيانات. 

ويركز هذا المقال بشكل أساسي على القرارات التي تم التوصل اليها حول شكل الدولة، الذي جاء في إطار حل القضية الجنوبية، وضمانات تنفيذ مخرجات الحوار، على اعتبار أنها من وجهة نظر كاتب هذا التحليل، أهم القرارات التي توصل اليها الحوار، بينما يكتفي بتسجيل ملاحظات عامة حول المخرجات الأخرى والمالات المتوقعة للمخرجات. 

شكل الدولة 

مرت المفاوضات السابقة على قيام الوحدة بين شطري اليمن بالعديد من المحطات ابتداء باتفاق القاهرة في 28 اكتوبر 1972 وانتهاء باتفاق عدن التاريخي عام 1989 ، وفي كل تلك المحطات كان التأكيد دائما على ضرورة قيام الوحدة الاندماجية بين الشطرين، ربما لسببين: الأول، يتعلق بوحدة الهوية اليمنية وعمقها التاريخي وصعوبة اعادة صياغتها؛ والثاني لإدراك القيادات اليمنية المتعاقبة ان القيمة الأساسية للوحدة اليمنية تكمن في التكامل الخلاق الذي يمكن ان تحدثه الوحدة الاندماجية. 

وصحيح أن الجنوبيين خضعوا للاستعمار البريطاني وعاشوا في ظل دولة مستقلة تسمى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لما يزيد بقليل عن العقدين (1967-1990) الإ ان تلك الدولة لم تعمل على تطوير هوية مستقلة، ونص دستورها في مادته الثانية على أن "الشعب اليمني شعب واحد" و "الجنسية اليمنية واحدة." 

ومع قيام الوحدة اليمنية وتزايد مخاوف بعض القوى الخارجية من التغيير الذي يمكن ان تحدثه الدولة الجديدة في موازين القوى بدأ الترويج للفدرالية، وأدى الصراع على السلطة بين النخب الشمالية والجنوبية فيما بعد الى دخول تلك النخب في حوار وطني (1993-1994) خرج في النهاية بما اسمي "وثيقة العهد والاتفاق" التي تبنت خيار فدرالية الشطرين كبديل عن الوحدة الاندماجية. 

وعندما تركزت السلطة بأشكالها المختلفة بعد حرب عام 1994 بيد الرئيس السابق وابناء قريته واقاربه، عاد الحديث حول الفدرالية الى الظهور. ومع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كانت الفدرالية، وفي ظل وجود داعم خارجي، قد اصبحت فكرة مهيمنة عند الكثير من النخب السياسية اليمنية. 

وفي حين ان النخبة الاشتراكية الجنوبية طرحت الفدرالية في عام 1994 كخطوة تكتيكية نحو الانفصال، فقد رأت النخب الشمالية والجنوبية على السواء في السنوات السابقة على سقوط نظام علي عبد الله صالح ان الفدرالية، غير الشطرية، يمكن ان تكون الخيار الوحيد المتاح لتفكيك النظام الفردي والأسري والقروي المتخلف الذي تطور في عهد صالح. لكن الفدرالية لم تكن ولا يمكن ان تكون خيارا استراتيجيا لشكل الدولة في اليمن وذلك ببساطة لأنها لا يمكن ان تنجح، وهي إما ان تكون خطوة نحو تحلل الدولة في حال خيار الفدرالية متعددة الأقاليم، او خطوة تكتيكية تمهد للانفصال في حال تبني خيار الإقليمين على خطوط ما قبل عام 1990. 

لقد أنتفى الغرض تماما من الفدرالية، من وجهة نظر كاتب هذا التحليل، بسقوط نظام صالح وصعود نخبة جنوبية الى السلطة، يمكنها ان تصحح اختلالات الوحدة وترد المظالم الى أهلها. ومع ذلك أستمرت الفدرالية كفكرة مهيمنة بسبب استمرار الدعم الخارجي للفكرة، طبيعية النخب السياسة القائمة والطريقة التي تعمل بها، واعتقاد بعض النخب بأن الفدرالية ستحسن من طالعها السياسي. 

