الخميس، 26 سبتمبر، 2013

الشهيد الزبيري يهجو حكام اليمن الجمهوريين


د/عبدالله الفقيه

لم يكن الشهيد محمد محمود الزبيري مجرد شاعر. كما لم يكن مجرد سياسي. ولم يكن الزبيري شاعرا بين الساسة وسياسيا بين الشعراء كما كان أو كما هو عليه اليوم حال بعض الشعراء وبعض السياسيين. لكن الزبيري كان أستاذا للشعراء وللسياسيين معا وأبا للأحرار والوطنيين. وقد جمع الزبيري في شعره بين حكمة السياسي وخيال الشاعر وبين العاطفة الوطنية الجياشة والرؤية السياسية الثاقبة. لا غرابة بعد ذلك أن يجد اليمنيون، وهم يقفون على عتبات القرن الواحد والعشرين في شعر الزبيري، وبعد مرور أربعين عاما على استشهاده، تعبيرا عن رؤاهم السياسية وبلورة لمشاعرهم الفياضة. والقارئ لبعض شعر الزبيري اليوم قد يشك في أن الزبيري قد مات بالفعل وربما خطر له أن الزبيري هو مسيح الشعر والسياسة في هذا العصر الذي خيل للناس انه قتل مع انه في الحقيقة لم يقتل.
الشهيد محمد محمود الزبيري


خطوات على الطريق
 
شهد شمال اليمن منذ ثلاثينيات القرن العشرين العديد من الإرهاصات التي مهدت للإطاحة بحكم آل حميد الدين في الشمال وإخراج الاستعمار البريطاني من الجنوب. كان النظام ألإمامي الذي حكم اليمن لقرابة إحدى عشر قرنا يعيش خارج العصر وقد حول اليمن بفعل السياسات العنصرية والمتخلفة إلى مكان أشبه ما يكون بمقبرة. وقد أدرك اليمنيون الذين تمكنوا من الخروج من اليمن سواء بغرض الهجرة أو الدراسة حجم المأزق الذي وجدت فيه اليمن نفسها تحت حكم آل حميد الدين. وانطلاقا من ذلك الإدراك كان هناك عدة محاولات للتغيير بعضها انطلق من أوساط الناس والبعض الآخر من أوساط الأسرة الحاكمة نفسها. وكان الزبيري، بخياله الشعري والثوري الواسع، في طليعة أولئك الذي هالتهم الفجوة بين اليمن والعالم من جهة وبينها وبين الدول العربية الأخرى من جهة ثانية. ويدل شعر الزبيري المليئ بالقلق الثوري والفلسفي وبالرغبة الجامحة في التغيير والتخلص من الظلم والعنصرية والجهل والفقر والمرض على الحب الذي حمله الزبيري لبلده وشعبه وعلى الأسى والإحباط الذي شعر به عند كل خذلان.

وكما كان الزبيري مجددا في الشعر كان أيضا مجددا في السياسة ورائدا من رواد الحركة الوطنية. أسس الزبيري، مع آخرين -وكان ما زال طالبا في مصر- كتيبة الشباب اليمني. ولعل إحساسه بمأساة «بلاد واق الواق» هو الذي جعله ينقطع عن الدراسة في مصر ويعود إلى اليمن في عام 1942 للقيام بأنشطة سياسية جعلت الإمام يحيى يلقي به في غياهب السجن. وعندما خرج من السجن استقر به الحال في عدن حيث أسس هناك مع احمد محمد نعمان حزب الأحرار في عام 1944م، وفي عام 1946 تغير اسم الحزب إلى «الجمعية اليمنية الكبرى». وبدأ الزبيري في اصدرا صحيفة صوت اليمن. وبعد فشل ثورة عام 1948 في شمال اليمن فر الزبيري إلى باكستان. وظل فيها إلى أن انتقل إلى مصر في عام 1952 وذلك بعد قيام الثورة المصرية. وفي مصر بدأ نشاطه النضالي من جديد.

قيام الثورة

وقد تكللت جهود اليمنيين، وبفضل الدعم المصري، بالإطاحة بالنظام الأمامي في 26 سبتمبر 1962، وعندها عاد الزبيري إلى صنعاء ليتولى حقيبة المعارف في الحكومة الجمهورية. لكن «الجمهورية العربية اليمنية» سرعان ما وجدت نفسها تعيش حالة حرب أهلية بين معسكرين: معسكر المناصرين للثورة والمدعوم بشكل رئيسي بالقوات العسكرية المصرية، ومعسكر الملكيين والمدعوم بشكل رئيسي من السعودية. كان الجمهوريون قد تقلدوا مفاصل السلطة في اليمن وكان بعض الناس على الأقل يتطلعون إلى تغيير جذري تأتي به الثورة ينقل اليمن من مملكة تعيش في القرون الوسطى إلى جمهورية تتفيأ ظلال القرن العشرين. وكان الوطنيون اليمنيون الذين قادوا حركة التغيير -وفي مقدمتهم الشهيد الزبيري- يريدون لبلادهم أن تلحق بركب البلدان الحديثة وان تتحول إلى قوة في جنوب شبه الجزيرة العربية تمثل امتدادا لنظام جمال عبد الناصر في مصر. كانوا يريدون أيضا طرد البريطانيين من جنوب اليمن كما طرد عبد الناصر البريطانيين من مصر. لكن الزبيري ورفيقه النعمان وعدد من ضباط الجيش الذين فجروا الثورة أصيبوا بخيبة أمل وهم يرون الثورة تسير في طريق غير الذي أرادوه لها. كانت سلطة المصريين وسيطرتهم على الشئون اليمنية تزداد يوما بعد آخر وكان هناك تيار جمهوري -ربما بحسن نية، وبدعم من المصريين- يحاول احتكار القرار السياسي ويصر على المضي قدما في حرب كان الزبيري ورفاقه يرون انه يمكن تجنبها.

الكارثة
 
مهد الزبيري للثورة بشعره ونشاطه السياسي. وعندما قامت الثورة كان طبيعيا أن يجد الزبيري نفسه في معسكر الجمهوريين. لكن الزبيري الوطني والشاعر الملهم والسياسي الناضج سرعان ما أدرك بان التغيير الذي كان يناضل من اجله قد انحرف عن مساره. وكان رد فعل الزبيري هو الاستقالة من منصبه الحكومي وتبني خطا يطالب بإصلاح مسار الثورة. وكانت قصيدة «الكارثة» التي يرى عمر بهاء الدين الأميري وهو احد رفاق الزبيري بأنها آخر ما كتبه الزبيري من الشعر، بمثابة تشخيص للخلل القائم يتجاوز الأسباب السطحية المباشرة إلى الأسباب العميقة لما رأى فيه الزبيري انحرافا بالثورة عن مقاصدها. يقول الزبيري في قصيدة «الكارثة» (والنص مأخوذ عن كتاب الدكتور رياض القرشي شعر الزبيري بين النقد الأدبي وأوهام التكريم):

هذا هو السيف والميدان والفرس
واليوم من أمسه الرجعي ينبجس

والبدر في الجرف تحميه حماقتكم
وانتم مثلما كنتم له حـــــــــــرس

أحالت الحمل المسكين خـــطتكم
ذئبا يزمجر في زهو ويفتــــرس

لولاكم لم يقم بدر ولا حســـــــن
ولم يـــعش لهما نبض ولا نــفس

ففي الأبيات السابقة يسجل الزبيري بحرقة شديدة ما يراه من تداخل بين الماضي والحاضر، بين الظالم والثائر، وبين الثورة والنظام الذي قامت الثورة ضده، وبين الضابط الجمهوري و«عكفي» الإمام. فزمن الثورة والتقدم هو في الواقع امتداد لزمن الرجعية والتخلف. والثوار في ممارستهم للبطش، من وجهة نظر الزبيري، لم يتجاوزوا تجربتهم كحراس للإمام. فهم يبطشون اليوم باسم الثورة بنفس الطريقة التي كانوا يبطشون بها بالأمس باسم الإمام.

ويبلغ انتقاد الزبيري لأقطاب النظام الجديد ذروته عندما يقرر بان ظهور حكم آل حميد الدين واستمراره، ثم وقوفه على قدميه بعد سقوطه ومحاولته للعودة إلى الحكم من جديد ما كان ليحدث لولا وجود أولئك الأشخاص الذين يمثلون سبب نشوء الاستبداد واستمراره. ويتابع الزبيري قصيدته مؤكدا على أن رموز العهد الجديد هم نتاج الماضي وانعكاس أمين لشناعته. يقول الزبيري:

هم الأولى غرسوكم محنة وأذى
ياليتهم أخذوا للجرف ما غرسوا

ما أشبــــــه الليلة الشنعا ببارحة
مرت، وأشنع من يهوي وينتكس

كأن وجـــــه الدجى مرآة كارثة
يرتد فيها لنــا الماضي وينعكس

وكل من رام قهر الشـعب متجه
لها، يريد الهدى منهـــا ويقتبس

ويذهب الزبيري في قصيدته إلى إيراد الأدلة على أن الحاكمين الجدد مثلوا امتدادا للماضي وليس انفصالا عنه حيث يقول:

يقلدون أفاعيل الإمــــــــــــام فــلو
رأوه يرفس من صرع به رفســوا

هذي القوانين رؤياه تعاودهـــــــم
قد البسوها نفاق العصر والتبــسوا

روح الإمامة يسري في مشاعرهم
وان تغيرت الأشكـــــــال والأسس

متى حـــــــــــكمتم بقانون وقد قتل
الآلاف أو سحقوا كالدود أو كنسوا؟

فالممسكين بزمام الأمور بعد قيام الثورة، من وجهة نظر الزبيري، يقلدون الإمام في كل شيء. ولو أن الإمام بدأ يركل بقدمه بسبب إصابته بمرض «الصرع» لبدأ رموز العهد الجديد يركلون بإقدامهم بنفس الطريقة ظنا منهم أن الرفس هو من لزوميات الحكم. أما الطريقة التي يتم الحكم بها فلا تختلف في الواقع عن الطريقة التي حكم بها الإمام وان كان قد تم سن قوانين جديدة وتولية أشخاص جدد في الحكم. ومن وجهة نظر الزبيري، فان الذي لم يحكم بالقانون قبل الثورة لن يحكم به بعدها. ثم يتابع الزبيري منددا ومحذرا:

عار على صـــــانع القانون يكتبه
وحكمه في بحـــــــار الدم منغمس

كفى خداعا فعين الشعب صاحية
والناس قد سئموا الرؤيا وقد يئسوا

ثم يصور الزبيري دموية الحكام الجدد بقوله:

لم «القوانين» فن المـــوت في يـــدكم
والحقد رائدكم والحق مــــــــــــرتكس

وانتم عودة للامس قد قبر الطغاة فيكم
وعادوا بعـــــــــــــــــــــــدما اندرسوا

وانتم طبـــــــــــــــــــــــعة للظلم ثانية
تداركت كل ما قد أهمــــــــلوا ونسوا

وفي الأبيات السابقة يتساءل الزبيري عن جدوى القوانين في ظل حقد الحكام على شعوبهم وعلى الأحرار منهم. ثم يحمل على الحكام بقوة فيتهمهم بأنهم أسوأ من الأئمة في ممارسة الظلم وفي الدموية. وينتقل الزبيري بعد ذلك إلى مجابهة رموز النظام الجديد غير خائف ولا هياب من سياسة القتل والاغتيال التي يتبعونها حيث يقول:

إن شئتموا فاقتلوا من ليس يعـــــــجبكم
أو من ترون لهم في قربــــــــــكم دنس

وأحرقونا «بغاز» كلما اجتمع الأحرار
وفكروا في الرشـــــــــــــــد أو حدسوا

وحاسبوهم متى شئتم حســــــــــــــابكم
الطاغي إذا سعلوا في النوم أو عـطسوا

وفي الأبيات السابقة يظهر الزبيري مناضلا من طراز رفيع ورجلا لا يخاف إرهاب الحكام. وتؤكد الأبيات السابقة على أن الزبيري كان يدرك الطبيعة الإرهابية والدموية لمن كان يهجو. وربما أراد من دعوته للحكام بإحراق الأحرار بالغاز عندما يسعون إلى البحث عن مخرج للبلاد تشبيه الحكام الجدد في بطشهم ودمويتهم بالنازيين. كما تؤكد الأبيات السابقة أيضا على أن الشطر الأول من البيت الأول من قصيدة الكارثة والذي يقول فيه «هذا هو السيف والميدان والفرس» قد كان بمثابة استلهام لشخصية المتنبي بما مثلته من قوة في الشعر وفي الفعل ومن تضحية في سبيل الفكر الذي يؤمن به.

ويمضي الزبيري في هجاء الحكام الجدد ساخرا من غفلتهم ومن عدم قدرتهم على ادراك التحديات والمخاطر المحيطة بهم حيث يقول:

من حظكم أن هول الأمر مــستتر
عنكم وان شعاع الشمس منطمس

وان صوت الخراب الفظ أغنــية
ترتاح أنفســــــــكم منها وتأتنس

هناءة الحكم أن أطغاكم بلـــــــــه
عن الكوارث واستغواكم حــرس

ثم يفضح الزبيري دجل السياسيين الجدد ومحاولتهم التدليس على الشعب بإصدار القوانين التي لا تختلف في نظر الزبيري عن صكوك الغفران التي كان يبيعها قسس الكنائس للمسيحيين. يقول الزبيري:

أوراقكم لشراء الشــــعب تذكرنا
ما باعه قسس بالصك واختلسـوا

أتنــــــــــكرون عليهم بيع جنتهم
يا قوم لا تخـــــدعونا كلكم قسس

قانونكم لاغتصاب الحكم مهزلة
كترهات إمام مسه الـــــــــهوس

ثم يعود الزبيري إلى التحدي والرفض للحكام المستبدين مهما لبسوا من ثياب. فاستبداد الثوار لا يختلف كثيرا عن استبداد الأئمة. والظلم في نظر الزبيري هو الظلم وان تم تشريعه بنصوص قانونية. أما الموت فهو الموت وسواء أكان على يد الأئمة أو على يد الحكام الجدد وسواء أكان بالسيف أو بطلقة من مدفع يطلقها الثوار. ويسخر الزبيري من الحكام الجدد ومن المتخصصين في القانون الذين يشرعون للحرب دون أن يدركوا معناها أو يخبروا آثارها. يقول الزبيري:

والحكم بالغصب رجعي نقاومـــــــــه
حتى ولو لبس الحكام ما لبســــــــــوا

والظلم يعلنه القانون نفــــــــــــــــهمه
ظلما وإن زينوا الألفاظ واحتــــرسوا

والمـــــوت من مدفع حر نقول لــــــه
مـــــــوتا وان أوهمونا انه عــــــرس

والمستشارون في القانون لو حضروا
حربا لما كتبوا سخـــــــــفا ولا نبسوا

ويتوعد الزبيري الحكام الجدد برفض شعبي لقوانين العبودية التي يتم سنها. ومرة أخرى يسخر الزبيري من الحكام الجدد فيتمنى أن يكون لهم نفس القدر من المعرفة عن أمور الحرب الذي تملكه الصواريخ الفاقدة للقدرة على الحس والتعقل. يقول الزبيري:

يلــــــــــــــفقون قوانين العبيد لنا
ونحن شعب أبي مـــــارد شرس

ليت الصواريخ أعطتهم تجاربها
فإنــها درست أضعاف ما درسوا

استشهاد الزبيري

عاش الزبيري حياته ولسان حاله «بعثت عن هبة أحبوك يا وطني» ثم توفاه الله عز وجل ولسان حاله يردد «فلم أجد لك إلاَّ قلبي الدامي». وكما عاش الزبيري حياته صادق الشعر وصادق النضال، مات ايضا صادق الشعر والنضال. لقد صدق الزبيري شعبه ما وعد فسقط شهيدا وهو يقاوم ما رأى فيه حكما استبداديا رجعيا يتقنع بالجمهورية في حين انه في جوهره أكثر سوءا من حكم الأئمة. ومع أن قاتل الزبيري ما زال مجهولا الا أن الأطراف السياسية المستفيدة من مقتله، والتي ضاقت بتحركاته بين القبائل وبنشاطه السياسي، كانت وما زالت معروفة. وبغض النظر عن شخص قاتله، فان القتلة قد قدموا لقراء الزبيري ومحبيه الدليل القاطع على أن الزبيري لم يكن مبالغا عندما أبدى استعداده للشهادة في سبيل القضية الوطنية، ولم يكن مبالغا كذلك في هجائه للحكام الجدد وفي فضح أساليبهم الدموية. ولو أن الزبيري لم يتم اغتياله لنظر الناس إلى قصيدته "الكارثة" اليوم على أنها مجرد مبالغة من شاعر في ساعة حمق.

ولم يدم الحال طويلا للقوى التي ناضل الزبيري ضدها قبل الثورة وبعدها. فالجمهوريون الذين تمترسوا خلف القوات المصرية وعلى حساب السيادة اليمنية سرعان ما زال حكمهم بمجرد خروج المصريين من اليمن بعد هزيمة خمسة يونيو عام 1967. وكان ذلك بمثابة تأكيد ثالث لصدق شعر الزبيري وأمانته ولرؤيته السياسية الثاقبة. فقد ذكر الزبيري في سياق قصيدته أن الحكام الجدد غير مدركين لطبيعة التحديات القائمة برغم أنها واضحة وضوح الشمس، وان ما يحسبونه فرحا يرقصون له هو في الحقيقة نعيق الخراب القادم.

بالنسبة لآل حميد الدين فقد اضطروا إلى القبول بصلح بين الملكيين والجمهوريين تم بموجبه وضع نهاية لحكمهم. ولم يختلف ما تم التوصل إليه بعد سنوات من الحرب عما كان يريد الزبيري الوصول إليه منذ البداية وقبل حدوث الخسائر الكبيرة في الأموال والأرواح.

وبدلا من أن يستفيد اليمنيون من تجارب بعضهم البعض ومن دروس التاريخ حدث العكس فقد أعاد التاريخ نفسه في تجربة الحركة الوطنية في جنوب اليمن. فبدلا من أن يؤدي خروج البريطانيين من جنوب اليمن إلى إسدال الستار على المعاناة وتجفيف نزيف الجرح الوطني إذ بالأمور تتطور في اتجاه معاكس. فالتخلص من حكم المستعمر القائم على التهميش والتفرقة والاستغلال وفرض مصالح ورؤى مجتمع على مجتمع آخر سرعان ما أعاد إنتاج نفسه بشكل أكثر بشاعة وحدة ودموية من الوضع الذي وصفه الزبيري. بدأ الثوار يناضلون ضد بعضهم البعض وضد أبناء شعبهم وادخلوا البلاد في دوامة من العنف جعلت شعر الزبيري يبدو وكأنه موجها لهم وليس لغيرهم. فباسم التقدمية مورست أبشع أنواع التصفيات وبشكل بدا معه حكم المستعمر أكثر رأفة من حكم التقدميين من «الرفاق».

موضع الخلل

كان الزبيري متصوفا في شعره وفي نضاله. وقد توقع أن سقوط حكم آل حميد الدين في شمال اليمن (و خروج البريطانيين من جنوبه) سيضع نهاية للظلم والاستغلال والاستبعاد والحكم القائم على التفرقة وشخصنة السلطة والاستبداد بها وغير ذلك من الأمراض والاختلالات التي تراكمت عبر القرون. وربما راهن الزبيري في أمله بالنجاح على ما يحمله الثوار بين ضلوعهم من رغبة في التغيير ومن قدرة على قيادة مجتمعاتهم وتوحيد شعوبهم واستشراف التحديات وغير ذلك من الملكات. لكن التطورات السياسية سرعان ما كشفت بأن مشكلة اليمنيين كانت اكبر من مجرد الإطاحة بآل حميد الدين أو إخراج البريطانيين من الجنوب. كانت الأمراض والاختلالات قد تجذرت في النفوس وتحولت إلى ثقافة وقناعات والى مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية لها وجودها المستمر في الوعي. وإذا كان الثوار أو بعض منهم في شمال اليمن وجنوبه قد أعادوا إنتاج كل القيم والممارسات والمؤسسات التي ثاروا عليها فإنهم لم يفعلوا ذلك بسبب طبائعهم الشريرة او كرههم لأبناء مجتمعهم. كل ما في الأمر أنهم كانوا أوفياء لعصرهم وانعكاسا صادقا ومخلصا لظروف مجتمعاتهم.

فقد أراد الثوار في شمال اليمن وجنوبه تغيير أوضاع الشعب اليمني والتخلص من الاستعمار والاستبداد لكنهم، وبحكم محدودية التجربة وقرون العزلة التي فرضت عليهم، افتقروا إلى البديل الثوري الذي كان يمكن أن يملأ الفراغ الذي نتج عن سقوط الحكم الأمامي ورحيل المستعمر. وبرغم جهودهم المضنية في البحث عن بديل أفضل إلاَّ أن كل عملية بحث قاموا بها قادتهم إلى النموذج الذي ثاروا عليه. وكانوا معذورين في ذلك. فقد كان نموذج الإمام أو المستعمر (بكسر الميم) هو النموذج المتأصل في وعيهم. ولا غرابة بعد ذلك إن بحث بعضهم وبشكل مستمر عن إمام في حين بحث البعض الآخر عن مستعمر آخر

- نشر في صحيفة الوسط في ابريل 2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق