الثلاثاء، 17 يونيو 2008

الأجندة الأمريكية الخفية في اليمن

د عبدالله الفقيه
نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية يوم السبت السابع من يونيو 2008 تحقيقا حول حرب صعدة بعنوان "في اليمن: استمرار الحرب الطائفية التي يتم التغطية عليها." وقد اعد التحقيق مراسلة الصحيفة في الشرق الأوسط ايلين نيكمير. كانت السيدة نيكمير قد زات الكاتب في منزله الى الشمال من صنعاء برفقة صحفي يمني وناقشت معه الكثير من الأفكار الواردة في المقال بما في ذلك الزعم الكبير بان الحرب الدائرة في صعدة هي حرب طائفية لكن الكاتبة بدت مصرة على رؤية معينة للاحداث ربما املاها عليها السفير الأمريكي في صنعاء ستيفن سش والذي كانت قد قابلته قبل التقائها بالكاتب مباشرة. ومع ان العادة في مثل هذه الحالة هي ان يورد الصحفي الراي الآخر الا ان السيدة نيكمير خرجت على ابسط قواعد العمل الصحفي وهي ان يعكس عملها الرؤى الموجودة على الساحة وان لا يبحث الصحفي لنفسه عن اجوبة معينة.
وهكذا جاء تقرير الواشنطن بوست ليكون انموذجا للعمل الصحفي السيىء بكل ما تعنيه الكمة من معنى. والمشكلة لا تكمن في انحياز الصحفية الى صف الحوثيين ضد النظام اليمني او العكس بقدر ما تكمن في محاولة تعريف الصراع بطريقة ملتوية لا تخدم الحوثيين ولا النظام اليمني. فتعريف الحرب الدائرة بانها حرب طائفية والإيحاء بتورط السعودية وايران والحديث عن السنة المتطرفين المتعطشين للقتال هي مسائل يتم توظيفها بعناية لأعطاء الصراع ابعادا لا يحتملها. فكيف يمكن الحديث عن حرب طائفية اذا كان الحوثيون زيود ورئيس الجمهورية زيدي وقادة المعسكرات هم زيود؟ وكيف يمكن الحديث عن حرب طائفية ومعظم قادة الحزب الحكم هاشميين؟
اخطاء الأمريكيين
كان الأمريكيون خلال الثمانينات من القرن الماضي يدعمون ايران لضرب العراق ويدعمون العراق لضرب ايران على امل ان الحرب طويلة الأمد كفيلة باضعاف الإثنين وهو ما تحقق الى حد ما. فقد كان عقد الثمانينات بالنسبة للعراق وايران هو عقد اهدار الموارد المادية والبشرية في حرب لم تنتج للطرفين سوى الحرب مئات الالاف من الضحايا. وتمكنت الولايات المتحدة من خلال اللعب على التناقضات بين ايران والعراق من الدفع بالدولتين الى حافة الهاوية. ثم تمكنت بعد ذلك من الإنفراد بالعراق وضربه. وها هي تحاول الإستفراد بايران وضربها.
وما يحدث في صعدة ليس بعيدا عن ما حدث في ثمانينات القرن الماضي. وهناك مؤشرات على تورط امريكي في صعدة يفوق المؤشرات الدالة على تورط ايراني أو سعودي. وليس من المستبعد ان حكومة الولايات المتحدة تسعى لإستدراج ايران والسعودية الى حرب طويلة الأمد في شمال اليمن تكون كفيلة باضعاف الدولتين معا بالإضافة الى اضعاف اليمن بالطبع. والمستفيد الوحيد، كما تعتقد الحكومة الأمريكية، هو المشروع التحديثي الأمريكي . فغير خاف على احد ان امريكا قد عرفت في الفترة التالية لأحداث سبتمبر الكثير من فرق السنة والشيعة كاعداء لمشروعها الثقافي التحديثي. وفي اليمن اضافت الولايات المتحدة الى قائمة الإعداء القبائل والمشايخ والناصريين والبعثيين. وربما ان اندلاع احداث العنف وبالتزامن في لبنان والسودان وشمال اليمن لم يكن محض مصادفة.