ولم يكن غريبا على ضوء ما سبق أن يتبنى مؤتمر الحوار الوطني الشكل الفدرالي/الاتحادي للدولة. فقد كان واضحا منذ البداية، وقبل انعقاد مؤتمر الحوار، أن هذا القرار قد تم اتخاذه منذ وقت مبكر. ولم يكن هناك اي معارضة تذكر لخيار الفدرالية بين القوى المشاركة، لكن موافقة أي قوة على قرار في سياق كالذي تعيشه اليمن لا يعني بالضرورة الاقتناع بأفضلية ذلك القرار أو بجدواه. 

وبينما اختلف المتحاورون حول عدد الأقاليم، حيث ذهب الحزب الاشتراكي الى أن فدرالية الإقليمين هي الأجدى والأنفع والأكثر قدرة على الحفاظ على الوحدة الوطنية، فضل آخرون الفدرالية متعددة الأقاليم بحجة أنها تحمي الوحدة اليمنية. وفي نهاية المطاف، فوض المتحاورون الرئيس هادي بتشكيل لجنة برئاسته تتولى تحديد عدد الأقاليم، والنطاق الجغرافي لكل إقليم. 

وقد شكل الرئيس هادي تلك اللجنة، بعد انتهاء الحوار، واتخذت اللجنة قرارا في غضون 10 أيام بتبني فدرالية مكونة من 6 أقاليم، اربع منها في الشمال واثنين في الجنوب، وتم توزيع المحافظات الـ21 الحالية على الأقاليم الستة. وتدل مجريات الأحداث على أن قرار الفدرالية متعددة الأقاليم كان قد أتخذ –ايضا— في وقت مبكر، بدليل ان الرئيس هادي، كثيرا ما تحدث عن الأقاليم الستة، حتى قبل بدء مؤتمر الحوار. 

وفي حين يصر قادة الاشتراكي اليمني على أن حزبهم وقع بتحفظ على خيار الفدرالية متعددة الأقاليم، وانه متمسك بفدرالية الإقليمين، فإنه لا يوجد ما يدل على جدية الاشتراكي في معارضة القرار. وبالمثل فإن الحوثيين، وهم الطرف الوحيد الذي لم يوقع حتى الان على قرار تبني فدرالية متعددة الأقاليم، لا يظهرون اي قدر معقول من الجدية مما يجعل موقفهم اقرب ما يكون الى المعارضة الديكورية المتفق عليها مسبقا بين قوى الحوار. 

وتم التوافق أيضا، وفي موضوع على علاقة بشكل الدولة، على تمثيل الجنوب خلال الدورة الانتخابية الأولى بعد إقرار الدستور الاتحادي "بنسبة خمسين في المئة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية بما فيها الجيش والأمن" وهذا القرار يذكر بالمعادلة التي طبقت خلال السنوات الثلاث الأولى بعد قيام الوحدة مباشرة والتي كانت من أهم اسباب الخلاف الذي أفضى الى الحرب الأهلية في صيف عام 1994، ولا يقلل من خطورة هذا القرار انه تم تقييده بفترة واحدة. 

ومع ان ملامح الفدرالية اليمنية لن تكتمل على الصعيد النظري والقانوني حتى يتم الانتهاء من صياغة الدستور الجديد واقراره في استفتاء شعبي، وسن القوانين ذات العلاقة، الإ ان ما تم التوصل اليه حتى الان يؤشر الى أنها: 1) انها لا تشبه اي نموذج فدرالي معروف في العالم؛ 2) سيتم بنائها من الأعلى الى الأسفل؛ 3) تقوم على مواطنة تدرجية تُعطى فيها الحقوق للأقاليم وليس للمواطنين وتختلف حقوق اليمني، وخصوصا السياسية من إقليم الى آخر؛ 4) تفتقر في مجملها الى الواقعية والعلمية والقابلية للتطبيق، واذا ما طبقت وهذا مستبعد بالنظر الى وضع المركز الذي سيقوم بالبناء، والى التكلفة المادية المطلوبة، فان اقصى ما يمكن لها ان تحققه هو اعادة صياغة المركزية القائمة بما يسمح للحاكم الفرد او القلة في المركز بأن تحافظ على الاستقرار في البلاد وتضمن البقاء في السلطة من خلال اسلوب الرقص على رؤوس الثعابين الذي كان يتبعه الرئيس السابق في ادارة القبائل والمناطق ومراكز القوى في اليمن. 

