الجمعة، 21 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية... (28)



شهدت العلاقات السعودية الفرنسية منذ أن أصبح سلمان ابن عبد العزيز (الأمير في ذلك الوقت) وزيرا للدفاع في عام 2011 ووليا للعهد في عام 2012 تطورا ملحوظا، ويرجع ذلك جزئيا على الأقل إلى سياسة توزيع الأدوار التي لجأ إليها الأمريكيون في ظل احتدام الصراع على السلطة داخل الأسرة المالكة في السعودية، وشعورهم بأنهم لا يستطيعون أن يكونوا قريبين من الملك عبد الله (تيار غير السديرين)، ومن ولي العهد (تيار السديرين)، في الوقت ذاته، وبالدرجة ذاتها.

ولعل الرئيس أوباما قد شعر، مع تقدم عملية التفاوض الأولية مع إيران خلال عامي 2013 و2014، وعلى نحو متزايد أنه سيكون عليه في مرحلة ما، وخصوصا بعد أن استنزف مخزون الثقة الذي كان يحتفظ به الخليجيون في علاقاتهم معه، ارتداء مسوح الرهبان والظهور بمظهر القديس الذي يعامل أبناء الله كلهم بطريقة واحدة. ضف إلى ذلك أن أوباما  كان يشعر بالقلق من أن  تأتي مرحلة   يصم فيها الخليجيون آذانهم كلما تحدث، ومهما كانت جودة ما يقول. ولأن ترك  "عيال الله" في الخليج يفعلون ما يريدون، لم يمثل أبدا خيارا معقولا، فقد كان على اوباما أن يكون ابتكاريا في البحث عن حلول حتى لو استدعى الأمر أن يتلبس في مظهره وجه شخص آخر. 



وبالتزامن مع التقدم الذي كانت تحققه المفاوضات بين إيران والـ5+1، بدأ الدور الفرنسي في الخليج يتنامى أكثر فأكثر. وأخذت العلاقات بين فرنسا وقبائل الخليج وفي مقدمتها آل سعود تشهد وبشكل مفاجئ ارتفاعا سريعا في درجة الحميمية. وفي المقابل، كان الدور السياسي الألماني في إيران يشهد ازدهارا مماثلا.

وبدت فرنسا، بما أشيع عن مواقفها المتشددة تجاه البرنامج النووي الإيراني، وكأنها أصبحت الممثل والناطق الرسمي باسم دول الخليج العربي على مائدة المفاوضات بين إيران ودول الـ5+1.  ونتيجة لذلك، وخلال فترة قصيرة، تجاوزت قيمة صفقات السلاح التي عقدتها دول الخليج مع فرنسا، ومعظمها لشراء طائرات رافال، الـ14 مليار دولار.  وبلغت العلاقات الخليجية الفرنسية حدا تجاوز كل التوقعات بالإعلان عن مشاركة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولند، الذي أصبح في أعين الخليجيين بمثابة "الرجل الطيب"، في القمة التشاورية الخامسة عشر لقادة دول مجلس التعاون والتي كانت ستعقد في مدينة الرياض في مايو 2015، ليكون بذلك أول رئيس دولة غربي يحضر قمة خليجية في سابقة عدت الأولى من نوعها منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981. وظل الطرف الذي وجه الدعوة إلى هولند مجهولا، الأمر الذي يفهم منه أن الرئيس هولند كان في الأساس ضيفا ثقيلا.  
    
وأثارت مسألة مشاركة الرئيس الفرنسي في قمة خليجية والغرام الخليجي المفاجئ بسيد الشانزليزيه، وبالمقاتلات الفرنسيات من طراز "رافال"، التي لم تكن في الحقيقة تحظى بشعبية على المستوى الدولي منذ كشف الغطاء عنها في عام 1988، الكثير من الأسئلة  والقليل من الأجوبة. وفيما  ظن البعض أن فرنسا وليس أمريكا هي التي تقوم بتنفيذ الضربات الجوية في اليمن، بدليل صفقات الأسلحة التي انهالت عليها فجأة، ذهب آخرون إلى أن فرنسا ورغم كونها حليف تاريخي للديمقراطيين في أمريكا، بدأت تعمل على ملء الفراغ الذي بدأ الأمريكيون يتركونه خلفهم في منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها الخليج. لكن تخلي الأمريكيين عن مصالحهم في الخليج لفرنسا، هكذا ببساطة، بدا أمرا يصعب تصديقه.     
 

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(27)


عمل الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي اتصفت علاقته مع السعوديين بالتوتر الشديد، خلال مرحلة التفاوض مع إيران على طمأنة إسرائيل والسعودية بشأن مخاوفها الأمنية.  وكانت أهم خطوة قام بها اوباما هي دعوته بالتزامن مع وصول المفاوضات مع إيران إلى مراحلها النهائية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى اجتماع  في "كامب ديفيد" بالولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر مايو 2015، وذلك بهدف مناقشة ما لدى القادة الخليجيين من تحفظات ومخاوف بشأن المفاوضات التي تجري مع إيران.

كانت الحجة الأساسية بالنسبة لأوباما، والتي سيؤكد عليها المرة تلو الأخرى، هي أن أي اتفاق يمكنه تقييد قدرة إيران على امتلاك السلاح النووي، ولو لفترة عشر سنوات ، يظل ومهما كانت محدوديته وأوجه القصور التي يعاني منها، أفضل من عدم وجود أي اتفاق على الإطلاق، وقد صيغت حجته باختصار لتقرأ "صفقة سيئة أفضل من عدم وجود أي صفقة." وكان يمكن لحجة أوباما أن تكون مقبولة ومقنعة لو أن الخلاف مع إيران اقتصر على برنامجها النووي. لكن الوضع لم يكن كذلك.

فبالنسبة للسعودية وإسرائيل، كانت المشكلة الأساسية التي لا يتم الحديث عنها صراحة في تلك المرحلة هي حصول إيران على أموالها المجمدة والتي قدرت بحوالي 150 مليار دولار ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وما يمكن أن يعنيه كل ذلك بالنسبة للدور الإقليمي الذي تلعبه ولموازين القوة المختلة أصلا في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. وكان الحديث عن تلك الأمور، بسبب ما تم شرحه في حلقة سابقة، يشبه الدوس على أصابع قدم اوباما أثناء النزهة معه.   



وصحيح أن السعودية وإسرائيل كانتا وما زالتا تشعران بالخوف والقلق من تطوير إيران لقنبلتها النووية، غير أن ما كان يخيفهما حينها أكثر من نووي إيران هو الطريقة التي ستؤثر بها الأموال التي ستحصل عليها إيران على المسائل التالية:

الأول، تعاظم القوة العسكرية لإيران وإن بطابعها التقليدي،  فالصواريخ  الإيرانية القادرة على الوصول إلى أي مكان في السعودية أو إسرائيل والتي تتطور باستمرار شكلت وستظل دائما تشكل مصدر قلق للدولتين.

الثاني، تنامي الدور الإقليمي لإيران حتى وهي محاصرة اقتصاديا على حساب الدور السعودي ليس فقط في العراق وسوريا ولبنان ولكن في اليمن ومنطقة الخليج ذاتها. وبالنسبة لإسرائيل، فإن تنامي الدور الإقليمي لإيران  في ظل العداء المستحكم بين الدولتين، والطابع الديني للنظام، قد جعلها تشعر على نحو متزايد بالتهديد على نحو أكبر مما تشعر به السعودية.

الثالث، قدرة إيران على توظيف السكان الشيعة في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن كأذرع بما يمكنها من خوض حروب بالوكالة سواء مع إسرائيل أو مع السعودية مع وجود إمكانية لخلق اذرع أخرى بما في ذلك داخل السعودية ذاتها. 

الرابع، المواقف المتشددة لإيران من القضية الفلسطينية والتي مثلت دائما إحراجا للسعودية التي تقدم نفسها كدولة قائدة للمسلمين بشكل عام والمسلمين السنة بشكل خاص، لكنها رغم ذلك تتبع، بطريقة مهينة أحيانا، المواقف الأمريكية المنحازة دائما لصالح إسرائيل. كما مثلت المواقف الإيرانية المتشددة تهديدا بالنسبة لإسرائيل، الدولة صغيرة الحجم بطبيعتها والمحاطة بشكل مباشر بثلاثة من الأذرع الإيرانية (حزب الله في لبنان، حركة حماس في فلسطين، والعلويون الذين يحكمون سوريا).        

الخامس، الطابع الديني الشيعي للنظام الإيراني والذي يقدم رغم الاختلاف المذهبي بديلا إسلاميا مقبولا للنموذج السياسي الاسلامي السني الذي تتبعه السعودية.          

ولا يعرف لماذا اختار أوباما المنتجع الرئاسي سيئ السمعة المعروف بـ "كامب ديفيد" كمكان للاجتماع. كان المنتجع، الذي يقع في ولاية ميرلاند، قد ارتبط في الذاكرة العربية بانطباع سلبي كونه شهد خلال عامي 1978-1979  المفاوضات المصرية الإسرائيلية برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (ينتمي إلى الحزب الديمقراطي). وقد أدت تلك المفاوضات التي عقدت  في "كامب ديفيد"، رغم المعارضة السعودية والعربية لها، إلى توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979. فهل أراد اوباما مثلا إيصال رسالة للسعودية فحواها بأن المفاوضات مع إيران ماضية  بالرغم من أي معارضة وأن تلك المفاوضات ستكلل في النهاية بالنجاح كما حدث مع المفاوضات المصرية الإسرائيلية؟

لا يستبعد أي شيء بالنسبة لنوايا أول رئيس ملون يحكم أمريكا. فقد أصبح أوباما في سنته السابعة في البيت الأبيض يمارس السياسة بصفاقة يصعب فهمها أو حتى تبريرها، وليس من المستبعد بالتالي أن يكون قد أختار "كامب ديفيد" قاصدا اهانة وإذلال ضيوفه الخليجيين وفي مقدمتهم ملك السعودية.        

أما توقيت القمة، فقد كان اغرب من مكانها، لأن اوباما سعى إلى عقدها بالتزامن مع إقرار الكونجرس للقانون الذي يعطي مجلسيه بأغلبيتهما الجمهورية  الحق في مراجعة أي اتفاق تتوصل إليه إدارة اوباما مع إيران، وكأن أوباما أراد من خلال القمة أن ينظم عرضه المسرحي الخاص الذي يتحدى به الكونجرس، دون أن يأخذ في الاعتبار مشاعر ومصالح الكائنات التي  اسند إليها الأدوار الرئيسية في المسرحية التي يقوم بإخراجها.  ومثل تصرف مثل هذا اهانة أخرى لضيوفه.

الاثنين، 17 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(26)

كان التحدي الأكبر والأخطر الذي واجهه السعوديون خلال الأسابيع الأولى من الحرب هو العمل على حل، أو على الأقل احتواء، حالة الفوضى والخلافات التي تعيشها الأطراف السياسية اليمنية النازحة إلى السعودية حتى لا تنعكس الخلافات والفوضى السائدة على شرعية الحرب ذاتها.

وتمثل التحدي بالنسبة للسعوديين، في أن ما سمي بـ"الشرعية اليمنية" والتي يحتشد عناصرها خلف الرئيس هادي لم تكن في حقيقة الأمر سوى خليط من القيادات العسكرية، الأحزاب والعقائد، والمشايخ والوجاهات، والفعاليات التي لا يجمعها من رابط سوى الولاء للسعودية. وإذا كانت تلك المكونات، وبينها من يكره هادي أكثر مما يكره خصومه في الداخل، قد أعلنت الولاء للشرعية مجسدة بهادي، فإنها لم تفعل ذلك، إلا لأنها افترضت أن ذلك هو ما تريده السعودية، وأن حفاظها على المصالح سيتوقف على انحيازها ذاك.


وزاد من حدة المشكلة أن الانقسامات في أوساط الشرعية اليمنية تطابقت أيضا مع انقسامات في أوساط الأسرة الحاكمة في السعودية، وفي أوساط النخب السعودية المؤثرة، وكذلك بين دول التحالف ذاتها، وهو ما جعل تحقيق الانسجام في مواقف الشرعية أمرا في غاية الصعوبة.

كان الأمريكيون بدورهم قد طوروا حساسية لكل ما يمت إلى السعودية في اليمن أو الإسلام السني بصلة. وقد غذى رئيس اليمن السابق علي عبد الله صالح تلك الحساسية باتهاماته لقادة الجيش اليمني ولقادة وأعضاء حزب الإصلاح وللمشايخ الذين انضموا إلى الثورة الشبابية ضد نظامه في عام 2011 والمدعومين من السعودية وقطر، بدعم الأنشطة الإرهابية التي تمولها السعودية على الأراضي اليمنية.

وبالنسبة لقيادات وناشطي حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن، والذي يمثل التنظيم الجامع للمنتمين إلى حركة الإخوان المسلمين والمناصرين لهم، فقد وجدت السعودية نفسها خلال الأشهر الأولى من حكم سلمان، منقسمة بشأن الطريقة المثلى للتعامل معهم، في ظل ضغوط أمريكية عليها بأن تلتزم بما سبق أن أعلنته في مطلع شهر مارس عام 2014 من اعتبار حركة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وأن تعمل على حرمانهم من تحقيق أي مكاسب من خلال الحرب الدائرة.

وفي حين حددت السعودية مع بداية الحرب، وفي موقف يناقض الموقف الأمريكي والإماراتي، الرئيس السابق وأفراد أسرته كأعداء وأكدت بأنه لن يكون لهم أي دور مستقبلي، فإنها كانت في المقابل تجد صعوبة في الدفع بالمحسوبين عليها من أمثال اللواء الركن على محسن الأحمر وأبناء الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى الواجهة للعب أي ادوار هامة.

وبينما كان اللواء الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع، و الذي خرج إلى السعودية في سبتمبر 2014 بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء، ينتظر وقد وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه أن يتم تعيينه بصفته العدو اللدود للحوثيين نائبا للرئيس، أدت الانقسامات داخل السعودية ذاتها وبين السعوديين والأمريكيين إلى مسارعة هادي بتعيين بحاح نائبا للرئيس بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، رغم ما تحمله الخطوة من غباء، ومن تضييق لقاعدة ما سمي بـ"الشرعية" في وقت كان يفترض العمل على توسيعها.

كان من الواضح أن محسن نفسه والموالين له من قيادات وقواعد حزب الإصلاح وبعض التيارات الحزبية الأخرى، وبعض القيادات العسكرية والمشايخ والوجاهات الاجتماعية، يضغطون جميعا لتعيين محسن نائبا للرئيس، لكن بحاح الذي كان يتطلع إلى وراثة هادي نظرا لما يحظى به من إجماع في أوساط القوى السياسية أو هكذا أعتقد، رأى في وجود نائب للرئيس خطرا على تطلعاته، وضغط كما يبدو في اتجاه تعيين نفسه نائبا للرئيس، في حين أن هادي ذاته المعروف بمحدودية قدراته، لم يفطن إلى ما يرمي إليه بحاح.

وهكذا وجه هادي، من خلال تعيين بحاح نائبا للرئيس إلى جانب عمله كرئيس لمجلس الوزراء في 12 ابريل 2015 ، إلى ما اسمي بـ"عاصفة الحزم" أحيانا، و"إعادة الأمل" أحيانا أخرى صاروخا أصابها منذ البداية بجرح بليغ، ووسع الفجوة بينه وبين محسن رغم العلاقة التاريخية التي تربط بينهما حيث كان اللواء الأحمر بمثابة "العراب السياسي" لهادي منذ وصول الأخير فارا من جنوب اليمن عقب المواجهات الدموية بين الأجنحة المتصارعة داخل الحزب الاشتراكي في مدينة عدن في عام 1986.



وفي اليوم التالي لتعيين بحاح، خرجت محطة مآرب الغازية للكهرباء ومقرها مدينة مآرب، والتي تعد المسئولة عن توليد الجزء الأكبر مما تنتجه البلاد من الكهرباء، عن الخدمة فدخلت البلاد في ظلام دامس ممتد لم تخرج منه حتى الآن.

الجمعة، 14 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(25)

وفرت الحرب التي تخوضها السعودية "اسميا" على رأس تحالف هلامي على الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق في اليمن (هكذا صورت الحرب في البداية) الفرصة الذهبية للرئيس الأمريكي باراك أوباما  للضغط على السعوديين والإيرانيين على السواء وتطويعهم لما يريد الوصول إليه من اتفاق حول البرنامج النووي لإيران من خلال آلية الـ5+1.  وصحيح أن السعوديين والأمريكيين قد قضوا قرابة عقد ونصف في الإعداد للحرب على اليمن، وأنفقوا مئات المليارات من الدولارات في عمليات الإعداد والتجهيز للحرب، غير أن الصحيح أيضا أن دور السعوديين أنفسهم في الحرب وهو محدود بطبيعته تأثر بدرجة كبيرة، وخصوصا خلال الأشهر الأولى من الحرب، بالعوامل الثلاثة التالية:


أولا، الصراع على السلطة داخل الأسرة الحاكمة في السعودية بين تيار السديرين، وتيار غير السديرين، وهو الصراع الذي عمل منذ عام 1975 كإحدى المحركات الهامة للصراعات والأزمات والتطورات الدراماتيكية في المنطقة العربية، بما في ذلك قيام ثورات الربيع العربي (ثورات السديرين) والثورات المضادة (ثورات غير السديرين). ولأن الحرب على اليمن كانت "سديرية بحتة"، فقد أدى رحيل الأميرين سلطان بن عبد العزيز ولي العهد ووزير الدفاع ونايف بن عبد العزيز ولي العهد وزير الداخلية إلى تآكل سريع في المعرفة المتوفرة بشأن عمليات التحضير.   

ثانيا، حداثة الملك سلمان بالحكم من جهة، وافتقاره إلى الخلفية الأمنية التي امتلكها إخوانه السديرين، سلطان ونايف، من جهة ثانية. ولم يكن سلمان قد قضى في السلطة عشية قيام الحرب على اليمن كملك لا ينازع سوى شهرين وبضعة أيام.

ثالثا، طريقة أوباما في إرباك خصومه وحلفائه على السواء حيث عمل بفضل علاقات إدارته بإيران، وبالرئيس اليمني السابق الذي خدم لوقت طويل في المخابرات المركزية الأمريكية، على إرباك السعوديين من خلال اختيار توقيت الحرب بما يتلاءم والأهداف التي أراد الوصول إليها.

وبينما كانت أمريكا تنفذ العمليات الجوية وتدير الحرب من كافة الأوجه وإن بشكل خفي، وتعمل على منع أي طرف خلال مرحلة التفاوض مع إيران من تحقيق أي اختراق، كانت السعودية المرتبكة والمنقسمة على نفسها مشغولة باستقبال القيادات السياسية والحزبية والإعلامية والعسكرية والفضوليين والمغامرين والباحثين عن فرص من خبرة الرئيس هادي وبياعو المسابح من اليمنيين عامة وزوجات وعشيقات احمد بن دغر، وترتيب أوضاعهم القانونية والمعيشية. وفوق كل ذلك، كان على السعوديين أن يعملوا على استيعاب الآلاف من اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب في سوريا  ليلتقوا بها وجها لوجه  وعلى غير موعد في اليمن، ولم يكن أمامهم من منفذ سوى الفرار إلى السعودية.

وافتقرت السعودية  بقيادة الملك سلمان لأي خطة قابلة للتطبيق فيما يتعلق بالحرب سواء للمستقبل القريب، أو البعيد، وكان حالها أشبه ما يكون بالمزارع الذي حرث الأرض وقلبها وهيئها وحين جاء موسم البذر فوجئ بأنه لا يملك البذور ولا يدري ماذا ولا كيف يبذر بالضبط.  وإذا كان السعوديون قد نجحوا، أو هكذا اعتقدوا، في فرض حصار جوي وبحري على الموانئ اليمنية البرية والبحرية والجوية لمنع أي دعم بشري أو عسكري أو اقتصادي من الوصول للحوثيين، فإنهم قد واجهوا على نحو متزايد خلال الأسابيع الأولى للحرب  التحديات التالية:

أولا، إعادة اليمنيين العالقين في مختلف دول العالم، والذين قدر عددهم بنحو 25 ألفا، إلى بلادهم بطريقة أو بأخرى مع ضمان عدم تسلل غير اليمنيين معهم. وتصدرت القاهرة كمحطة يقصدها اليمنيون وخاصة من كبار السن للإستطباب، رأس القائمة بعد أن زاد عدد العالقين فيها وفق تقديرات صحفية  على 5 آلاف.

ثانيا، إعادة النظر في الحصار المفروض على دخول المشتقات النفطية إلى اليمن نظرا للنتائج الكارثية لمثل ذلك الإجراء، الذي لم يكن له أي مبرر عسكري معقول، على حياة المدنيين وخصوصا على قطاعات المواصلات والاتصالات والمرافق الطبية والأعمال الحرفية.

ثالثا، رغم أن الأمريكيين كانوا قد نجحوا بأساليبهم وطرقهم الخاصة في إبعاد الحوثيين عن الحدود السعودية خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب (إرسالهم عمدا وفي ظل تفاهمات وتكتيكات مع الإماراتيين والرئيس السابق  إلى المحافظات الجنوبية ليكونوا بعيدين عن جبهة الحدود)، إلا أن الوضع  تغير بعد ذلك، وبدأت أطراف الداخل توجه جهودها نحو الحدود مع السعودية وهي الجبهة الوحيدة التي حظيت بالتأييد الشعبي منقطع النظير وسقط فيها الكثيرون في معركة عدها اليمنيون عادلة.  

رابعا، العمل على إدارة الخلافات في صفوف الشرعية بطريقة تمنعها من التأثير سلبا على شرعية واستمرارية الحرب.

الأحد، 9 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(24)


انتخب باراك حسين أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2008 بأغلبية كبيرة من أصوات أعضاء المجمع الانتخابي حيث حصل على 365 صوتا مقابل 173 لمنافسه الجمهوري السيناتور جون ماكين (1936-2018). وجلب فوز أوباما، الذي يعد أول شخص اسود ينتخب كرئيس، الكثير من الآمال والتطلعات الكبيرة داخل أمريكا، وعلى المستوى الدولي.

ولم يفز الحزب الديمقراطي بالرئاسة فقط، بل أنه حصل في الكونجرس (الدورة 111 والتي تبدأ من يناير 2009 وتنتهي في يناير 2011) على أغلبية كبيرة في مجلس النواب الذي يبلغ عدد مقاعده المنتخبة  435 وفي مجلس الشيوخ الذي يبلغ عدد مقاعده 100. حصل الديمقراطيون في مجلس النواب على 256 مقعدا مقابل 178 للجمهوريين،  وفي مجلس الشيوخ على 57 مقعدا مقابل 41 للجمهوريين.

كانت انتخابات نوفمبر 2008 بمثابة ثورة أمريكية  على 8 سنوات عجاف من حكم الجمهوريين شهدت خلالها الولايات المتحدة عددا من الأحداث الكارثية أهمها:  هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001؛ الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003؛ والأزمة المالية العامية في عامي 2007-2008. 


لكن عامين من حكم الرجل الأسود (او الملون بالأصح) للبيت الأبيض كانت كفيلة بقلب الموازين. فقد خسر الديمقراطيون في الانتخابات النصفية في نوفمبر 2010 أغلبيتهم في مجلس النواب وانخفض عدد مقاعدهم إلى 193 مقعدا مقابل 242 للجمهوريين. وانخفضت أغلبيتهم في مجلس الشيوخ إلى 51 مقابل 47. أما بعد انقضاء قرابة 6 سنوات على حكم أوباما، فقد بلغ وضع الديمقراطيين في مجلسي الكونجرس مستوى أسوأ بكثير مما  وصل إليه في انتخابات نوفمبر 2010.  فقد انخفض عدد مقاعد الديمقراطيين في انتخابات نوفمبر 2014 في مجلس النواب إلى 188 مقعدا وفي مجلس الشيوخ إلى 44 مقعدا.     

وبينما كانت دول الخمسة زائدا واحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تخوض المفاوضات النهائية مع إيران بشأن برنامجها النووي، كان أمام الرئيس أوباما احد خيارين: الأول، اعتبار الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه مع إيران "معاهدة دولية" وهذه تتطلب في النهاية موافقة مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين (67 عضو من عدد أعضائه الـ100)، وهو ما بدا على ضوء توزيع المقاعد في مجلس الشيوخ مستحيلا؛ والثاني، معاملة الاتفاق على أنه التزام سياسي ليس له قوة القانون بالنسبة للمواطنين الأمريكيين ولا يحتاج نتيجة لذلك إلى التصديق عليه من قبل مجلس الشيوخ، ويمكن الانسحاب منه في أي وقت بقرار من الرئيس. وتعاملت إدارة اوباما مع الاتفاق المتوقع التوصل إليه مع إيران على أنه اتفاق من النوع الثاني، أي "التزام سياسي."

وقد فطن المعارضون للاتفاق النووي مع إيران داخل أمريكا، وأبرزهم الحزب الجمهوري واللوبي الصهيوني، وخارج أمريكا وأبرزهم إسرائيل والسعودية للخطوة التي قام بها اوباما فتحرك الكونجرس في مايو 2015، في سياق جدل بشأن قانونية خطوة اوباما في اعتبار الاتفاق مع إيران مجرد التزام سياسي ولا يتطلب مصادقة مجلس الشيوخ، وسن في 14 مايو قانونا يعطي الكونجرس بمجلسيه الحق بمراجعة أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إيران بشأن برنامجها النووي من خلال آلية الـ5+1. واقر مشروع القانون بمجلس الشيوخ في 7 مايو بأغلبية 98 مقابل 1، وفي مجلس النواب في 14 مايو بأغلبية 400 مقابل 25.  

 ومع أنه كان بإمكان اوباما استخدام الفيتو ضد ذلك القانون، إلا أنه فضل أثناء مناقشة الكونجرس لمشروع القانون التلويح بالفيتو للحصول على بعض التنازلات في صياغة نصوص القانون، وعندما وصل إليه القانون بالصياغات التي أرادها، وقعه بدلا من الاعتراض عليه. وحتى لو كان اوباما قد اعترض على القانون، فقد كان واضحا أن هناك اغلبيات كبيرة تدعمه في المجلسين ويمكنها بالتالي إسقاط اعتراض الرئيس بسهولة.  

ورغم أن البعض أعتبر خطوة أوباما في الموافقة على قانون مراجعة أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إيران من قبل الكونجرس "استسلاما"، إلا أن كل ما فعله أوباما، مكرها لا بطل، هو أنه أجل استخدام الفيتو. ففي حال راجع الكونجرس الاتفاق المحتمل التوصل إليه، وقرر رفضه فإنه سيفعل ذلك من خلال مشروع قانون سيرسل بعد إقراره من قبل مجلسي الكونجرس إلى الرئيس، وبإمكان الرئيس حينئذ استخدام الفيتو وإعادته إلى الكونجرس الذي سيحتاج في هذه الحالة إلى أغلبية الثلثين في المجلسين لإسقاط اعتراض الرئيس، وهو أمر سيكون صعبا، رغم الاغلبيات التي يتمتع بها الجمهوريون في المجلسين.

ومع أن اوباما واجه صعوبات بالغة في الحكم نتيجة سيطرة الجمهوريين على الكونجرس أو على احد مجلسيه، إلا أن أكثر ما كان يقلقه بالنسبة للاتفاق مع إيران ليس المعارضة الجمهورية المحتملة في الكونجرس. كان الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية وإسرائيل، وما يتبعهما من لوبيات ومناصرين وشركات للعلاقات العامة وخبراء في الاتصال السياسي، في تاليب الكونجرس وإثارة الرأي العام الأمريكي والدولي ضد الاتفاق، هو أكثر ما يقلقه.