وتكمن الإشكالية في السياسات والممارسات الأمريكية في الشرق الأوسط خلال السبعين عاما الماضية في انها كانت وبشكل مستمر معزولة عن تفضيلات ورغبات وظروف الناس. وانطلقت تلك السياسات والممارسات من معرفة ضحلة بالعرب والمسلمين والثقافة العربية والشرق الأوسط. ولذلك قادت السياسات الأمريكية دائما الى خلق ظروف أسوء كما حدث في العراق حين فاقت اساليب التعذيب التي ابتكرها "العم سام" كل الأساليب التي كان جلاوزة صدم حسين قد اخترعوها. ولذلك فقد كانت سياساتها المختلفة طيلة السبعين عاما الماضية مسئولة الى حد الكبير كليا أو جزئيا عن الكثير من الأزمات في المنطقة.
فالدعم الأمريكي غير المشروط لشاه ايران وسياساته قادت الى الثورة الإسلامية في ايران والتي مهدت بدورها للعداء الإيراني الخليجي ولقيام حرب الخليج الأولى بين العراق وايران. وبدورها قادت الحرب العراقية الأيرانية الى الغزو العراقي للكويت. ولا ينبغي لأحد ان ينسى الدور الأمريكي في الجهاد في افغانستان والذي ساهم مع التدخل الأمريكي في خلق السياق لظهور تنظيم القاعدة .
ولم يتعلم الأمريكيون من الدروس. فبعد احداث سبتمبر قرروا غزو العراق ليطيحوا بتوازن القوى التقليدي الذي كان قائما في المنطقة وليساهموا في الدفع باسعار النفط الى تسجيل ارقام قياسية لم تعرفها اسواق الطاقة. وساهمت الإدارة الأمريكية في اعقاب ال11 من سبتمبر في جعل العالم اسوء بكثير مما كان عليه قبل ذلك التاريخ ليس فقط للعرب والمسلمين ولكن لجميع سكان العالم بما في ذلك الأمريكيين. ومع ان الرئيس جورج بوش الأبن الرئيس الأمريكي الحالي قد اعترف في خطاباته وبشكل متكرر باخطاء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الإ ان اعترافه لم يرق الى حجم الخطأ والمعاناة. والأهم من ذلك هو ان الإدارة الحالية لم تعترف باخطائها الجسيمة في المنطقة والتي جعلت وجه الإرهاب القبيح يبدو اكثر جمالا مقارنة بالممارسات الأمريكية. وهناك شواهد تدل على ان الولايات المتحدة ماضية في ارتكاب المزيد من الأخطاء معيدة الى الأذهان فترة الحرب الباردة.
وعلى ضوء سبعون عاما من التخبط الأمريكي في الشرق الأوسط ومن الإدارة بالأخطاء لا يملك اي مراقب سوى ان يتساءل عن طبيعة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في اليمن وجنوب الجزيرة العربية وعن موقع الصراع في صعدة من التكتيك والإستراتيجية الأمريكية. فهل يحاول الأمريكيون مثلا الزج باليمن في حرب طائفية تمكنهم من اعادة صياغة المشاهد السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في المنطقة؟ وهل يحاول الأمريكيون استدراج السعودية وايران الى مستنقع صعدة؟ وما هو هدف الأمريكيين من ركوب مأسأة 18 يمنيا تعرضوا للحرق في خميس مشيط؟
ليس هناك اجوبة واضحة مائة في المئة على الأسئلة السابقة ولكن هناك مؤشرات على ان الأمريكيين يحضرون بقوة في صعدة بشكل أو باخر وانهم اصحاب مصلحة في استدراج ايران وكذلك السعودية وذلك لإن مقتضيات مشروع التحديث الأمريكي تتطلب اضعاف الجميع. والأمل هو ان يفيق العرب لأنفسهم ليس فقط رافة بانفسهم ولكن ايضا رأفة باصدقائهم الأمريكيين.
عن صحيفة ايلاف بتاريخ السابع عشر من يونيو 2008

الجمهورية اليمنية: تحديات معقدة وسياق اكثر تعقدا...

د. عبد الله الفقيه
dralfaqih@yahoo.com

تقول احدى النكات المنتحلة ان مسئولا يمنيا رفيعا فرك خاتما يضعه في احدى اصابعه فخرج له عفريت وساله عن الحاجة التي يريد منه قضاءها. فما كان من المسئول الإ ان طلب من العفريت ان يعالج "النزعة الإنفصالية" التي تعتري الكثير من الناس في المحافظات الجنوبية. فطلب العفريت من المسئول اليمني ان يشرح له المشكلة بالتفصيل. وقد أجاب طالبه. ولما فرغ المسئول من شرحه اعتذر العفريت بادب عن حل المشكلة لإنها كما قال اكبر من طاقته. لكنه في نفس الوقت سأل المسئول عما اذا كان هناك مشكلة اصغر منها تتفق مع قدراته ويستطيع حلها. فطلب منه المسئول اليمني هذه المرة تحقيق مطالب الدكتور محمد حيدرة مسدوس الخاصة ب"اصلاح مسار الوحدة." فربما يكون ذلك كفيلا باعادة الأمور الى نصابها. فسأل العفريت محاوره عن تفاصيل مطالب مسدوس. فقال له المسئول ان مسدوس يطالب ب"الغاء الفتوى التي صدرت في عام 1994 وبررت الحرب؛ اعادة كافة المنهوبات العامة والخاصة من مؤسسات وممتلكات الجنوب؛ اعادة كافة الجنوبيين المشردين في الداخل والخارج الى وظائفهم ...الخ." وقبل ان يكمل المسئول قراءة مطالب مسدوس الستة قاطعه العفريت طالبا منه ان يعيد شرح "النزعة الإنفصالية" في الجنوب لإنها بدت له اقل تعقدا من مطالب مسدوس.
وتقترب النكتة كثيرا من طبيعة التحديات التي تواجهها الجمهورية اليمنية في الوقت الحاضر. فهناك في الجنوب معاناة كبيرة تعمل بعض النخب السياسية على توظيفها ضد الوحدة اليمنية. وهناك على مقربة من تلك النزعة الإنفصالية تيار يسعى لإصلاح مسار الوحدة ويطرح مطالب يبدو من المستحيل تحقيقها بالشكل الذي يتم طرحها به. ولا تقتصر التحديات بالطبع على الوضع في الجنوب. فالتمرد في صعدة يدخل عامه الخامس دون وجود مؤشرات على نهاية وشيكة سلمية كانت أو غير سلمية. وفي الوقت الذي يركز فيه هذا المقال على تحدي التمرد في صعدة والغضب في الجنوب فانه لا ينبغي التقليل من الخطر الذي يمثله الإرهاب على الإقتصاد الوطني وعلى علاقة اليمن بالعالم. وكل تحد من التحديات السابقة له جذوره التاريخية وتعقيداته الداخلية وامتداداته الخارجية. وما يزيد الوضع سوءا هو ان البلاد تواجه العديد من التحديات في نفس الوقت وفي ظل سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا.
تمرد صعدة
بدأ التمرد في صعدة في عام 2004 وشهد حتى الان خمس جولات من المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية من جهة والتمردين من جهة أخرى. وقد انتهت الجولات الثلاث الأولى بمصالحة بين الحكومة من جهة والمتمردين من جهة أخرى. لكن تلك المصالحات التي غلبت عليها السرية قادت الى جولات جديدة من الحرب. وبالنسبة للاتفاق الرابع والذي تم التوصل اليه بواسطة قطرية في يونيو 2007 فقد اختلف عن سابقيه من الإتفاقات حيث جاء مكتوبا ومعلنا ومحددا لآلية الحل. وتوفرت لإتفاق 2007 الكثير من شروط النجاح وأهمها وجود الوسيط الخارجي وتبني آلية للحل يشارك في تنفيذها معظم القوى السياسية. ورغم ذلك فقد انتهى به الأمر الى الفشل لأسباب كثيرة لا يتسع المجال هنا لمناقشتها. وكان هناك اتفاق خامس في الدوحة تلى الإتفاق الرابع وقاد الى الجولة الخامسة من الحرب.
ويمكن ادراج الصراع الدائر في صعدة تحت ذلك النوع من الصراعات الذي يبدأ فيه الأطراف بالصراع ثم يبحثون بعد ذلك عن الأسباب التي يمكن ان يبرروا بها الصراع. وتكون النتيجة هي ان الصراع ذاته يتحول الى سبب ونتيجة في نفس الوقت. فالدولة تحارب الحوثيون لإنهم يحاربونها والحوثيون يحاربون الدولة لإنها تحاربهم.