ضمانات الحوار 

رغم ان القوى التي شاركت في الحوار الوطني، تبدو في المجمل ولأسباب كثيرة يطول شرحها منفصلة عن القاعدة الشعبية، وعن الرأسمال السياسي، ورغم أن الهدف الأساسي من الحوار الوطني كما حددته المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية هو البحث في عملية صياغة الدستور والإصلاحات الدستورية المطلوبة، والبحث عن حلول للقضية الجنوبية، ووضع تصور حول تشكيل لجنة صياغة الدستور وتحديد أعضائها، وغير ذلك من المسائل النظرية التي تفضي في النهاية الى انتخابات عامة حرة ونزيهة يقرر فيها الشعب من يتولى السلطة، الإ أن القوى المشاركة قد انحرفت بمسار المؤتمر وجعلت همه الأول هو: تدريب وتلميع نخبة سياسية جديدة بقيادة الرئيس هادي، والبحث في الطرق والأساليب المختلفة التي يمكن من خلالها لتلك النخبة الجديدة الهيمنة والتمديد والتأبيد لنفسها في السلطة.

ونجحت تلك النخبة في تضييع الوقت، وتعطيل مهام الانتقال، وأوصلت البلاد الى وضع لا بد معه من التمديد للمرحلة الانتقالية. ورفعت بعد ذلك شعار "شركاء في وضع الأسس...شركاء في التنفيذ" وشأنها في ذلك شأن الطبيب الذي يصف الدواء للمريض ثم يصر على أن يشربه بنفسه حتى يتعافى المريض. ولم تكتفي بذلك، بل دعت أيضا الى حل حكومة الوفاق المشكلة بموجب المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية، وحل مجلسي النواب المنتخب والشورى المعين اللذين تم التمديد لهما بموجب المبادرة الخليجية حتى انتهاء الفترة الانتقالية، وعلى ان يعاد تشكيل الحكومة ومجلسي النواب والشورى من قبل الرئيس هادي ومن بين أعضاء مؤتمر الحوار. كما اقترحت، فوق كل ذلك، إنشاء مرحلة تأسيسية مدتها خمس سنوات تعمل خلالها تلك المؤسسات المشكلة بقرار رئاسي على بناء الدولة الاتحادية. 

وعندما تبين لتلك النخبة صعوبة تنفيذ الخطوات الراديكالية التي كانت قد وضعتها لجأت الى تبني مشروع التدرج وتوافقت فيما بينها، وهذه هي القرارات الوحيدة في مخرجات الحوار التي يتوفر لها الحد الأدنى من الجدية وليس الشرعية بالضرورة، على ما يلي: 

أولا، استمرار الرئيس هادي الذي كان يفترض ان تنتهي فترته في 21 فبراير 2014 في اداء مهامه حتى يتم تنصيب رئيس جديد للبلاد بموجب الدستور الذي سيتم صياغته، وهو ما يعني تمديد مفتوح للرئيس هادي. 

ثانيا، "يقوم رئيس الجمهورية بممارسة صلاحياته الدستورية للتغيير في الحكومة بما يضمن تحقيق الكفاءة والنزاهة والشراكة الوطنية." ورغم ان النص لا يخلو من غموض الا انه من الواضح ان القوى الممثلة في الحوار تركت تفسير ما يعنيه هذا النص بالضبط للسياق السياسي، وما يمكن ان يسمح به. والتفسير الممكن الان لهذا النص هو أن الرئيس هادي يمكنه ان يُعدل في بنية الحكومة ويطعمها بعناصر من التي شاركت في مؤتمر الحوار، وان كانت مسالة تغيير معادلة التمثيل المتبعة في حكومة الوفاق لاستيعاب لاعبين جدد لا تبدو سهلة. 

ثالثا، يتم توسيع مجلس الشورى المعين، والذي يبلغ عدد أعضائه الان 111، بما يضمن تمثيل جميع القوى التي شاركت في مؤتمر الحوار، وبنفس النسب مع مراعاة اعطاء 50% من المقاعد للجنوب. وليس من الواضح حتى الان ما هي القيمة السياسية التي يمكن ان تضيفها خطوة مثل هذه وخصوصا في ظل الاختصاصات الإسمية والشكلية التي يمارسها مجلس الشورى. 

رابعا، توسيع "لجنة التوفيق"، وهي احدى لجان مؤتمر الحوار التي شكلها ويراسها هادي شخصيا وتضم حاليا 24 عضوا، وتحويلها الى هيئة وطنية تمثل فيها جميع القوى التي شاركت في مؤتمر الحوار بنفس نسب التمثيل وعلى ان لا يقل عدد ممثلي اي قوة أو فعالية عن مقعدين مع مراعاة حصول الجنوب على 50% من المقاعد والنساء 30% والشباب 20% . وتتولى هذه الهيئة الإشراف والمتابعة على تنفيذ مخرجات الحوار، وعلى لجنة صياغة الدستور. 

خامسا، أن يتم خلال سنة من تاريخ انتهاء الحوار انجاز المهام المتصلة بصياغة الدستور الجديد والاستفتاء عليه، التوعية بمخرجات مؤتمر الحوار واستكمال بعض المهام المتصلة بعودة القوات المسلحة الى معسكراتها واخلاء المدن من المليشيات، ولا يعتقد ان هناك اي جدية في الالتزام بالفترة الزمنية المحددة، وما يفهم من مخرجات الحوار فيما يتصل بهذه النقطة ان هناك استراتيجية للتأجيل والتسويف وان مهام هذه المرحلة قد تستغرق وقتا أطول بكثير من فترة السنة. 

سادسا، تبدأ بعد الاستفتاء على الدستور، وقبل حدوث اي انتخابات رئاسية او برلمانية، مرحلة انتقالية ثالثة يحدد الدستور الجديد مدتها اطلق عليها "محطة تأسيس الدولة الجديدة وإجراء الانتخابات" يتم خلالها بناء الدولة الاتحادية من النواحي الفنية والقانونية، ثم يتم بعد ذلك اجراء الانتخابات. ولم تشر المخرجات بوضوح الى الجهة التي ستقوم بإقرار القوانين الجديدة الخاصة ببناء الدولة الاتحادية لكنه يفهم من السياق ان مجلس الشورى الذي سيعاد تشكيله بالتعيين أو ربما لجنة التوفيق المنبثقة عن مؤتمر الحوار سيكون هو المسئول عن مثل هذا الأمر. 

سابعا، لم تشر القرارات المتصلة بوضع المؤسسات المختلفة الى وضع مجلس النواب خلال المرحلة القادمة، وهو ما يعني ضمنيا حل المجلس الذي تجاوزت فترة خدمته الـ10 سنوات، واصبح مفتقدا لأي مشروعية أو شرعية، وخصوصا بعد أن رحبت الأحزاب المشاركة في الحوار بالمخرجات بما فيها تلك الأحزاب التي تتقاسم مقاعد مجلس النواب. ويزيد من قوة هذا التفسير النص الوارد اعلاه والمتصل بالتغيير في الحكومة حيث أن الرئيس هادي سيجد صعوبة بالغة في إحداث اي تغيير في بنية الحكومة يمكن ان يطيح بالتوازن السياسي الذي وضعته المبادرة الخليجية وذلك لان الرئيس السابق ما زال يتمتع بنفوذ قوي داخل المجلس من شأنه أن يربك اي تحرك في هذا الاتجاه. 

القرارات الأخرى 

تتصف القرارات المتصلة بشكل الدولة وضمانات الحوار بانها اتفاقات جانبية توصلت اليها الأطراف السياسية خارج أطر مؤتمر الحوار الوطني وتم إقرارها بالتوقيع من قبل الأطراف المشاركة، ثم تم بعد ذلك إضفاء شرعية الحوار عليها بإدراجها ضمن مخرجات فرق الحوار ذات العلاقة أو بإقرارها من خلال الجلسة العامة لمؤتمر الحوار. وعلى العكس من ذلك، فإن القرارات التي اتخذتها الفرق التسع التي كونها المؤتمر، وبعضها على الأقل في غاية الأهمية، تم الاكتفاء بالتصويت عليها داخل كل فريق في حين أقتصر دور الجلسة العامة على استعراض تلك التقارير وابداء الملاحظات حولها للفرق وإقرارها بالمجمل. 

وفي حين تم تصنيف تلك القرارات إعلاميا الى قرارات سيتم اسقاطها في الدستور أو القوانين ذات العلاقة، وتوصيات سيتم مراعاتها في رسم السياسات العامة، الإ إن ذلك لا يبدو ممكنا في الغالب في ظل كثرة تلك القرارات وتشعبها، وجود تناقضات بينها، الصياغات الركيكة وغير الواضحة، عدم الواقعية في الكثير منها، وغلبة نزعات المماحكات السياسية على اعتبارات المصلحة العامة في الكثير منها. 

فقد تبنى فريق "بناء الدولة"، على سبيل المثال، نظاما انتخابيا نسبيا هو نظام القائمة المغلقة، ورغم أهمية الخطوة وما تتضمنه من تغيير جذري الا أن قابليتها للتطبيق في ظل الظروف القائمة تعتبر محل شك كبير ويخشى أن طبقت أن تتحول من اداة للتحديث السياسي وبناء الديمقراطية الى أداة لتحرير النخب الجديدة من المسائلة الشعبية وبناء حكومة القلة المستبدة. كما تبنى ذات الفريق، وكمثال ثان، "حظر" اي حصانة من المسائلة لكل من يتولى وظيفة عامة، بما في ذلك رئيس الجمهورية، والزامهم بتقديم اقرار الذمة المالية لأنفسهم، ولأبنائهم، وزوجاتهم، خلال شهر من التعيين أو انتهاء الخدمة. ويبدو القرار في شكله العام مثاليا لكن قابليته للتطبيق على ارض الواقع ضعيفة. 

وتبنى فريق "قضية صعدة"، كمثال ثان، قرارا بـ"اعتبار اي سلوك أو علاقة فردية خارج الدولة ]بدولة أخرى[ جريمة تمس الأمن الوطني" وقرار مثل هذا لا يمكن أن يطبق سوى في ظل دولة شمولية قوية كالاتحاد السوفييتي السابق. 

وغلبت النوستالجيا—حالة الحنين الى الماضي على الكثير من القرارات، ويمكن ارجاعها الى الحضور القوي للنخبة الجنوبية التي عاشت وان لفترة قصيرة في ظل دولة "الرعاية من المهد الى اللحد" والتي لم تعد ممكنة في عصرنا. ويندرج ضمن هذا النوع العشرات، ان لم يكن المئات، من القرارات التي اتخذت من قبل مختلف الفرق، والتي تطالب او تلزم الدولة أو الحكومة بالقيام بوظائف معينة أو إنشاء هيئات جديدة أو تقديم خدمات لا تمثل اولوية، أو ببساطة لا يمكن للدولة ولا الحكومة في ظل الظروف القائمة والظروف المتوقعة خلال المدى المتوسط توفير التمويل لها. 

وحضرت بقوة عادة تفصيل القرارات على مقاس الرئيس في قضايا يفترض ان تكون وطنية واستراتيجية. فقد تبنى فريق "بناء الدولة"، مثلا، نظاما رئاسيا تتم مراجعته بعد دورتين انتخابيتين ودراسة امكانية الانتقال الى نظام برلماني، رغم ان كافة القوى الممثلة في مؤتمر الحوار ما عدا بعض القوى الصغيرة جدا دخلت الحوار وهي تتبنى النظام البرلماني باعتباره الأمثل والأنسب للبلاد. ضف الى ذلك أن تبني النظام الرئاسي لم يعكس نفسه على الترتيبات المؤسسية في مجملها التي تشكل ملامح نظاما سياسيا مختلطا من حيث الشكل واستبداديا من حيث المضمون، ويشبه ان لم يتطابق تماما مع النظام الذي ثار عليه اليمنيون. 

المآلات المتوقعة 

تؤكد مخرجات مؤتمر الحوار ان "نخبة موفنبيك"، نسبة الى فندق الخمسة نجوم الذي استضاف مؤتمر الحوار لأكثر من 10 أشهر، لا تثق بالشعب اليمني وبقدرته على التمييز والاختيار ولذلك فقد عينت نفسها وصية على اليمنيين، لفترة قد تطول كثيرا. 

واذا كان الشعب اليمني قد تم تغييبه تماما في كل الجوانب المتصلة بالحوار، وأسيئ استخدام اصوات التزكية التي اعطاها للرئيس هادي في 21 فبراير 2012 كي يقود البلاد لفترة سنتين يتم في نهايتها اعادة السلطة الى الشعب الذي هو مصدرها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يثق اليمنيون بــ"نخبة موفنبيك" ومشروعها السلطوي الذي يمكن تلخيصه في "نحن" بدلا عن "هم"؟ واذا كان الجواب بان موقف الشعب لا يهم، فماذا سيكون موقف جماعة "هم"؟ 

والواضح، كإجابة للسؤالين المطروحين، إن نخبة موفنبيك بقيادة الرئيس هادي تراهن على موقف الخارج الذي يمكن أن يرجح الكفة لصالحها. والقاعدة هنا هي، أن ما تم بمباركة الأمم المتحدة وسفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية، لا يحتاج الى مشروعية أو شرعية إضافية. ولذلك فإن المتحاورين، الذين لم يحترموا المبادرة الخليجية ولا قرارات مجلس الأمن الدولي، لم ينسوا أن يضمنوا مخرجات الحوار فقرة تقول "نطالب أمين عام الأمم المتحدة مواصلة المساعي الحميدة وفق قراري مجلس الأمن 2014 و2051 ونطلب من مجلس الأمن عبر الأمين العام دعم الجهود اليمنية لتطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ومراقبة تقدم العملية الانتقالية...الخ."

وما أن انتهى الاحتفال، بإنهاء مؤتمر الحوار الوطني، حتى طار بن عمر الى نيويورك ليحيط مجلس الأمن في جلسة عقدت يوم 28 يناير 2014، كما ذكر في تصريحات صحفية عقب الجلسة، بأن اليمنيين قد انهوا مؤتمر الحوار وحققوا "انجاز تاريخي" وأن الرئيس هادي "أظهر قيادة قوية"، وان عناصر من النظام السابق لا تزال "تتلاعب بمسار التغيير وتعرقله وتقوضه بهدف العودة الى الوراء" وأن "هناك عرقلة ممنهجة وواضحة تشكل تهديدا حقيقيا قد يغرق البلاد في فوضى اذا لم يتم ازالة التهديد فورا" وأن "كل المكاسب التي تحققت هي الان مهددة." 

لم يشر بن عمر، وهو محق بكل ما قال، في تصريحاته لماذا فقط بعد الزيارتين 26 و27 لليمن توصل لمثل هذا التقييم للوضع. كما لم يقل ايضا لماذا اصبح يتبنى تفسيرات الرئيس هادي تحديدا للمبادرة الخليجية واليتها التنفيذية. ولم يجد بن عمر نفسه مضطرا للدفاع عن استقلاليته في مواجهة الاتهامات الخطيرة له بأنه اصبح يصطف مع فريق معين في مواجهة الأطراف الأخرى. ولم تنشر حتى الان على الأقل الإحاطة التي قدمها بن عمر هذه المرة الى مجلس الأمن كما حدث مع سابقاتها. ومن غير المحتمل ان يكون بن عمر قد ذكر في احاطته الى مجلس الأمن، بان الرئيس هادي و"نخبة موفنبيك" هم أول المعرقلين لعملية الانتقال، وأن فاشية جديدة قد أطلت بقرونها من فندق الخمس نجوم. 

وبينما يراهن الرئيس هادي، وهو يتهيأ للقيام بالنقلة القادمة، على القرار الذي سيخرج به مجلس الأمن الدولي لدعم الترتيبات الجديدة، فإن مجلس الأمن الدولي لا يبدو في عجلة من أمره، ولا يُعتقد ان أمامه الكثير من الخيارات وخصوصا في ظل تناقض أجندات ومصالح أعضائه. والى أن يصدر مجلس الأمن الدولي قراره، ستظل شرعية مخرجات الحوار في مجملها، مشروعية استمرار الرئيس هادي في موقعه بعد انقضاء فترته، وإمكانية المضي قدما في استكمال خطوات العملية الانتقالية، محل جدل واسع، وربما أيضا وهو الأسوأ، محل صراع عنيف. 

* أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء. - رابط وثيقة الحوار الشامل في اليمن.






































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق