الاثنين، 29 ديسمبر 2008

ثمان سنوات في حياة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر




د. عبد الله الفقيه

أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء


عاش الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، تغمده الله بواسع رحمته، حياة طويلة حافلة بالعطاء وغنية بالأحداث والتطورات. وعاصر الشيخ، منذ ميلاده في حصن حبور ظليمة في حاشد في عام 1933 وحتى وفاته في أواخر عام 2007، الملكية والجمهورية والتشطير والوحدة. عاصر الإمام يحيى حميد الدين والإمام احمد حميد الدين من بعده. وشهدت حياة الشيخ تعاقب خمسة رؤوسا على ما كان يعرف بالجهورية العربية اليمنية أو اليمن الشمالي وخمسة آخرين على ما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أو اليمن الجنوبي. وقامت وسقطت خلال حياة الشيخ عشرات الحكومات.

ولا يمكن اختزال 75 عاما من حياة الشيخ ومن تاريخ البلاد في مقال كهذا ولا حتى في مقالات أو كتب أو مجلدات. لكن الكاتب سيحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على ثمان سنوات من حياة الشيخ الراحل ومن التاريخ الوطني، وهي السنوات التي بدأت بقيام الثورة في شمال اليمن في عام 1962 وانتهت بالمصالحة بين الملكيين والجمهوريين في عام 1970. ويزعم كاتب هذا المقال ان تلك السنوات الثمان مثلت مفترق طرق في حياة الشيخ. فقد حولته من شيخ لقبائل حاشد إلى شيخ لليمن كلها ومن غريم لآل حميد الدين إلى صانع للرؤساء الجمهوريين، ومن نزيل في سجن المحابشة إلى شيخ للبرلمانيين والدبلوماسيين والى رمز وطني يلتف حوله المشايخ والمثقفون والسياسيون.

الإمامة تحتضر

شهد النصف الأول من القرن ال20 الكثير من الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني. وكان ابرز تلك الأحداث هي الثورة الروسية في عام 1917 والحرب العالمية الأولى (1914-1918) وإنشاء عصبة الأمم في 1919 والحرب العالمية الثانية (1939-1945) واختراع الطائرة والقنبلة الذرية وتأسيس الأمم المتحدة. كما شهد أيضا الكثير من التحولات على الصعيد الدولي. فقد تلاشت دول وظهرت أخرى محلها. واضمحلت التعددية القطبية ليحل محلها الثنائية القطبية. أما على الصعيد الإقليمي، فقد شهدت الفترة تقاسم القوى الكبرى للأراضي التي كانت تسيطر عليها الإمبراطورية العثمانية، بدء اضمحلال الإمبراطورية البريطانية، قيام الكيان الصهيوني على أراضي فلسطين، نمو وتصاعد حركات المد القومي والتحرر الوطني، وغيرها من الأحداث التي وضعت المنطقة على عتبة عهد جديد.

ولم تكن اليمن، برغم سياسات العزلة التي اتبعها آل حميد الدين، بعيدة عن المخاضات التي تشهدها الدول العربية الأخرى ودول العالم الثالث بشكل عام. فقد ظهرت في اليمن وتنامت حركة معارضة قوية للإمامة الوراثية التي أسسها محمد حميد الدين في نهاية القرن التاسع عشر وللسياسات الأنانية التي تم إتباعها.

وبلغت المعارضة لآل حميد الدين أوجها باغتيال الإمام يحيى حميد الدين وقيام ما يطلق عليه ب"ثورة 1948" والتي نقلت الإمامة من بيت حميد الدين إلى بيت الوزير. وقد تمكن ولي العهد احمد حميد الدين والملقب بسيف الإسلام من القضاء على ثورة 1948 ، وإعلان نفسه إماما ومنح نفسه لقب "الناصر لدين الله." وأعدم بعد ذلك العشرات من المشاركين في الثورة وفي مقدمتهم عبد الله بن احمد الوزير الذي كان قد عين إماما. وبدلا من أن يعمل على تدارك أخطاء والده وإصلاح أوضاع البلاد والتكيف مع المتغيرات من حوله، فان الإمام احمد وفي تحد للشعب، أصر على السير على نهج أبيه في الوقوف في وجه التغيير وفي سفك دماء معارضيه بما في ذلك بعض إخوانه.

وقد عمل الإمام احمد بسبب شكه بدعم المشايخ لحركة التغيير على استهدافهم. وكان مشايخ حاشد من آل الأحمر في مقدمة المستهدفين بعد ان كان الإمام احمد قد خاض العديد من المعارك الحربية معهم في عهد والده الإمام يحيى، وذلك بهدف تقليص نفوذهم. ومع ان مشايخ بيت الأحمر لم يساندوا ثورة عام 1948 ضد الإمام يحيى الا أن تباطؤهم في الحشد ضد تلك الثورة قد زاد من ضغينة الإمام احمد ضدهم. ولم يكن ممكنا لتلك الضغينة سوى ان تزيد بظهور شعبية الشيخ حميد بن حسين بن ناصر مبخوت الأحمر بين شيوخ القبائل إثناء غياب الإمام احمد في روما للعلاج.

وكما يذكر الشيخ عبد الله في مذكراته، فان حقد الإمام احمد على آل الأحمر هذه المرة لم يكن بسبب زعامتهم لحاشد، بل بسبب شعوره بان الشيخ حميد بن حسين بن ناصر بدأ ينازعه ملكه من خلال قيادة حركة التغيير. ولذلك فقد قام الإمام أحمد فور عودته من روما باعتقال المشايخ الذين التفوا حول حميد بن حسين بن ناصر وهدم بيوتهم وقلع أشجارهم. ولم يكتف الإمام العليل بإيداع الشيخ حسين بن ناصر الأحمر ونجله الشيخ حميد في السجن. بل بلغ به الفجور ان أمر بإعدامهم بينما كان الشيخ عبد الله نفسه يراجعه في إطلاق سراحهم.

وفي تلك الظروف العصيبة في حياته وبعد ان أمر الإمام بإعدام أخيه ثم أبيه من بعده، تم وضع الشيخ عبدالله في سجن المحابشة حيث ظل هناك حتى سقوط الإمامة.

قيام الثورة

تولى الإمام يحيى حميد الدين السلطة لمدة بلغت حوالي الثلاثين سنة (1918-1948). وتولى الإمام أحمد السلطة بعد مقتل أبيه لمدة بلغت حوالي 14 سنة (1948-1962). أما الإمام محمد البدر، نجل الإمام احمد حميد الدين، فلم تزد فترته في السلطة عن الأيام السبع (19 سبتمبر-25 سبتمبر 1962). فقد تحولت الدماء التي سفكها آل حميد الدين في سبيل البقاء في السلطة إلى سيل جارف سرعان ما أطاح، والى الأبد بأذن الله، بالحكم ألإمامي العنصري وأقام على أنقاضه نظاما جمهوريا.

كان الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ما زال في سجن المحابشة عندما قامت ثورة ال26 من سبتمبر. وقد ابتهج الشيخ الشاب الذي كان على وشك إكمال العقد الثالث من عمره كثيرا بقيام الثورة. ولم يكدر عليه فرحه بقيامها سوى سماعه بان الإمام المخلوع محمد البدر قد تمكن من الخروج من تحت أنقاض قصره وتوجه نحو جبال حجة كما فعل والده الإمام احمد بعد ثورة عام 1948، وانه بدأ في تجميع القبائل لمحاربة الثورة.

وقد أيد الشيخ عبدالله الثورة لحظة سماعه بقيامها دون تردد أو وجل أو خوف من النتائج. ثم توجه إلى صنعاء ليقف في صف الثورة. وقد وصل إليها في ال30 من سبتمبر، أي بعد 4 أيام من قيام الثورة. وعبر إذاعة صنعاء، ألقى الشيخ كلمة دعا فيها حاشد والقبائل الأخرى للالتفاف حول الثورة والجمهورية والدفاع عنهما. ومن صنعاء توجه الشيخ الشاب مصحوبا بسرية من فوج البدر ومجموعة من الضباط نحو حاشد التي خرجت عن بكرة أبيها للقائه. ولم يضع الشيخ وقتا في زيارة عائلته. بل توجه بقبائل حاشد ومن كان معه من ضباط وأفراد الجيش لملاحقة الإمام البدر.

الرعيل الأول

التقى الشيخ عبد الله، ولأول مرة في حياته، بابي الأحرار اليمنيين محمد محمود الزبيري في ال30 من سبتمبر، أي في نفس اليوم الذي وصل فيه إلى صنعاء قادما من المحابشة. كان الزبيري قد وصل بدوره وفي نفس اليوم من القاهرة. وكان الشيخ عبد الله، شأنه شأن الكثير من اليمنيين، قد تأثر بالزبيري وفكره وتوجهاته حتى قبل أن يلتقيا. ويصف الشيخ علاقته بالزبيري بعد قيام الثورة واللقاء وجها لوجه والعمل معا بأنها "علاقة الداعية مع من يؤيده ويتبعه." وقد تأثر الشيخ كثيرا بدعوة الزبيري إلى بناء نظام جمهوري ديمقراطي شوروي جوهره الإسلام ووفقا لمبادئ الثورة. وتأثر أيضا بموقف الزبيري من التواجد المصري في اليمن والذي قام على الترحيب بالدعم العسكري المصري مع معارضة التدخل في الشئون اليمنية.