ولعل المشكلة التي تواجه المحلل بالنسبة لأحداث صعدة لا تكمن في غياب التفسيرات المختلفة للاسباب التي ادت الى اندلاعها ثم استمرارها ولكنها تكمن بشكل أساسي في كثرة الأسباب الى الحد الذي يصعب معه وفي ظل بقاء الأزمة على حالها تحديد سبب واحد أو بضعة اسباب مقنعة للازمة. فقد تولى الهاشميون تاريخيا الحكم وتولت الزيدية القبلية ممثلة بحاشد وبكيل المناصرة. وتغيرت الأدوار بقيام ثورة ال26 من سبتمبر حيث اصبح المناصرون حكاما والحكام انصارا. واذا كان الهاشميون قد قبلوا في الماضي وان على مضض بعملية تغيير الأدوار فان ظهور التوريث كخيار استراتيجي للزيدية القبلية وظهور وتنامي الفقر والفساد وتفريغ الآلية الديمقراطية من مضمونها قد خلقت كلها الظروف المواتية لقيام التمرد. والمتأمل في خطب حسين بدر الدين الحوثي الأب الروحي للحوثية سيلاحظ تركيزه الضمني على مسألة غياب الشرعية الجمهورية ومقارنته بين الحكم الجمهوري القائم وحكم الإئمة.
وبرغم اللامبالاة التي يظهرها الكثير من اليمنيين تجاه الصراع فان الملاحظ، وكما اثبتت الجولات السابقة من الحرب، ان الصراع يزداد تعقدا كلما طال عمره. فالحوثيون الذين لم يطرحوا مطالب سياسية واضحة خلال الجولات الثلاث الأولى صار لهم مطالب سياسية ودينية واضحة خلال الجولتين الرابعة والخامسة. وفي الوقت الذي كان فيه الصراع محصورا خلال الجولات الثلاث الأولى على الحكومة والمتمردين شهدت الجولة الرابعة دخول قطر ومن خلفها بعض القوى الإقليمية والدولية كوسيط في الأزمة. وفي الوقت الذي انحصرت فيه المواجهات العسكرية في الجولات السابقة على محافظة صعدة فانه يلاحظ ان المواجهات في الجولة الحالية تتم في ثلاث محافظات.
وفي الوقت الذي لم ينجح فيه الحوثيون خلال الجولات السابقة في تصوير الحرب على انها حرب طائفية فان الجولة الخامسة من جولات الصراع قد شهدت اختراقا حوثيا للاعلام الدولي يصور الصراع الدائر على انه صراع طائفي. ويظهر تحقيقا نشرته صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية المقربة من الحكومة الأمريكية يوم ال7 من يونيو 2008 الحوثيين وهم يقودون حربا ضد النظام اليمني المتحالف مع القاعدة والوهابيين المتشددين الذين ينظرون الى الشيعة على انهم خطر على المجتمعات والدول يجب استئصاله. وشهدت الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب تحول ربة بيت امريكية تقيم في ولاية نيوجرسي وتعرف باسم جين نوفاك وتنشط في القضايا الحقوقية وخصوصا تلك المتصلة بالشيعة في اليمن الى رمز اعلامي هام. وبعد ان كانت نوفاك تجد صعوبة في نشر افكارها في الصحف داخل الولايات المتحدة أصبحت فجأة حديث وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية حيث قدمتها محطة فوكس نيوز اكثر المحطات الأمريكية مشاهدة على انها ربة بيت امريكية تمكنت من التحول الى العدو الأول للحكومة اليمنية. وظهرت نوفاك بعد ذلك في محطات اذاعية وتلفزيونية عديدة ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن ايضا في اوروبا.
وتثير الطريقة التي يتطور بها الصراع القلق من ان استمرار الحرب قد يقود الى تورط اطراف خارجية في الصراع او ينتقل بالتمرد الى وضع الحرب الأهلية. ومع ان هناك من يقول ان السعودية تدعم النظام بالمال والأسلحة الإ ان ذلك القول غير واقعي. فقد اظهرت السنوات الماضية من الصراع ان القوى الإقليمية وفي مقدمتها السعودية وايران تدرك حساسية الوضع وتدرك ان تدخل اي منها لصالح طرف سيقود القوى الأخرى الى التدخل لدعم الطرف الآخر وهو ما قد يدفع باليمن الى حرب أهلية تستمر لعقود وتزعزع استقرار المنطقة بكاملها. ولا يبدو الحديث عن مخاوف سعودية من قيام دولة شيعية الى جنوبها قد تمتد الى بعض المناطق التي يسكنها الشيعة داخل الحدود السعودية منطقيا في ظل الدعم السعودي خلال ستينيات القرن الماضي للامام المخلوع.
واذا كانت الحلول السلمية قد فشلت او تم افشالها فان السؤال الذي يطرح نفسه يدور حول ما اذا كان "الحسم العسكري" الذي تتحدث عنه السلطة بشكل متكرر ممكنا. ومع ان الحكومة لا تقدم تعريفا ل"الحسم العسكري" وهو ما يقود الى الكثير من سوء الفهم الإ ان ما يفهم من الخطاب السياسي الحكومي المصاحب للحرب هو ان الحسم العسكري يعني ان يلقي الحوثيون باسلحتهم ويخلوا مواقعهم العسكرية ويعودوا الى قراهم.
وليس هناك جواب سهل على السؤال الخاص بمدى امكانية الحسم العسكري. فالمتأمل في التمردات التي شهدتها اليمن في القرن العشرين سيلاحظ بسهولة ان تلك التمردات قد حسمت في الغالب باستخدام القوة. لكن القياس التاريخي هنا قد لا يساعد في ترجيح كفة الداعين الى الإستمرار في الحرب حتى حدوث الحسم وذلك لإختلاف السياقات التاريخية عن المعاصرة. فللتمثيل فقط فان الإستخدام المفرط للقوة الذي كان ممكنا خلال النصف الأول من القرن العشرين لم يعد ممكنا الان واصبح يندرج ضمن جرائم الحرب التي قد تعرض مرتكبيها لعقوبات ومحاكمات وملاحقات دولية. ضف الى ذلك ان اليمن تواجه هذا التمرد وهي تعاني الكثير من التحديات الانية والإستراتيجية والتي تجعل استمرار الحرب بمثابة استزاف لقدرات البلاد المادية والبشرية.
ولا يشكل التمرد الدائر في صعدة بشكله الحالي ومهما طال امده خطرا على وحدة البلاد بشكل مباشر. لكن استمراره في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة قد يكون له تداعياته الخطيرة على النظام السياسي وعلى الدولة اليمنية وبالتالي على الوحدة الوطنية والجغرافية للبلاد. ومن وجهة نظر الكاتب فان التركيز لا ينبغي ان يكون على الطريقة التي يتم بها حسم الصراع (القوة العسكرية أو الحوار) بل على مسألة الحسم ذاتها. فمن منظور المصلحة الوطنية فان حسم الصراع بالأدوات السلمية بسرعة هو بالتأكيد افضل بكثير من حسم الصراع بالقوة بعد شهور أو سنين.
القضية الجنوبية
يتفق اليمنيون جميعهم على وجود مظالم وقعت على ابناء المحافظات الجنوبية والشرقية ونتجت عن حرب عام 1994 وعن السياسات التي تم تبنيها من قبل النظام فيما بعد الحرب. لكنهم بعد ذلك يختلفون حول الطريقة التي يتم بها التعبير عن تلك المظالم. ففي حين ان بعض اليمنيين يرون ان ترديد الشعارات المعادية للوحدة والخروج في مسيرات ومظاهرات تدعو الى الإستقلال لا تمثل مشكلة طالما تم ذلك بطريقة سلمية، هناك في المقابل من يرى ان المظاهرات والمسيرات المعادية للوحدة قد تؤدي مع مرور الزمن ومع الظروف الإقتصادية الصعبة الى الإضرار بالوحدة.
ويلاحظ ان تعامل النظام مع الغضب الجنوبي، الذي يكمل عامه الأول عن قريب، قد تأرجح بين اليد اللينة واليد الغليظة. فرغم سقوط عدد من القتلى في المواجهات بين المواطنين وقوات الأمن في اكثر من مناسبة الإ انه بالنظر الى حجم المسيرات والمظاهرات والى طبيعة النظام يمكن القول بان النظام قد اظهر درجة عالية من ضبط النفس لمعظم الوقت. ولعلى اقصى درجات التصعيد قد حدثت في الفترة الأخيرة عندما قامت السلطة باعتقال الكثير من النشطاء وتقديم عددا منهم الى المحاكمات. ومع ان هناك من يعتقد ان مثل هذه الإعتقالات والمحاكمات يمكن ان تشكل رادعا الإ أن الخوف هو ان تؤدي مثل هذه المحاكمات التي يصعب تبريرها دستوريا وقانونيا وحتى اخلاقيا الى تصليب المواقف والوصول الى نتائج عكسية كما حدث في حالات سابقة وان في سياقات مختلفة. ضف الى ذلك ان الاعتقالات والمحاكمات التي تتم خارج الدستور والقانون والتشدد الذي يبديه النظام في مواجهة المعارضة تخلق شعورا يؤثر سلبا على امكانية حسم التمرد في صعدة أو التغلب على غضب الجنوب.
واذا كان التعديل الحكومي الأخير الذي تم ادخاله على حكومة الدكتور/علي محمد مجور في ال19 من مايو قد جاء ليقوي من القبضة الأمنية في بعديها العسكري والشرطوي، فانه قد أثار بالتأكيد قلق الطبقة السياسية من قيام النظام بالإنقلاب على اسس العقد الإجتماعي وفرض رؤيته ومصالحه على الآخرين داخل النظام وخارجه وبالحديد والنار كما يقولون. وتشكل اختراقات النظام المتكررة للدستور والقانون ومحاكمات الخيواني والقرني وغيرهم من الناشطين مبعث قلق واسع من ان النظام يمارس الإنتقام من خصومه ولا يفرق بين المعارضة السلمية وحمل السلاح في وجه الدولة.
وبالنسبة لجهود النظام في معالجة المشاكل والإختلالات والمظالم القائمة في المحافظات الجنوبية والتي شكلت الدافع الأعمق للغضب الجنوبي فقد قام النظام ببعض المعالجات حيث تم اعادة الكثير من الكوادر الجنوبية الى الخدمة وتم تسوية اوضاع اولئك الذين تم احالتهم الى التقاعد. وكان هناك تعيينات لبعض الكوادر الجنوبية في مواقع قيادية داخل المؤسسات المدنية والعسكرية. وقد ساعدت تلك الإجراءات في امتصاص بعض الغضب. وهناك رهان كبير على ان يلعب المحافظون الجدد للمحافظات الجنوبية والشرقية والذين تم اختيارهم—بغض النظر عن طريقة الإختيار—من بين ابناء تلك المحافظات دورا كبيرا في امتصاص غضب ابناء تلك المحافظات وفي معالجة المشاكل القائمة اولا باول. لكن الرهان على المحافظين او على المعالجات التي تم اتخاذها او على القبضة الأمنية وعدم المضي قدما في اصلاحات سياسية واقتصادية تفعل النظام القائم وتحسن من مستوى ادائه وبما يكفل تحسين مستوى المعيشة للناس في الشمال والجنوب على السواء قد يجعل مستقبل البلاد مفتوحا على كل الخيارات.
سياقات معقدة
يواجه النظام اليمني تمرد صعدة وغضب الجنوب وتهديدات القاعدة في ظل سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة. فعلى الصعيد السياسي تعاني الطبقة السياسية في جانبيها الرسمي وغير الرسمي العديد من الإنقسامات التي اضعفت تماما ما يمكن تسميته ب"الإرادة الوطنية" التي هي بالتأكيد الضامن الأول للنظام والدولة. أما على الصعيد الإقتصادي فان البلاد تواجه وبالتزامن تراجع في انتاج النفط وفي المخزون المائي. وفي الوقت الذي ادت فيه ارتفاعات اسعار المواد الأساسية كالقمح والشعير الى التضييق على الكثير من اليمنيين في عيشهم يواجه الإقتصاد اليمني ضغوطا دولية لرفع اسعار المشتقات النفطية وللقيام بالعديد من الإصلاحات التي سيكون من شأنها التأثير سلبا على المزيد من السكان وبالتالي احداث المزيد من التآكل في شرعية النظام وفي القدرة على الحكم. اما على الصعيد الإجتماعي فان اليمن تواجه وبالتزامن ايضا معدل للنمو السكاني هو واحد من ضمن الأعلى في العالم واتساعا في رقعة الفقر وارتفاعا في معدلات البطالة وتدهورا في الخدمات الأساسية وعلى راسها الصحة والتعليم.
وفي بلد تتناقص فيه الموارد ويشتد الصراع حولها يلاحظ ان السياسات المختلفة التي تم تبنيها في الماضي قد قادت الى تبلور طبقتين اجتماعيتين: طبقة صغيرة متخمة واغلبية فقيرة معدمة. اما الطبقة الوسطى والتي يمكن ان تشكل الضامن للاستقرار فقد تلاشت. وفي ظل تركيبة اجتماعية مثل هذه سيكون من الصعب تحقيق اي شكل من اشكال الإستقرار. ومع ان تجارب الأنظمة في العالم الثالث في مثل هذه الظروف هي اللجوء الى توظيف الموارد المحددودة لتقوية ادوات القمع الإ ان تلك المعالجات نادرا ما تنجح. وتظل الشراكة الوطنية والتوافق السياسي هي الأقل تكلفة للنظام وللبلاد والخيار الأضمن والأسلم للجميع.
عن الأهالي بتاريخ السابع عشر من يونيو 2008

السبت، 14 يونيو 2008

حتى لا يتحول "المتمردون" الى "ثوار"

سيكون من الخطأ ان يقلل اي مراقب من خطورة الخلاف القائم بين المؤتمر واللقاء المشترك حول اللجنة العليا للانتخابات ومن آثاره المحتملة على مستقبل البلاد. فقانون الإنتخابات لا يقل أهمية عن الدستور ذاته. ولذلك فان اي تعديل عليه لا بد ان يعكس وفاقا وطنيا للقوى السياسية في البلاد وليس مصالح الأغلبية الحاكمة أو الأقلية المعارضة. ويمكن تشبيه دور اللجنة العليا للانتخابات بالنسبة للعملية السياسية برمتها بدور فريق التحكيم لمباراة في كرة القدم. فلو افترضنا مثلا ان فريق اليمن لكرة القدم سيقابل فريق البرازيل في مباراة ضمن تصفيات كاس العالم فان اختيار فريق التحكيم سيكون بالتوافق بين اليمن والبرازيل. ولن يطالب البرازيليون بالإنفراد بتشكيل فريق التحكيم لإنهم يلعبون افضل من اليمن بمئة مرة. فالهدف الأساسي هو ان يكون الفريق محايدا..
وهكذا الحال بالنسبة للعملية السياسية. ف95 في المائة من الديمقراطية اليمنية هي الإنتخابات بكل علاتها. وتتحدد معظم نتائج الإنتخابات عن طريق القواعد والنظم الحاكمة للعملية الإنتخابية والتي تشكل لجنة الإنتخابات جانب واحد من بين عدة جوانب تتطلب اعادة النظر فيها. لكن حيادية اللجنة العليا للانتخابات واستقلاليتها هي بالتأكيد أهم جزء في العملية الإنتخابية وهي مبادىء نص عليها الدستور بوضوح. وفي الحالة اليمنية بالتحديد فان انفراد طرف بتشكيل اللجنة من خطباء الجوامع او القضاة أوشيوخ القبائل أو من الملائكة أو الشياطين او غيرهم ولن يعني سوى شيئا واحد هو "الإنقلاب على الدستور" الذي تم اقراره في عملية توافقية بين القوى السياسية وانقلابا على الديمقراطية كالية للوصول الى السلطة.
وينبغي التنبيه هنا الى أن ما ينطبق على قانون الإنتخابات لا ينطبق على القوانين الأخرى بنفس الطريقة وبنفس الآثار الخطيرة. فبامكان الحزب الحاكم ان يمرر باغلبيته الكبيرة سياسة معينة عن بشكل منفرد كما فعل قبل اسابيع فيما يتعلق بقانون السلطة المحلية. وبامكان الحزب الحاكم ان يمرر منفردا قانونا يحدد مرتبات للموظفين دون ان يترتب على ذلك اي نتائج بالنسبة للنظام السياسي أو للدولة ككل. لكن قانون الإنتخابات هو عبارة عن قواعد تنظم العملية السياسية برمتها. ولذلك يعتبر الخلاف حول قانون الإنتخابات خلافا حول الأصول وليس حول الفروع. وفي حال وجود خلاف حول الأصول وعجز القوى السياسية عن التوافق حوله فان ذلك يمكن ان يمكن ان يكون مؤشرا على امكانية حدوث تطورات سلبية تضر بالبلاد بشكل عام.
ومن المهم الإشارة هنا الى ان الخلاف بين الحزب الحاكم والمعارضة حول تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ليس الخلاف الأول من نوعه. وقد انتهت خلافات المرة السابقة بين الإثنين باتفاقية اللحظة الأخيرة. والمنتظر هذه المرة وبغض النظر عن التفاصيل هو ان يصل الطرفان الى وفاق حول اللجنة يجنب البلاد المزيد من الأزمات والمزيد من التدهور. وهذا هو التطور المنطقي والطبيعي للاحداث.
اما اذا قرر الحزب الحاكم تعديل قانون الإنتخابات والإنفراد بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات فان ذلك سيجعل مستقبل البلاد مفتوحا على العديد من الإحتمالات السيئة. وبداية فان اي برلمان منتخب لن يكون من منظور دستوري وقانوني شرعيا واي قانون يتم اقراره من قبل ذلك البرلمان قد لا يكون ملزما سوى للحزب الحاكم وافراده.
والخوف هنا ليس من قيام المشترك وانصاره والمتعاطفين معه بالزحف على مجلس النواب واحتلاله أو ان يرفضوا طاعة القوانين. فذلك الأمر حتى وان حدث لن يشكل خطورة على البلاد والعباد. لكن المشكلة تكمن في وجود تمرد في ثلاث محافظات ومرشح للامتداد لمحافظات أخرى. وهناك بالإضافة الى ذلك دعوات انفصالية قوية في ست محافظات. وما يخشاه الكاتب هو ان تشهد الأشهر القليلة القادمة تحول "الحوثيون" في اقصى الشمال و"دعاة الإنفصال" في الجنوب من "متمردين" و"انفصاليين" الى "ثوار." وعندها لن يكون الخاسر هو الحزب الحاكم أو اللقاء المشترك بل كل اليمنيين.
للحلماء فقط
هناك اشخاص تفرض عليهم مواقعهم الإجتماعية أوالسياسية وسواء أكانوا في السلطة أو في المعارضة ان يحترموا بعضهم بعضا ولو من باب التظاهر والحفاظ على احترام الآخرين لهم وتقديم المثل الأعلى في السلوك للاخرين. أما حين تخرج تلك الرموز على قواعد السلوك السليم فان كل ما تفعله هو انها تشجع الآخرين على عدم احترامها وبالتالي تضعف دورها الرمزي والإخلاقي. واذا كان الخصام مقبولا في كل الشئون فان الفجور في الخصام غير مقبول..