ولم يكن تأثر الشيخ بالشهيد الزبيري عابرا أو مؤقتا. يقول الشيخ عبد الله انه وبعد استشهاد الزبيري في مطلع ابريل عام 1965 "تعمق شعوري بان الشهيد الزبيري قد أوصاني بمواصلة نهجه ومسيرته ولهذا شعرت باني مسئول وان هذه المسئولية حملني اياها شهيدنا الزبيري وهذا الشعور هو الذي جعلني أواصل السير على هذا النهج وفي خط الزبيري ما استطعت وحتى ألقى الله." وكان الشيخ عبد الله صادقا فيما قال. فقد أثبتت الأحداث اللاحقة والمواقف التي اتخذها الشيخ من كل قضية وفي كل منعطف عمق التأثير الذي تركه الشهيد الزبيري في فكر وسلوك الشيخ عبد الله.

ولم يكن الزبيري هو وحده الذي أثر على توجهات وقناعات الشيخ وان كان الأكثر تأثيرا. ففي خلال تلك الفترة سيلتقي الشيخ وسيتعرف عن قرب وفي أحلك الظروف وأصعب المواقف بالرعيل الأول من المثقفين والوطنيين اليمنيين مثل القاضي عبد الرحمن الإرياني، الأستاذ محمد احمد نعمان، الأستاذ احمد محمد نعمان، الأستاذ عبد الملك الطيب والقاضي عبد السلام صبرة، وغيرهم. وسيتأثر الشيخ ب، كما سيؤثر على الكثير من الذين عرفهم خلال تلك المرحلة.

الأحداث الجسام

تعددت الأدوار التي لعبها الشيخ في الدفاع عن العهد الجديد. ولعل ابرز تلك الأدوار قد تمثلت في العمل العسكري الميداني دفاعا عن الثورة والجمهورية وهو الدور الذي كان له أثره البالغ في تعزيز القناعات والتوجهات السياسية لديه. وستساهم الأحداث الجسام التي شهدتها السنوات الثمان بين 1962-1970 في تشكيل وترسيخ الوعي الوطني والقومي للشيخ. فمجيء المصريين إلى اليمن لدعم الثورة والتضحيات التي قدمها المصريون كان لها أثرها الإيجابي في التوجهات القومية للشيخ والتي ستبرز بعد ذلك في مواقفه الداعمة للقضايا العربية والإسلامية وفي مقدمتها قضية فلسطين.

لكن التدخلات المصرية في الشأن الداخلي ومحاولات الهيمنة على القرار السياسي اليمني أزعجت الشيخ كثيرا وعززت لديه الشعور بأهمية الاستقلال بالإرادة الوطنية. وسيزداد ذلك الشعور قوة بتصاعد الممارسات القمعية للمصريين بشكل مباشر أو من خلال نظام السلال. وسيعارض الشيخ خلال تلك المرحلة محاولات السعوديين والمصريين فرض الحلول على اليمنيين من خلال مؤتمر حرض الذي عقد في نوفمبر 1965. وسيشعر الشيخ عبد الله بمرارة بالغة عندما يعلم بان أعضاء الحكومة اليمنية الذين ذهبوا إلى مصر ليشكو السلال والقوات المصرية إلى عبد الناصر قد تم اعتقالهم ووضعهم في السجون ومعاملتهم كمجرمين.

وسينسى الشيخ عبد الله ومن معه من الجمهوريين خلافاتهم مع المصريين ومع نظام السلام بعد نكسة 5 حزيران. وسيرسل الشيخ ومن معه رسالة إلى الرئيس عبد الناصر يعرضون عليه فيها السفر إلى مصر ب10 ألف مقاتل لمساندة الجيش المصري ودعمه لاسترجاع الأراضي التي استولى عليها العدو.

معارضة العسكر

ثار اليمنيون على حكم آل حميد الدين لأسباب كثيرة أهمها الاستبداد والطغيان وحكم الفرد. وظن اليمنيون عند قيام الثورة أن حكم الفرد ولى إلى غير رجعة. وإذا بهم يفاجئون وهم يحاربون أعداء الثورة من جبل إلى جبل ومن واد إلى واد بان الرئيس السلال ذو الخلفية العسكرية يحاول الإنفراد بالقرار السياسي. وفي الوقت الذي رحب فيه اليمنيون بالدعم العسكري المصري للثورة اليمنية، فإنهم سرعان ما اختلفوا حول التدخل المصري في الشأن السياسي اليمني والذي تجاوز كل حد باعتراض المصريين على تعيين بعض الشخصيات في الحكومة أو حتى في السلك الدبلوماسي.

ومن الواضح ان الشيخ عبدالله ومن خلال تجربته وزملائه مع السلال ومع القيادات العسكرية المصرية ونظام عبد الناصر قد طوروا توجها رافضا للحكم العسكري. ولذلك عمل الشيخ عبد الله وزملاؤه بعد خروج المصريين من اليمن اثر نكسة 5 يونيو حزيران 1967 على نقل الحكم إلى المدنيين والتأكيد على القيادة الجماعية للدولة. وقد تحقق لهم ذلك من خلال حركة ال5 من نوفمبر التي نقلت السلطة من الرئيس عبد الله السلال إلى المجلس الجمهوري الذي ترأسه القاضي عبد الرحمن الإرياني وهو المدني الوحيد من بين 5 رؤوساء تعاقبوا على شمال اليمن.

وسيضاف مبدأي "حكم المدنيين" و" القيادة الجماعية" إلى مبدأ "نظام جمهوري ديمقراطي شوروي" الذي دعا إليه الزبيري وآمن به الشيخ وعمل على تحقيقه في حياته. وخلف هذه المبادئ الثلاثة التي اعتنقها الشيخ يختفي قلق متجذر لديه من مخاطر الحكم الفردي. وربما تعود جذور ذلك القلق ليس فقط إلى تجربة الشيخ مع نظام السلال ولكن أيضا إلى ظروف النشأة الأولى للشيخ والى الطريقة التي حكم بها الإمام يحيى ومن بعده نجله الإمام احمد والتي عاصرها الشيخ كفتى ثم كشاب. وقد تعزز عداء الشيخ للحكم الفردي بفقدانه لوالده وأخيه على يد الإمام احمد.

المجلس الوطني

لم تصل السنوات العاصفة في حياة الشيخ إلى نهايتها بانتقال السلطة إلى المدنيين. فقد أدى خروج القوات المصرية من اليمن وإبعاد السلال عن السلطة إلى فتح شهية الملكيين لإسقاط النظام الجمهوري. وبلغت تطلعات الملكيين ذروتها بحصارهم لصنعاء في مطلع عام 1968. لكن تكاتف الجمهوريين عسكريين ومدنيين والدور الذي لعبه الشيخ عبد الله وغيره من المشايخ وضباط الجيش والفعاليات المدنية والشعبية أدت كلها إلى إفشال الحصار على صنعاء، وكان ذلك في الثلث الأول من شهر فبراير عام 1968. ولم تنته الحرب بانتهاء الحصار. فقد استمرت المعارك في مناطق متفرقة حتى أواخر عام 1969. لكن فشل الحصار الملكي على صنعاء قد أفسح الطريق أمام الجمهوريين للمضي قدما في تحقيق بعض الأهداف والتطلعات.

وكان أهم تلك الأهداف هو تأسيس "المجلس الوطني" الذي سيجسد على ارض الواقع احد التطلعات التي ناضل اليمنيون في سبيل تحقيقها منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. ومع ان المجلس الوطني، الذي عقد أول اجتماع له في منتصف مارس 1969، كان معينا وليس منتخبا الإ انه كان ممثلا لمختلف الفئات الاجتماعية المناصرة للثورة. وقد انتخب المجلس في أول اجتماع له، الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيسا للمجلس. وليس هناك ابلغ في التعبير عن الارتياح الشعبي الذي قوبل به إنشاء المجلس من الرسالة التي بعث بها الأستاذ احمد محمد نعمان إلى الشيخ عبد الله بن حسين بالمناسبة حيث كتب يقول: "اليوم آمنا أن الشعب هو الذي يحكم وانه صاحب السلطة." وأضاف في عبارة تفيض بالمشاعر الصادقة "لقد قلت للكثير أن ظهور عبد الله بن حسين الأحمر على رأس المجلس الوطني هو ظهور حقيقة شعبنا ببطولاته وأمجاده وحضارته وتاريخه." وسيكون أهم منجز للمجلس الوطني هو إقرار الدستور الدائم لما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية.

ومع حلول عام 1970 كان السعوديون قد وصلوا إلى قناعة بصعوبة إعادة الملكية إلى اليمن. ولم يجدوا بعد خروج القوات المصرية من اليمن مبررا للاستمرار في دعم الملكيين. ولذلك عملوا على دعم مصالحة بين الجمهوريين والملكيين وعلى ان يتم الاحتفاظ بالنظام الجمهوري واستيعاب بعض الشخصيات الملكية في الحكومة والمجلس الوطني والسلك الدبلوماسي. وفي 27 يوليو 1970 اعترفت المملكة العربية السعودية بما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية ليكون ذلك الاعتراف بمثابة النهاية لمرحلة عصيبة من التاريخ اليمني.

مرحلة جديدة

تفتح وعي الشيخ عبد الله في العقد الثاني من عمره على مسئوليات الأسرة والقبيلة وعلى العلاقة الصراعية التي ربطت أسرته المشيخية بالأئمة من بيت حميد الدين. وفي العقد الثالث من عمره خبر الشيخ عن قرب ظلم وبطش وغطرسة الأمام احمد حميد الدين. ووجد الشيخ نفسه في سجن المحابشة بعد أن أمر الطاغية بإعدام والده الشيخ حسين بن ناصر وأخيه الشيخ حميد بن حسين بن ناصر الأحمر.

وإذا كان جده الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر قد رجح كفة يحيى حميد الدين في تولي الإمامة فان الشيخ عبد الله خلال العقد الرابع من عمره سيرجح كفة الثورة التي ستطيح بألف ومائة سنة من حكم الأئمة. وإذا كان جده قد حسم الإمامة لصالح يحيى حميد الدين بتلويحة من عصاه، فان حسم ثمان سنوات من الحرب بين الملكلية والجمهورية لصالح الجمهورية ستحتاج إلى خوض الحرب على جبهات متعددة وبأسلحة متنوعة. وستكون السنوات الثمان بين عام 1962 و1970 بمثابة سنوات الخلاص للوطن. أما بالنسبة للشيخ فستكون مرحلة الحرب الأهلية بمثابة سنوات بناء وتثبيت التوجهات الوطنية والقومية والتي ستظل تحكم مواقفه السياسية لما تبقى من حياته.

الخميس، 25 ديسمبر 2008

في احدث تقرير له عن الأوضاع الإقتصادية والمالية في اليمن..
البنك الدولي يحذر من آثار الأزمة المالية العالمية وينتقد سياسات البنك المركزي ويدعو الى سن قانون لتحديد سقف النمو السنوي للعجز وللدين العام..ويحدد تكلفة اعادة بناء مادمرته السيول في حضرموت ب1.7 مليار دولار

المصدر: dralfaqih.blogspot.com

حذر البنك الدولي في احدث تقرير له عن الوضع الإقتصادي في اليمن (ديسمبر 2008) من ان الجمهورية اليمنية التي لم تتأثر كثيرا بالمرحلة الأولى من الأزمة المالية العالمية قد تواجه تحديا كبيرا خلال المرحلة الثانية من الأزمة وخصوصا اذا طالت الأزمة وتعمقت آثارها على الإقتصادات العالمية। واشار التقرير الى ان الحكومة اليمنية قد تجد صعوبة بالغة في الحصول على العملات الصعبة لتمويل وارداتها ومشاريعها الإستثمارية وان الأزمة المالية قد تؤثر بشكلعلى عائدات اليمن من التجارة الخارجية، الإستثمار الخارجي، وعائدات المغتربين وهي القطاعات التي تمد الإقتصاد اليمني بحاجاته التمويلية واضاف التقرير ان المرحلة الثانية من الأزمة قد تؤثر على قطاعات البنوك، العقارات، التوظيف، ومعيشة الناس بشكل ملحوظ.
وانتقد التقرير سياسات البنك المركزي اليمني المتصلة بالتضخم الذي بلغ معدله خلال العامين الماضين حوالي 16% مشيرا الى ان البنك المركزي يتبع سياسة نقدية لا تقوم على اهداف واضحة وانما عبارة عن ردود افعال. ودعا البنك الدولي الحكومة الى سن قانون يحدد سقفا للعجز السنوي للموازنة ولمعدل نمو الدين العام.
وفيما يتعلق بالاثار التي خلفتها السيول التي هطلت على حضرموت في اكتوبر الماضي قدر البنك الدولي المتضررين بقرابة ثلاثة ارباع المليون شخص. وقدر البنك تكلفة ما دمرته السيول ب1.7 مليار دولار 22% منها يتصل بالبنية الأساسية كالطرق مشيرا الى ان تكلفة اعادة البناء سيكون لها اثرها على الموازنة العامة.
وحذ التقرير من اثار القرصنة على قدرة اليمن على جذب الإستثمار الخارجي مشيرا الى ان الفشل في السيطرة على ظاهرة القرصنة قد يعني القضاء على جهود اليمن المتعلقة بجذب الإستمثارات وخصوصا في المحافظات الجنوبية.
وكانت الحكومة اليمنية قد اتخذت قرارا قبل ايام بخفض موازنة الدولة بنسبة 50% وهو ما يثير الكثير من التساؤلات حول نجاعة الخطوة وآثارها المحتملة على الإقتصاد الوطني. ويقول خبراء ان التزام الحكومة بالخفض سيعني ارتفاعا صاروخيا في معدلات البطالة وتراجعا كبيرا في النمو الإقتصادي وفي معدل دخل الفرد وسيقود الى انهيار قطاعات المقاولات. وفي حال عدم التزام الحكومة بالخفض فان عجز الموازنة قد يصل في حال استمرار الأسعار في الإنخفاض الى 80% وهو ما قد يقود الى تطورات اقتصادية لاتقل سوءا عن سابقتها وخصوصا بالنسبة للتضخم وسعر العملة الوطنية.


الجمعة، 12 ديسمبر 2008

صورة مصغرة للمجتمع اليمني!





لخصها د. عبد الله الفقيه

لو افترضنا ان عدد سكان اليمن هم فقط 1000 شخص فان الصورة التي يمكن رسمها لأوضاعهم الحياتية تبدو مخيفة.
o هناك 410 شخص لا يستطيعون القراءة والكتابة
o هناك 340 شخص قادرون على القراءة والكتابة فقط
o هناك 750 شخص لا يحملون أي مؤهل دراسي
o هناك 120 شخص تمكنوا من إكمال التعليم الأساسي—الصف الأول وحتى التاسع
o هناك 80 شخص فقط تمكنوا من إكمال الثانوية العامة
o هناك 23 شخصا فقط حاصلين على مؤهل جامعي أو أعلى من الجامعي
o هناك 400 شخص يجدون صعوبة في الحصول على حاجتهم من الغذاء والكساء.
o يعيش 600 شخص في مناطق تجعلهم معرضين للإصابة بالملاريا
o يعاني 750 شخصا من أمراض متصلة بتلوث المياه
o يعاني 400 شخص من سوء التغذية
o سيموت 200 شخص قبل ان يبلغوا الأربعين من العمر
o سيعيش 580 شخص فقط حتى يبلغون ال65 من العمر على افتراض عدم اندلاع حروب أهلية في حين ان 420 شخصا سيموتون قبل بلوغ ذلك السن
o يعيش حوالي 270 شخصا في الحضر بينما يعيش 730 شخصا في الريف
o يحصل حوالي 400 شخص فقط على خدمة الكهرباء بينما يعيش 600 شخص في الظلام
o يتلقى كل شخص فقط 16 دولارا في السنة كدعم خارجي افتراضي ويستولي على ذلك الدعم عدد صغير من الأشخاص
o يملك 15 شخصا فقط كمبيوترات شخصية
o يستخدم 10 أشخاص فقط الإنترنت
o يملك 39 شخصا فقط خط تلفون ارضي
o يملك 95 شخص فقط خط تلفون سيار
o هناك 132 شخصا فقط يعملون. أما الباقون فلا يمارسون أي عمل اما لأنهم لا يبحثون عن عمل أو لأنهم يبحثون ولكن لا يجدون عملا.
o يتولى 132 شخص إعالة 868 شخصا
o يملك 50 شخصا 95% من ثروات البلاد بينما يملك 950 شخصا 5% من الثروة

الجمعة، 14 نوفمبر 2008

الجمهورية اليمنية وقشة الديمقراطية

د. عبد الله الفقيه

ذهب الدكتور ناصر محمد ناصر في مقال له نشرته صحيفة الوسط بتاريخ 3 سبتمبر الماضي إلى استبعاد ان يواصل النظام السير نحو إجراء انتخابات برلمانية من طرف واحد، ورجح في تحليله عودة النظام إلى ما تم الاتفاق عليه مع المشترك حول الإصلاحات الانتخابية وحول اللجنة العليا للانتخابات، وذلك لان الوضعين الداخلي والخارجي، كما قال، لا يسمحان له بالإنفراد بالعملية السياسية. والكاتب إذ يتفق مع النتيجة التي توصل إليها الدكتور ناصر فانه يسعى من خلال هذا المقال إلى تحليل الوضعين الداخلي والخارجي للنظام اليمني القائم ليبين ليس فقط استحالة إجراء انتخابات من طرف واحد ولكن أيضا المخاطر الكبيرة التي تتهدد الوحدة الوطنية ووحدة التراب الوطني في حال أصر الحاكم على المضي في طريق "اللاشرعية."
الوضع الداخلي
برغم النبرة الإعلامية الحادة للنظام اليمني في مواجهة معارضيه في الداخل والخارج الإ ان الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي ان النظام ومعه البلاد يمران بأسوأ المراحل ويواجهان من التحديات ما لم يواجهان في أي مرحلة من المراحل خلال قرابة 20 عاما من عمر الوحدة اليمنية. فعلى الصعيد الداخلي يواجه النظام خلال المدى القريب ثلاث تحديات سياسية خطيرة ناهيك عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
فعلى الجبهة الشمالية يواجه النظام منافسا سياسيا عنيدا لم تزده خمس جولات من الحرب سوى قوة وتمكينا. وإذا كان النظام قد توفق في اتخاذ قرار إنهاء الحرب ولو من طرف واحد وأوقف من خلال تلك الخطوة حركة الهرولة نحو القاع فان الشيء الذي لم يتوفق فيه النظام هو الطريقة التي تم بها إنهاء الحرب والتي جاءت أشبه ما تكون بإعلان الاستسلام وقبول النظام بشروط المتمردين. وقد قام الرئيس قبل أيام فقط من إنهاء الحرب وبعدها بجولة على عدد من المعسكرات وتحدث خلال زياراته لتلك المعسكرات عن ضرورة التركيز على الكيف قبل الكم في إشارة ضمنية إلى فشل الجيش في تحقيق مهمته في صعدة. وجاءت التغييرات لعدد من القادة لتزيد من التأكيد على ان ما حدث هو هزيمة عسكرية للنظام بالرغم من ان تلك التغييرات ربما صبت في اتجاه آخر.
وكان النظام موفقا كذلك في رفضه لقيام هيئة الفضيلة التي سعى لإنشائها عدد من مشايخ العلم ومشايخ القبائل وفي رفضه لفكرة تشكيل جيش شعبي لمواجهة الحوثيين لان كل من المشروعين يتناقض بشكل صارخ مع نصوص الدستور ومع الحد الأدنى من السيادة الداخلية والخارجية ويعني في حال القبول به المزيد من الإضعاف للنظام والتعطيل للدستور وتهيئة البلاد لحرب مذهبية طاحنة. لكن الشيء الذي لم يتوفق فيه النظام هو الطريقة التي تم بها رفض الفكرتين والتي بدت أشبه ما تكون بقيام النظام بحرق الجسور التي عبر عليها. ضف إلى ذلك ان الطريقة التي تم بها إنهاء الحرب، ودون ترتيبات واضحة، لا يمكن ان تفهم سوى على انها قبول بوجود تشكيلات عسكرية خارج الدستور والقانون.
وجاء انقلاب النظام على التعديلات المتفق عليها في قانون الانتخابات وقيامه بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات من طرف واحد وإصراره على العمل خارج الدستور والقانون لتصب في خدمة المتمردين والإنفصاليين وخصوم النظام بشكل عام. ومهما حاول الإعلام التقليل من الخطوة وتصويرها بأنها جزء من "الديمقراطية" الإ ان الدلالات الخطيرة لها لا تخفى على كل ذي بصيرة. فهي من جهة بدت والسياسة تتأثر كثيرا بالإدراك أكثر من تأثرها بحقيقة الواقع الذي يتم إدراكه وكأنها تصب لصالح المتمردين وتضعف خصومهم السياسيين، وتزيد من اختلال توازن القوى الاجتماعية.
والأهم من ذلك هو ان تلك التطورات ألغت عمليا الانتخابات كآلية للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، وهو ما يعني تثبيت قاعدة ان السلطة مستمدة من فوهة البندقية وليس من صندوق الاقتراع.
وفي ظل فشل بندقية النظام في وضع نهاية للصراع في صعدة، فان إصرار النظام على الاستمرار في انتخابات من طرف واحد لن يعني سوى المزيد من الانكشاف لأمن النظام والبلاد وكلاهما يقوم على توازنات قبلية ومذهبية وسياسية دقيقة تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة نزعات التطرف والإرهاب والقوى التي تسعى لتوظيف العنف كطريق للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها. وستتهيأ البلاد نتيجة للأوضاع القائمة—ما لم يتم تدارك الأمور بسرعة— لحرب طائفية مدمرة قد لا يتمكن احد من منع اندلاعها أو السيطرة على مجرياتها إذا اندلعت. وسيكون من الخطأ عزل الهجمات الإرهابية الأخيرة للقاعدة والتي لم تشهد البلاد مثيلا لها من قبل عن الخلل الذي اعترى التوازنات الاجتماعية والمذهبية الدقيقة وعن الدوافع الطائفية خلف الإرهاب.
وإذا كان الوضع على الجبهة الشمالية يشكل تهديدا للأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي، فان الوضع في الجنوب يشكل تهديدا متزايدا لوحدة التراب الوطني. فقيام انتخابات شكلية تفتقر إلى قوة وعدالة القواعد القانونية ودستورية الإجراءات ستقدم اكبر دعم للقوى الداعية للانفصال لأنها ستطيح بقشة الديمقراطية التي قامت على أساسها الوحدة اليمنية والتي ستظل دائما أهم الضمانات لاستمرار الوحدة اليمنية.
أما التحدي الثالث الذي يواجهه النظام فيتمثل في الانقسام في صفوفه إلى عدة تيارات يسعى كل منها إلى تعزيز مواقعه في السلطة على حساب التيارات الأخرى. وتشير الطريقة التي تم بها رفض التعديلات على قانون الانتخابات في مجلس النواب وطريقة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات إلى ان التطورات التي تمت حتى الآن تخدم تيارا واحدا في السلطة وان كان التربص بين التيارات مازال قائما وعلى أشده. وقد عبر الصراع الدائر بين أجنحة السلطة عن نفسه بعدة طرق. لكن الانتخابات القادمة، وفي ظل غياب القوى السياسية الفاعلة، ستشكل مفترق طرق للصراع الدائر بين تلك التيارات وستتحول الإنتخابات في نظر الفرقاء إلى مباراة صفرية مثلها مثل لعبة الشطرنج حيث يكسب طرف كل شيء وتخسر الأطراف الأخرى كل شيء. ولأن السياسة تختلف عن الشطرنج فان الأرجح وفي ظل الأوضاع الاجتماعية القائمة هو أن "فوهة البندقية" هي التي ستسود. لكن البندقية التي ستمتلك الشرعية إذا ما حدث أمر مثل هذا لن تكون بندقية النظام ولكن بندقية الشارع.
الوضع الخارجي
أدت حروب صعدة الخمس إلى اضطراب علاقات اليمن بالعديد من الدول وخصوصا إيران وليبيا وهو اضطراب كان يمكن—شأنه في ذلك شأن الحرب ذاتها— تجنبه. وإذا كانت الجولة الرابعة من الحرب قد توقفت نتيجة للتوصل، بواسطة ورعاية قطرية، إلى اتفاقين بين النظام اليمني والمتمردين الحوثيين، فقد خسر النظام بخوضه الجولة الخامسة من الحرب علاقاته المتميزة مع قطر بما تضمنته تلك العلاقات من دعم سياسي واقتصادي كبير.
وجاءت الطريقة التي تم بها إيقاف الجولة الخامسة من الحرب لتزيد علاقات النظام بالمملكة العربية السعودية توترا وخصوصا في ظل خطاب اعلامي معاد للسعودية وللجماعات اليمنية المحسوبة على السعودية كشيوخ بعض القبائل والسلفيين والإخوان المسلمين. لقد جاءت طريقة إيقاف الحرب بما تنطوي عليه من غموض وما تثيره من أسئلة لتعزز من المخاوف السعودية بشأن نوايا النظام اليمني تجاه السعودية. ولعل الحملة الإعلامية التي استهدفت السعودية والتسريبات لبعض التقارير بشأن المطالب اليمنية بممتلكات المغتربين التي تم مصادرتها خلال أزمة الغزو العراقي للكويت وغير ذلك من الأمور قد زادت طين العلاقات اليمنية السعودية بلة.
ولا يمكن فهم الاستهداف الذي يتعرض له حزب التجمع اليمني للإصلاح وهو حزب محافظ وذو طابع سني وكذلك القوى القبلية والسلفية بمعزل عن التوتر في العلاقات اليمنية السعودية وعن التوتر الطائفي الذي ساهمت في إيقاد جذوته حروب صعدة الخمس والسياسات غير الرشيدة. ولا يمكن في ظل سياق كهذا لإجراءات النظام بشأن الإصلاحات الانتخابية وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات من طرف واحد سوى ان تزيد من قلق النظام السعودي من وجود توجه داخل النظام اليمني يسعى لتصفية القوى القريبة سياسيا وإيديولوجيا ومذهبيا من السعودية لصالح القوى المعادية للسعودية.
ومع ان السعوديين قد يقبلون، في ظل التعقيدات الدولية القائمة، بخسارة القوى القريبة منهم سياسيا لقوتها في انتخابات حرة ونزيهة الإ إنهم لن يقبلوا بلا شك بان يتم إسقاط التوازن السياسي القائم والذي يضمن امن المملكة لصالح توازن جديد مصطنع يمكن ان يشكل خطرا على استقرار بلادهم. ويدرك النظام جيدا ان لدى السعوديين الكثير من الأوراق القوية التي يمكن لعبها ضد النظام. ولعل ابرز تلك الأوراق هي ورقة المغتربين اليمنيين في السعودية. وتثبت التجربة التاريخية ان السعوديين قد يلجئون إلى تكرار الطريقة التي تم بها التعامل مع النظام اليمني في عام 1990 إبان الغزو العراقي للكويت حيث تم إلغاء الاستثناء الذي كانت تمنحه السعودية للعمال اليمنيين من شرط وجود الكفيل السعودي وهو ما أدى إلى عودة مئات الآلاف من اليمنيين المهاجرين إلى السعودية وذلك في غضون بضعة أسابيع. وقد أدى القرار السعودي حينها إلى دخول الاقتصاد اليمني في حالة غيبوبة لم يفق منها حتى الآن. وقد شهدت الأشهر الماضية تلويحا سعوديا واضحا بلعب ورقة المغتربين. لكن النظام ربما لم يلتفت لها.
ويشكل الوضع في الجنوب ووجود الكثير من الجماعات الداعية للانفصال في دول الخليج وأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية كرتا آخر يمكن للسعودية لعبه لزعزعة الأوضاع والدفع بالنظام اليمني نحو الانهيار وان كان هذا الكرت يبدو من الخطورة في تداعياته بحيث يجعل السعوديين يترددون في استخدامه خوفا من عواقبه الوخيمة ليس فقط على النظام اليمني ولكن على السعودية ذاتها.
وبالنسبة لعلاقات النظام اليمني بالولايات المتحدة الأمريكية فليست بأفضل حال من علاقاته بالدول الأخرى. من جهة، عانت علاقات الدولتين خلال السنوات القليلة الماضية من حالات مد وجزر وممانعة وموالاة. وفي الوقت الذي ظلت فيه الولايات المتحدة وعلى نحو متكرر تمارس الضغوط على النظام اليمني بشأن الحرب على الإرهاب فإنها ظلت تمني النظام اليمني وعلى نحو متكرر بالدعم السخي من خلال صندوق الألفية مشترطة العديد من الإصلاحات المرتبطة بمكافحة الفساد والشفافية وغيرها. والملاحظ ان النظام اليمني فد فشل وعلى نحو متكرر في إحراز الدرجات المطلوبة لكل معيار من المعايير التي وضعتها هيئة تحدي الألفية. ولم تسفر تفاعلات الحكومتين اليمنية والأمريكية خلال السنوات الثمان الماضية عن شعور الأمريكيين بالرضا التام عن جهود الحكومة اليمنية في مواجهة الإرهاب أو على صعيد الإصلاحات الداخلية. كما لم تسفر عن الرضا اليمني التام بان الأمريكيين قد قدموا للحكومة اليمنية الدعم التنموي الذي لطلما انتظروه.
وهناك الكثير من المؤشرات على ان قلوب الأمريكيين لم تعد مع النظام الحالي. ولعل ابرز تلك المؤشرات هي الحملة الإعلامية الدولية التي قادها الأمريكيون ضد النظام خلال النصف الأول من هذا العام والتي دشنتها صحف الواشنطن بوست والنيويورك تايمز وعدد من محطات التلفزة الأمريكية والتي لا يمكن ان تفهم سوى على أنها تمهد لإسقاط النظام. ورغم ان تلك الحملة توقفت فجأة وبالتزامن مع انتهاء الحرب في صعدة الإ انه من المستبعد ان يكون عصر الأزمات في العلاقات اليمنية الأمريكية قد ولى وان صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين قد فتحت.
قشة الديمقراطية
سيكون من الخطأ اختزال مشاكل اليمن وأزماته في شخص أو أسرة أو حزب أو قبيلة أو أقلية مسيطرة أو سلطة ومعارضة. فالتحديات أكثر شمولا وعمقا مما يتصور البعض. ومع ان الديمقراطية ليست حلا سحريا لمشاكل اليمن الإ أنها ومهما كانت ضعيفة تظل القشة التي يمكن للنظام وللبلاد التعلق بها في مواجهة أزمات تزداد عددا وتعقدا بمرور الأيام...وعلى اليمنيين جميعا في الداخل والخارج وأصدقاء اليمن والحريصين على وحدته الجغرافية والوطنية واستقراره الضغط على النظام للعودة إلى الشرعية..وعلى قادة الرأي والمفكرين والوطنيين أن يراجعوا النظام قبل فوات الأوان.. ولا ينبغي أن يخاف اليمنيون طلقات الرصاص التي توجه إلى الرؤوس. فحياة اليمني كفرد مرتبطة بشخصه لكن حياة الوطن مرتبطة بمستقبل الأبناء والأهل والأقارب والجيران والزملاء في العمل وكل الأشياء الجميلة التي يحبها الناس ويعيشون من اجلها.

السبت، 11 أكتوبر 2008

مجلس آباء وليس مجلس نواب-- مقابلة مع صحيفة العاصمة

ترحّم على الإمام وهدد بانضمامه للحوثية وحذّر من حرب طائفية وشيكة إذا لم يتم العودة إلى الشرعية الديمقراطية

أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء..د/عبدالله الفقيه لـ"العاصمة":

السجل الانتخابي الجديد سيفرز مجلس آباء وليس مجلس نواب

واليمن عاجزة أمام نشرالقوات الدولية في خليج عدن

الدكتور عبد الله الفقيه ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء ـ أحد الأركان السياسية المستقلة في البيت اليمني، يحب الوطن إلى حد القسوة..يكره الظلم إلى درجة المواجهة .. يغمر الآخرين بتواضعه الشامخ وبساطته الراقية.. يتقن فن ابتسامة الغضب ..يجيد لغة الصمت الهادر.. إذا سكت أسمع ..وإذا تحدث أقنع ..وإذا انتقد أوجع..

وفي هذا الحوار يتطرق الدكتور الفقيه إلى العديد من مستجدات القضايا السياسية على الساحة اليمنية..

حاوره/عبدالله مصلح

ً

*كيف تقرأون المشهد السياسي؟

- خطر...خطر...خطر. واذا اخذنا مجمل التطورات على الساحة من حرب صعدة واحداث الجنوب والتوجه نحو الإطاحة بالالية الديمقراطية وهجمات القاعدة يمكن القول ان احتمال اندلاع حرب أهلية طائفية في اليمن خلال المدى القريب قد ارتفع الى حوالي 80 في المائة وهو مستوى من الخطورة لم تصل اليه الأوضاع في أي وقت منذ قيام الجمهورية اليمنية في عام 1990م.

*لا بد أنك تمزح؟

- (يضحك)...لا يمكن للإنسان أن يمزح في أمر مثل هذا..إنما قد يخطئ في اجتهاده..السقوط السريع للتوازنات السياسية والإجتماعية داخل الدول وبين الدول يقود في الغالب إلى اندلاع الحروب..هكذا يعلمنا التاريخ.

*ما أسباب سقوط هذه التوازنات السياسية والاجتماعية؟

- هناك تطورات معينة.. ومن ضمنها تطورات الأحداث في صعده والجنوب، وظهور توجه نحو التعطيل التام للآلية الديمقراطية والشرعية الدستورية...هذه التطورات أطاحت وتهدد بالإطاحة بالتوازنات السياسية والإجتماعية الدقيقة والهشة بطبيعتها، وما لم يتم تدارك الوضع بالعودة الى الشرعية الدستورية والقانونية والمعالجة السلمية والحكيمة للوضع في صعدة والجنوب فإن فرص تجنب حدوث الكارثة ستنخفض وقد تتلاشى تماما خلال الأشهر القليلة القادمة..

*من الذي يسعى إلى تعطيل الآلية الديمقراطية؟

- السلطة بالطبع. لكن السلطة بالطبع ليست شيئا واحدا. فهناك الرئيس وهناك الحزب الحاكم. وهناك اطراف اخرى داخل السلطة. وعلى كل حال فان المسئولية تقع على الرئيس بالدرجة الأولى بموجب اختصاصاته المحددة في الدستور وعلى الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام حتى وان لم يكن حاكما كما يقول بعض اعضائه.

* لكن الحزب الحاكم ينفي تأجيله للانتخابات ،والمعارضة حتى الان لم تعلن مقاطعتها للانتخابات؟

- التعطيل لا يعني بالضرورة تأجيل الإنتخابات او الغائها وان كان حدوث ذلك هو افضل بالتأكيد من التعطيل الذي يفرغ الإنتخابات من اي مضمون حقيقي. لقد كان لدى النازيين انتخابات وكان لدى الفاشيين انتخابات. وكان لدى الشموليين انتخابات. لكني لا اعرف احد يمكن ان يقول انه كان لدى النازيين او الفاشيين او الشموليين ديمقراطية بمعنى انتخابات تنافسية..بالنسبة للمعارضة فلقد سمعنا الأستاذ عبد الوهاب الآنسي امين عام الإصلاح يقول انها لن تقاطع ولن تشارك وهذا القول يعطي مؤشرا على حدة الأزمة وعلى ان المشترك يحتفظ بخياراته مفتوحة. وجهة نظري الشخصية هي انه لا شرعية بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بدون انتخابات تنافسية ولا انتخابات تنافسية بدون مشاركة احزاب اللقاء المشترك لإن المشترك يمثل 96 في المائة من المعارضة المنظمة حزبيا.

* بالعودة الى التوازنات، ألا تعتقد ان سياسة التوازنات هي التي تقود البلاد من سيىء الى أسوأ؟

- إذا أردنا الانتقال من سياسة التوازنات التي أثبتت الظروف أنها مصدر لعدم الإستقرار فإن الطريقة الوحيدة للانتقال هي تفعيل الآلية الديمقراطية وقيام انتخابات برلمانية تنافسية تتوفر لها كافة شروط النجاح..أما السباحة ضد التيار فقد تؤدي بل ستؤدي حتماً إلى انتكاسة..هناك حقائق سياسية على الواقع لا يمكن تجاوزها بجرّة قلم أو بجلسة برلمانية لا تستمر سوى بضع دقائق..

*ألا ترى أن مافعله الحزب الحاكم في مجلس النواب هو حق قانوني للأغلبية؟

- بالطبع لا. نحن لا نتكلم هنا عن اعتماد اضافي او عن موازنة الدولة او عن سياسة معينة بل نتكلم عن القواعد الدستورية والقانونية التي توجد الأغلبية والأقلية وتحدد السلطة والمعارضة ...القول بحق حزب الأغلبية في تحديد قواعد اللعبة السياسية يتناقض تماما مع ابسط قواعد الديمقراطية واذا كانت هذه هي الديمقراطية فرحم الله الإمام.

*هل هذا هو تقييمك لأسلوب الحزب الحاكم في تعامله مع أحزاب المعارضة؟

- نعم فهو تعامل لا يخلو من غرابة..يريدون ديمقراطية ويريدون ان يختاروا الحكام وان يحددوا قواعد اللعب بمفردهم وان يؤسسوا الأحزاب وينسخوها وان يحددوا من يصل الى مجلس النواب ومن لا يصل..فماذا بقي لنا من الثورة والجمهورية. هذا اسلوب للتخريب وليس للبناء..ولا بد من العودة والتعامل مع الإشياء بعقلانية..فحتى الجنون يحتاج الى عقل...

*وما تفسيرك للموقف الناعم الذي تبديه المعارضة؟

- قد يكون ناتج عن شعور بخطورة الوضع، وبأن أي خطوة غير محسوبة قد تساهم في زيادة الوضع سوءً، وقد يكون ترقب وانتظار لأن يعيد الحزب الحاكم النظر في الوضع من منطلق المسئولية الوطنية، وقد يكون هناك اتفاقات من نوع "سايكس بيكو"

*كيف؟

- هناك العديد من الإحتمالات. فاتفاق السلطة والمعارضة حول التعديلات لقانون الإنتخابات وحول اللجنة العليا تمت مع طرف معين في السلطة وعن طريق التواصل وليس الحوار. وخلال التواصل بين المشترك والسلطة كان هناك طرفا في السلطة يعارض بشدة ذلك التواصل. ثم ان الذي اسقط الإتفاق حول قانون الإنتخابات ليس نفس الفريق الذي اتفق مع المشترك. وانت في اليمن وهناك في السلطة منهم اقرب الى المعارضة منهم الى السلطة في حين ان هناك في المعارضة من أهم اقرب الى السلطة منهم الى المعارضة. وفي جو كهذا لا ينبغي لمحلل مثلي ان يستبعد اي احتمال. والأيام القادمة هي التي ستكشف حقيقة ما يجري.

* ما آثار مثل هذه الاتفاقات إن وجدت ؟

- مثل هذه الاتفاقات إن وجدت لن تقود سوى إلى الكوارث لإنها ايضا تتناقض مع الديمقراطية.

*إذا كان هناك اتفاقيات فلماذا تلجا المعارضة إلى الحوار مع الشارع؟

- انا لم اقول ان هناك اتفاقات وانما قلت قد. واذا وجدت مثل تلك الإتفاقات فقد تكون مجرد مشروع صغير يشكل تقاطعا بين قوى السلطة والمعارضة. اما بالنسبة للحوار فلن يكون مع الشارع بالمعنى الحرفي. والحوار الوطني على كل حال فكرة ممتازة إذا لم يتم استغلالها من قبل هذا الحزب أو ذاك أو هذه القوة أو تلك لخدمة مشروع صغير.

*مثل ماذا مثلاً؟

- لدينا مشاكل في شمال الشمال ولدينا مشاكل في الجنوب ولدينا مشاكل كامنة في اكثر من ركن وزاوية. ولدينا فئات اجتماعية مظلومة وتراكمات تاريخية يعحز عن حملها الجبال. والحوار الوطني بقدر ما يمثل فرصة لتعميق الوحدة الوطنية والتصدي للظلم والفساد والدفاع عن الوحدة والثورة والجمهورية فانه يحمل الكثير من المخاطر.

*وكيف يمكن تجنب هذه المخاطر؟

- الأمل في أحزاب اللقاء المشترك هو أن تحسب خطواتها بشكل دقيق حتى لا يتحول الحوار إلى عبء على الوطن، وأنا مع الحوار كمخرج للبلاد شريطة أن يكون آخر الكي، وأن لا يتم اللجوء اليه الإ بعد التأكد من ان الآلية الانتخابية قد أغلقت تماما.

*لماذا؟

- للاسباب التي اشرت اليها في اجابتي على سؤال سابق ولأسباب اخرى. وكما قلت في البداية فان مجمل التطورات في البلاد خلال الأشهر الماضية بما في ذلك التوجه نحو الغاء الديمقراطية قد رفع احتمالات قيام حرب أهلية على خطوط طائفية الى 80 في المائة. وفي وضع متفجر مثل هذا وحضور دولي مكثف في خليج عدن وازمة مالية دولية سيكون لها بالتأكيد تداعياتها على اليمن ينبغي للمعارضة ان لا تجاري السلطة في جنونها..بل لا بد من الإستفادة من اخطاء السلطة

* يعني يظل المشترك بانتظار تنازل اللحظات الأخيرة قبل تنفيذ الحوار الوطني؟

-لا بد من الوعي أن هناك مسؤولية تاريخية تفرضها الظروف علينا جميعا فلن تغفر لنا الأجيال القادمة إن نحن وقفنا متفرجين في حين أن الوطن تتهدده الأخطار،كما أنها لن تغفر لنا إن نحن جعلنا الأوضاع أسوأ مما هي عليه، أو لعبنا دور المعجّل للانهيار..فليكن شعارنا جميعا اذا هو الوطن أولا والسلطة ثانياً..لكن هذا لا يعني ان تنتظر احزاب اللقاء المشترك حتى اللحظة الأخيرة.

*وماذا يعني؟

- رأيي الشخصي هو انه اذا بدأت لجان وزارة التربية والتعليم في افساد ما تبقى من صلاح السجل الإنتخابي فان باب الآلية الإنتخابية يكون قد اغلق تماما. وسنعرف هذا خلال 10 ايام او اكثر بقليل

* برأيك ما هو سرّ الانزعاج الكبير الذي يبديه الحاكم تجاه الحوار الوطني الشامل؟

- اذا كان منزعجا فذلك يبعث على الأطمئنان. الخوف هو انه لا يبالي. ومع انه لم يتكون لدي تصور واضح حول الحوار الوطني الشامل الذي ينوي المشترك تنفيذه حتى الآن الإ انني وبحكم تخصصي استطيع القول ان اللعبة السياسية خلال السنوات السابقة قد كانت اشبه ما تكون بمبارة كرة قدم بين فريقين. وسيكون الحوار الوطني الشامل اشبه بدعوة جماهير المتفرجين للنزول من المدرجات للمشاركة في اللعب.

*وماذا عن الأمسيات السياسية الرمضانية والعيديات العسكرية التحريضية التي أقامها الحزب الحاكم؟

- أنا لم أرى منها سوى وجهها الإعلامي، وهو وجه قبيح لا أريد الحديث عنه ،لإنه لا يساعد كثيرا في زحزحة الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية..كنت أتمنى لو استغلت السلطة تلك الإمكانيات التي تم توظيفها لإقامة تلك الأمسيات في تحسين خدمات الكهرباء او تخفيف ازمة الغاز أو الديزل او اشباع مجموعة من الجائعين..فخطوة مثل هذه كانت ستجعل النظام اكثر شعبية..اما التركيز على تحقيق انتصارات اعلامية وتحريض بعض الوطن على بعضه الآخر فسياسة غير موفقة ولم تعد تتناسب مع العصر. ثم ان انقطاع الكهرباء ساعة الأفطار يقول من الكلام ما لا يستطيع اي مسئول في الدولة كبير او صغير قوله في سنة..

*بالنسبة لهموم المواطنين فهناك من يرى أنها ليست في أجندة الطرفين (السلطة والمعارضة)؟

- تأثير المواطن في السياسة ما زال محدودا بسبب الظروف الإقتصادية والإجتماعية التي تحاصره، وما زالت العلاقة بين المواطن والسياسي علاقة انتفاعية وانتهازية الى حد كبير. فالمواطن في الغالب يمكن ان يصوت للفاسد والجاهل واللص اذا كان يمكن ان يحصل على عوائد من ذلك حتى وان كانت تلك العوائد غير مشروعة او على حساب المصلحة الوطنية. وبهذه الطريقة تعيد الأوضاع انتاج نفسها ..هذا الوضع قد يتغير اذا ما قررت احزاب اللقاء المشترك المضي قدما في الحوار الوطني..

* لكن هذا لا يعفي السلطة والمعارضة من واجباتهما تجاه هموم المواطنين؟

- تقع المسئولية بالدرجة الأولى على السلطة. اما المعارضة فان مهمتها الأساسية هي التعبير عن هموم ومطالب وتطلعات المواطنين من خلال نضالها السلمي في الوصول الى السلطة. المعارضة لا تستطيع شق الطرق او بناء المدارس وهي خارج السلطة. وتكون المعارضة مقصرة بحق المواطنين عندما تخذلهم في معارضتها وتغلب مصالح قاداتها او تتواطأ مع السلطة ضد هم وضد مصالحهم..

*هل استفادت المعارضة من حواراتها السابقة مع الحاكم خلال السنوات السابقة من وجهة نظرك؟

- يشكل الحوار ضمانة هامة للاستقرار السياسي، وبناء الديمقراطية، وتطوير الثوابت الوطنية. لكن يفترض أن الأحزاب تحاور لتعيش ولا تعيش لتحاور..

*ماذا تقصد بذلك؟

- اقصد ان الحوار ركن اساسي من اركان الديمقراطية ..انه للديمقراطية مثل الوضوء للصلاة..لكن الأحزاب لا يمكن ان تشغل نفسها بالحوار والحوار فقط. فالوضوء في آخر المطاف لا يغني بحد ذاته عن الصلاة.

*كأكاديمي وكمراقب سياسي ما الذي تتوقع أن تقوم به كلا من السلطة والمعارضة في الأيام القادمة بشأن الانتخابات؟

-لا استطيع ان اقول لك ما ستقوم به السلطة والمعارضة..لكني استطيع ان اقول لك ما الذي ينبغي ان تقوما به.. عليهما العودة فورا الى مجلس النواب واقرار التعديلات المتفق عليها في قانون الإنتخابات واعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وفقا لما تم الإتفاق عليه، وعندها سيكون البلد في وضع افضل..وستكون السلطة في وضع افضل.. والمعارضة في وضع افضل..وانا ضد مطالبة المعارضة باكثر من ذلك وضد محاولات الحاكم الإلتفاف على ما تم الإتفاق عليه.

*كيف سيكون ذلك ولجنة الانتخابات الحالية بصدد إقرار اللجان الأصلية والأساسية والفرعية للانتخابات من موظفي التربية والتعليم؟

- سأتكلم هنا كمواطن يستميت في التمسك بحقوقه السياسية وليس كأكاديمي. بالطبع ما زلت اعتبر أن ما يجري الآن هو حلقة من حلقات "الكاميرا الخفية" لكن اذا كان هذا هو فعلا ما سينفذونه فانا اقول لهم ما قاله ابو الأحرار محمد محمود الزبيري:

والحكم بالغصب رجعي نقاومه وان لبس الحكام ما لبسوا

اسناد مهام السجل الإنتخابي لوزارة التربية والتعليم هو خطوة مسيئة لنا كبلد وكنظام سياسي وكشعب، وتتحمل اللجنة العليا للانتخابات وحدها وباشخاصها مسئولية الخطوات التي تقوم بها والخارجة (من وجهة نظري) على الدستور والقانون. وانا كمواطن له حقوق سياسية لن اشارك في تسجيل اسمي ولن اعترف باي برلمان تفرزه مهزلة مثل هذه واعرف الكثيرين الذين يشاركونني نفس الموقف..وسادرس بجدية خيار الإلتحاق بعبد الملك الحوثي لإن شرعية ما يقوم به ستكون اقوى من شرعية مجلس الآباء الذي ستفرزه وزارة التربية. انظر الى وضع التعليم لتعرف النتيجة التي سنحصل عليها في السجل الإنتخابي.

* (مازحاً) ولكن ماذا لو شارك الحوثي بالانتخابات ، ومنحت صعدة المؤتمر الأغلبية الكاسحة والمدمرة كما هو معتاد؟

- حدوث ذلك في ظل مشاركة اللقاء المشترك وفي ظل انتخابات حرة ونزيهة سيمثل نصرا للبلاد وللحزب الحاكم. اما حدوثه في ظل انتخابات شكلية فانه سيزيد من تعميق الأزمة الوطنية ويرفع احتمال قيام حرب طائفية الى 95% وسيحقق اعداء البلاد عن طريق السلم ما لم يستطيعوا تحقيقه عن طريق خمس حروب الا وهو الدفع بالبلاد الى اتون حرب طائفية.

*ما مدى توفر عوامل إجراء الانتخابات النيابية القادمة؟

- حتى الان الصورة عائمة. نصيحتي للحزب الحاكم هو ان يعلق العمل بالدستور ويلغي الإنتخابات. فذلك افضل واكثر لياقة مما يحدث الان واقل في تأثيره السلبي وفي اخطاره مما يحدث الآن باسم التحضير للانتخابات..لن تجري انتخابات في ظل الترتيبات الحالية وانما انتكاسات..

*وإذا ما تمكن الحاكم من إقناع الخارج بدعم انتخابات أحادية؟

-لا يحتاج الحزب الحاكم الى اقناع الخارج بدعم انتخابات احادية ، فليس هناك من سيناريو يخدم مصالح الخارج في اليمن مثل السيناريو الذي يتم تنفيذه اليوم والقانون الدولي لا يحمي المغفلين. ومشكلة الخارج هي ان لديه قوالب جاهزة او وصفة طبية واحدة يعالج بها كل مريض. والنتيجة دائما سيئة..ويكفي ان تنظر للوضع في العراق او افغانستان لتعرف كيف يفكر الخارج.. وباختصار فان للخارج مشروعه الخاص الذي يحاول فرضه على الجميع وعلى طريقة حمل عبء "الرجل الأبيض" في تحرير الرجل الأسود.

* كيف؟

- للخارج مشاريعه الخاصة فهو اليوم لاعب اساسي على الساحة يفوق السلطة والمعارضة قوة. وهناك مؤشرات على ان ما يحدث اليوم يخدم مصالحه بشكل أو بآخر او هو يعتقد ذلك. والخارج عندما يتورط في الداخل نادرا ما يصيب وغالبا ما يخطأ. هناك اطراف كثيرة تريد تغيير اليمن اليوم بطرق مختلفة وخارج اطار الشرعية والديمقراطية. والخارج قد لا يتردد في الدفع بالبلاد الى حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر اذا اعتقد ان مثل تلك الحرب يمكن ان تحقق له التغيير السريع. قتل الناس لجعلهم ليبراليين ومسالمين وقابلين للتحضر. والطريق الوحيد لتغيير اليمن الذي لا يريد الكثيرون السفر عليه هو التغيير السلمي الديمقراطي التدرجي.

* كيف يحاول الخارج فرض مشروعه الخاص ؟

- هذا سؤال يصعب الإجابة عليه. اقصى ما استطيع فعله هو النظر الى السماء ورؤية السحب السوداء التي تنذر بالعواصف والأعاصير. اما اين وكيف ومتى ستضرب تلك العواصف ففي علم الله..

*هل البيئة المجتمعية في بلادنا مهيئة لإجراء الانتخابات،وخاصة في المحافظات الجنوبية؟

- تمثل الانتخابات البرلمانية الحرة والنزيهة والمقبولة من جميع الأطراف أهم المخارج للبلاد من الأزمات الراهنة، وهي الضمانة الوحيدة لبقاء سلطة القرار السياسي بيد اليمنيين خصوصا وان البوارج الحربية تتداعى الى خليج عدن. وبالنسبة للمحافظات الجنوبية فان حدوث انتخابات حرة ونزيهة ومقبولة من جميع الأطراف هي أهم ضمانة للوحدة حتى وان قاطعها جميع الجنوبيين. اما اجراء انتخابات خارج الدستور والقانون فانها لا يمكن سوى ان تقوي من حجة دعاة الإنفصال حتى وان شارك في التصويت جميع الجنوبيين..

* بالنسبة لعملية إطلاق المعتقلين السياسيين هل يمكن ان تساعد في تغيير الوضع القائم؟

- اطلاق المعتقلين السياسيين خطوة هامة لإنها مثلت عودة الى الشرعية واشاعت الطمانينة بان السلطة ما تزال قادرة على تلمس طريق الصواب. لكن اطلاق سراح المعتقلين السياسيين لا يكفي بحد ذاته للتخفيف من الأزمة القائمة. القرار ازاح احدى العقبات التي اعترضت التوافق بين الحاكم والمشترك حول تعديل قانون الإنتخابات وحول تشكيل اللجنة العليا للانتخابات. والمهم الان هو البناء على تلك الخطوة..

*ماالذي يمكن أن يقوله الدكتور الفقيه بمناسبة الذكرى الـ46 لثورة سبتمبر،والذكرى الـ45 لثورة أكتوبر؟

- احيى نضالات الأجداد والآباء وادعو لهم بالرحمة واعتذر منهم نيابة عن جيلي عن خذلانهم وعن عدم مواصلة المسيرة بنفس القوة والزخم. اعتذر منهم لأن اليمن اليوم وبعد كل هذه السنوات ما زالت في ذيل قائمة الدول في كل شيىء. مازالت الأشد فقرا والأكثر امية وجهلا ومرضا. لقد سبق الثوريون من الآباء والأجداد عصرهم وتأخرنا نحن الأحفاد عن عصرنا. واذا كانوا قد تحملوا بشجاعة عبء التغيير فعلينا ان نتحمل وبشجاعة مسئولية التقصير والتفريط

*يعني أنت ممن يطالبون بعملية إصلاح مسار الثورة؟

-لا يمكننا ان نعيش المستقبل بشروط الماضي ، ولا ان نشغل حياتنا بالعودة الى احداث الماضي لإصلاحها. ماضينا مليىء بالتجارب والأحداث وعلينا كيمنيين الوعي بها والإستفادة منها والتعلم من الأخطاء. و بعد ذلك علينا ان نركز على مشكلاتنا القائمة والمتوقعة وان نجد الحلول الملائمة لها بما يتفق ومستجدات العصر..

* بمناسبة حديثك عن المشكلات القائمة، وبعد تزايد التفجيرات مؤخراً،كيف تنظر إلى علاقة السلطة بتنظيم القاعدة؟

- سيكون من الخطأ ان نحلل التفجيرات الأخيرة بمعزل عن التطورات الأخرى وخصوصا الأحداث في صعدة. واذا كان هناك من دروس يمكن تعلمها فهي ان الأوضاع القائمة تحمل الكثير من المخاطر وتزيد من احتمالات انزلاق البلاد الى دوامة عنف اكثر اتساعا واشد عمقا من حروب صعدة الخمس. ولا يمكن التغلب على الإرهاب دون العودة الى الشرعية الدستورية والآلية الإنتخابية ودون تفكيك عوامل التوتر القائمة في صعدة. لا بد من عودة الأوضاع الى ما كانت عليه قبل عام 2004 ولا بد ان يقبل الجميع بالآلية الإنتخابية الحرة والنزيهة كطريق وحيد للوصول الى السلطة اوالإحتفاظ بها. اما التوظيف السياسي للقاعدة والذي يوحي به سؤالك فهو خطر، وان وجد فاول من سيكتوي بناره هو النظام ورموزه.

* من يوظف من فيما يتعلق بالإرهاب وصعدة وغيرها؟

- المسألة ليست بهذه السهولة ولا يمكن حلها عن طريق البحث عن من يوظف من. من يوظف من هذه مهمة الأجهزة الأمنية وليست مهمة اساتذة الجامعات.. ما استطيع قوله هو ان الإستقرار السياسي يتحقق في اي مجتمع عن طريق توزيع معين للسلطة والثروة بين الجماعات السياسية الفاعلة والمتباينة ثقافيا او مذهبيا او عرقيا او غير ذلك. وليس شرطا ان يكون ذلك التوزيع عادلا ولكن يكفي ان يكون مقبولا ومستقرا. وما يحدث في المجتمعات النامية وخصوصا تلك التي تتصف بوجود اكثر من دين او مذهب او عرق أو قبيلة هو اما ان السلطة ومن خلال السياسات المختلفة التي تتبناها تطيح بذلك التوازن عن قصد او عن غير قصد او ان احدى الجماعات تبدأ نتيجة لسبب او لآخر بالمطالبة باعادة النظر بالتوزيع القائم للسلطة والثروة. وفي ظل غياب آلية ديمقراطية فعالة يصبح العنف هو الأسلوب المتبع في عملية المراجعة.

*ما هي تداعيات التفجيرات على العلاقات الخارجية لبلادنا؟

- لن تزيدها سوءا اكثر مما هي عليه الآن. ووجهة نظري هي ان على اليمنيين ان يتعاملوا مع الإرهاب كقضية داخلية بحتة ذات تداعيات على الأمن القومي. وهذا يعني ان يتم استغلال كل الموارد المتاحة في ملاحقة العناصر الخطرة والقاء القبض عليها وتقديمها الى المحاكمة وان يتم تفكيك كافة الجماعات المسلحة واخضاع عناصرها لرقابة صارمة ولبرامج اعادة تأهيل ودمج اجتماعي ان لم يكن قد ثبت عليها اي تورط في اعمال عنف. بالنسبة للعناصر المتهمة من قبل الدول الأخرى فتعمل الدولة على استيفاء كافة الأدلة من تلك الدول وتقوم بعد ذلك بتقديمها الى محاكمات عادلة. ومرة اخرى ينبغي التنبيه الى ان استخدام الحرب على الإرهاب كورقة للحصول على معونات دولية يمكن ان تشكل تهديدا لأمن البلاد والنظام.

*وماذا عن تأثيرأعمال القرصنة ومحاولة نشر قوات خارجية في البحر الأحمر على بلادنا؟

- هناك قليل من الإيجابيات وكثير من السلبيات لمثل هذه التطورات. ولعل ابرز السلبيات هي حدوث انكشاف للامن القومي للبلاد. فنشر قوات دولية في خليج عدن مع ما يحمله ذلك من احتمال تدويل لهذا الممر المائي الهام ولمضيق باب المندب هو شهادة فشل لليمنيين بانهم عجزوا عن الإستفادة من الموقع الإستراتيجي الهام لبلادهم الذي لطالما تغنوا به. وليس هناك الكثير مما يمكن عمله لمنع نشر تلك القوات في الوقت الحالي. لكن هناك الكثير مما يمكن عمله للتكيف مع الأوضاع الجديدة ولتجنب التدويل ولضمان عدم استبعاد اليمن من الترتيبات المتعلقة بنشر تلك القوات وتحديد مواقعها ومهامها. هناك الكثير ايضا مما يمكن عمله لضمان عدم تحول ذلك الوجود الدولي الى عامل يؤثر سلبا على الأمن القومي للبلاد او الى وجود دائم يدفع اليمنيون ثمن خدماته.

* مالذي يمكن عمله؟

- هذا الموضوع يطول الحديث فيه..وهو بحاجة الى ندوة..الى دراسة..الى مجموعة عمل. ودعني اركز هنا على ما يتصل بحوارنا. فلا بد من وفاق داخلي يبدأ بالعودة الى الشرعية الديمقراطية والدستورية ويحولها الى اداة لمعالجة الوضع في صعدة والوضع في الجنوب. فالوفاق الداخلي يسد احدى اهم ثغرات انكشاف الأمن القومي. هناك ايضا ضرورة ملحة لإعادة بناء الجيش اليمني وتركيز الثقل في قوة بحرية ذات فعالية عالية. وكان يفترض ان يتم هذا منذ زمن لكنه لم يتم. والان نحن بحاجة ماسة الى خطوة مثل هذه. ولا يوجد ما يمنع من توظيف 2 مليار دولار من الإحتياطات النقدية المتوفرة لبناء تلك القوة شريطة ان لا تنتهي تلك المبالغ في الجيوب.

* نبني قوة بحرية والناس يتضورون من الجوع؟

اليمن دولة بحرية وامنها القومي بكل ابعاده مرتبط بالبحر سوا عاش القراصنة طويلا ام انقرضوا سريعا..كيف سنطور السياحة والموانىء وقطاع الأسماك ونحن لا نمتلك قوة بحرية قادرة على ضمان الأمن والسلامة في سواحلنا..خطوة مثل هذه كان يفترض ان تتم عند قيام دولة الوحدة لكن انت تعرف والقارىء يعرف البئر وغطاه. ارجو

*لماذا لا يستفيد النظام اليمني ممايدور حوله مثل باكستان وموريتانيا وحتى في افريقيا؟

هناك اغراق في الشخصنة وضعف في المؤسسية بما تعنيه من بحث وتركيم للمعلومات وتحليل وهناك محسوبية متجذرة تجعل تعيين النسب والمقرب مقدم على تعيين الأكفاء وهناك قلق سياسي على الكرسي يجعل الولاء السياسي مقدم على الكفاءة. وهذا هو ما يقود في النهاية الى انهيار الأنظمة..

* وكأنك تشير إلى وفود الأقارب إلى بعض المملكات المجاورة؟

- اليمن بلد جمهوري وهناك بالتأكيد الكثير من الممارسات التي تسيىء الى الجمهورية لكن الحكم على هذه الظواهر لا ينبغي ان يتم خارج السياق السياسي والثقافي والإجتماعي لليمن وللدول المجاورة لها. وبالنسبة للوفود فليست أسوأ ما في الموضوع ولا اعتقد اننا ينبغي ان نشغل انفسنا بها اذا كنا فعلا دعاة اصلاح وتغيير.

*كلمة أخيرة؟

اتمنى لصحيفة العاصمة المزيد من التطور وجنب الله بلادنا كل مكروه.