عن صحيفة العاصمة 14 يونيو 2008

الاثنين، 2 يونيو 2008

نبيل الصوفي (عن عدد من المواقع) للتأمل فقط

أكد الأخ نبيل الصوفي عضو الهيئة الاستشارية غير الحكومية لمراقبة تنفيذ البرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية أن الهيئة وجدت إجراءات تنفيذية حقيقية للبرنامج خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات القانونية والسياسية وإنشاء مؤسسات ذات دور وطني كهيئة مكافحة الفساد ولجنة المناقصات إلى جانب إنشاء مجلس للشفافية الاستخراجية لمراقبة عائدات النفط وهو المشروع الأول من نوعه في المنطقة العربية।
وأوضح الصوفي أن اليمن شهدت تحقيق الجزء المهم من البرنامج الذي كان الكثير يرونه بعيد المنال وهو ما يتعلق بانتخاب المحافظين كخطوة أولى باتجاه ما يليه من البرنامج بشأن توسيع صلاحياتهم ونقل المزيد من القضايا المتصلة بالمخصصات المالية إليهم.
واستغرب نبيل الصوفي من مواقف المعارضة المشككة حول الانجازات التي تحققت على المستوى الداخلي وخاصة فيما يتعلق بإنشاء هيئة مكافحة الفساد أو انتخاب المحافظين.
ودلل الصوفي على ذلك بقوله إن المعارضة ظلت تكذب كل خطوة بشأن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بمبرر أن القانون غير دستوري وبعد أن صدر القانون, جادلت مشككة بشأن أعضاء الهيئة وقالت إنهم غير مؤهلين.. وها هي اليوم تسابق للتواصل معهم والاستدلال بأقوالهم.

الأحد، 1 يونيو 2008

نداء لإنقاذ عبد اللطيف

يأمل الدكتور عبد الله الفقيه من السيد عبد الملك الحوثي المبادرة إلى تحمل تكاليف علاج نجل شقيقته عبد اللطيف الفقيه والذي أصيب وهو يقاتل في صفوف القوات الحكومية لكن الدولة أهملته وقدمه الآن مهددة بالبتر في ظل تدني الرعاية الصحية في المستشفى العسكري بصنعاء وفي ظل اقتصار حق السفر للخارج للعلاج على فئات ومناطق معينة مع العلم ان عبد اللطيف يعول ستة أطفال ولن يعني بتر قدمه سوى وضع مستقبل أطفاله في مهب الريح.