الثلاثاء، 19 مارس 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 10)



جاء أول رد سعودي معارض، وإن اتخذ طابعا غير رسمي، على الاتفاق النووي الموقع مع إيران في 14 يوليو 2015، على شكل مقال كتبه ونشره الأمير  بندر بن سلطان بن عبد العزيز، وهو سفير سابق للسعودية إلى واشنطن لفترة زادت على عقدين من الزمن ورئيس سابق للاستخبارات السعودية، وإن لفترة قصيرة.  وانتقد مقال بندر، وإن بدبلوماسية، الاتفاق النووي مع إيران مستعيرا في السياق مقولة شهيرة لهنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق  ذهب فيها إلى أنه "على أعداء أمريكا أن يخشوا أمريكا ، لكن على أصدقائها أن يخشوها أكثر." 

ويبدأ مقال بندر الذي نشر باللغتين العربية والانجليزية في منتصف يوليو على النحو التالي:

"يقول نقادٌ في الإعلام وفي السياسة إن الاتفاق النووي الذي عقده الرئيس باراك أوباما مع إيران هو نسخة طبق الأصل عن الاتفاق النووي الذي عقده الرئيس الأسبق بيل كلينتون مع كوريا الشمالية، إلا أنني، وبكل تواضع، لا أتفق مع هذا الرأي. فالرئيس كلينتون اتخذ قراره آنذاك على أساس تحليل استراتيجي للسياسة الخارجية الأميركية، وعلى معلومات استخبارية سرّية، على رغبته ونواياه الحسنة لإنقاذ شعب كوريا الشمالية من مجاعة تسببت بها قيادته. واتضح بعد ذلك أن ذلك التحليل الاستراتيجي للسياسة الخارجية كان خاطئًا، إلى جانب فشل استخباراتي كبير، لو عرف به الرئيس كلينتون قبل اتخاذه قراره لما اتخذه، وأنا واثق تمامًا من ذلك."

والواضح أن افتتاحية مقال بندر يغلب عليها الجانب الدعائي. فاستدعاء تجربة الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون يحيل إلى حالة فشلت فيها أمريكا في احتواء الانتشار النووي ويحاول تعميم ذلك الفشل إلى الحالة الإيرانية رغم أنه ليس هناك من حيث المبدأ أي تشابه بين حالتي كوريا الشمالية وحالة إيران. ففي الحالة الأولى يحاول بلد يعاني اقتصاديا ويواجه نظامه تحديات أمنية استخدام قدراته التكنولوجية في الجانب العسكري كمصدر قوة يمكنه، في إطار سعيه لحل مشاكله الاقتصادية والأمنية، أن يوازن به قوة خصومه على مائدة المفاوضات.

أما في حالة إيران، فإن ما حدث مع نهاية عقد الثمانينيات ومن خلال نظام العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة هو محاولة خلق مشاكل اقتصادية واجتماعية للنظام الثوري الإسلامي في إيران للعمل على إسقاطه، غير أن ما حدث هو أن نظام العقوبات قد عمل على تحفيز القدرات الكامنة لمواجهة التهديد الوجودي لبقاء النظام الإيراني وتوجيهها نحو تكنولوجيا التسلح بما في ذلك حيازة التكنولوجيا النووية. والأكثر من ذلك هو أن أمريكا، في حالة كوريا الشمالية، هي من تخلت عن التزاماتها بموجب الاتفاق، الأمر الذي حفز كوريا الشمالية على المضي قدما في تطوير برنامجها النووي.  

وينتقل بندر، الذي يصنف في الدوائر الأمريكية على أنه من جناح الصقور في العائلة المالكة في السعودية، بعد ذلك إلى قرار اوباما بإبرام صفقة مع إيران، فيكتب:

"الرئيس أوباما (...) اتخذ قراره بالمضي قدمًا في الصفقة النووية مع إيران وهو مدركٌ تمام الإدراك أن التحليل الاستراتيجي لسياسته الخارجية، والمعلومات الاستخبارية المحلية وتلك الآتية من استخبارات حلفاء أميركا في المنطقة لم تتنبأ جميعها بالتوصل إلى نتيجة الاتفاق النووي نفسها مع كوريا الشمالية فحسب، بل تنبأت بما هو أسوأ، إلى جانب حصول إيران على مليارات من الدولارات. فالفوضى ستسود الشرق الأوسط، الذي تعيش دوله حالة من عدم الاستقرار، تلعب فيها إيران دورًا أساسيًا."

وبالطبع فإن ذهاب بندر في مقاله، بالتلميح لا التصريح، إلى أن إيران يمكن أن تخدع الدول الخمس العظمى مضافا إليها ألمانيا لم يخلو من مبالغة ناهيك بالطبع عن أن إيران ليس لديها أي حافز لتقدم على ما قامت به كوريا الشمالية، على أن تركيز بندر هذه المرة بالتصريح وليس التلميح على المليارات التي ستحصل عليها إيران وعلى الدور الإقليمي الذي تلعبه إيران قد لامس جوهر المخاوف السعودية والإسرائيلية.

ثم يطرح بندر في مقاله السؤال التالي: " لماذا يصر الرئيس أوباما على عقد مثل هذه الصفقة رغم أنه يعرف ما لم يعرفه الرئيس كلينتون عندما عقد صفقته مع كوريا الشمالية؟" ويجيب بندر على السؤال الذي طرحه على النحو التالي:

"ليس الأمر بالتأكيد أن الرئيس أوباما ليس ذكيًا بما فيه الكفاية، ولكن لأنه ذكي بما فيه الكفاية. وأرى أن السبب الحقيقي وراء عقد هذه الصفقة هو أن الرئيس أوباما صادقٌ ومتصالح مع نفسه، ولأنه مقتنع تمامًا بأن ما يفعله هو الصحيح. واعتقده يرى أن كل ما يمكن أن يكون كارثيًا بسبب قراره هذا هو ضرر جانبي مقبول.لكن، من أكون أنا لأخرج بمثل هذا الاستنتاج العميق؟"

ورغم أن بندر لم يعد يشغل أي موقع رسمي وأن المقال بدا كما لو كان رد فعل عفوي لشخص ينتمي إلى الأسرة المالكة، إلا أنه لم يكن ليفت إدارة اوباما أن مقال بندر صاحب النفوذ في واشنطن هو في الواقع رسالة إلى الكونجرس الأمريكي بمجلسيه والى جزء هام من الرأي العام الأمريكي وأن هدف المقال محو ما يريد اوباما إقناع الكونجرس والرأي العام الأمريكي  به من أن السعوديين يؤيدون الاتفاق النهائي الذي تم التوصل إليه مع إيران.

كان من السهل، تماما كما اعتقد اوباما، أن يفهم مقال بندر من قبل المشرعيين الأمريكيين والنخب الإعلامية والفنية والثقافية وحتى الرأي العام على أنه وجهة النظر الرسمية للأسرة الحاكمة في السعودية، ذلك لأنهم لم يعرفوا بندر خلال أكثر من عقدين من الزمن في واشنطن سوى  كمعبر عن وجهة النظر الرسمية للسعودية. وما يعزز وجهة نظر أوباما هو أن بندر قد حرص في المقال ذاته على أن يذكر الأمريكيين بنفسه ليزيل أي شكوك يمكن أن تساورهم حول شخصه حيث كتب، في رده على سؤال "من أكون أنا لأخرج بمثل هذا الاستنتاج العميق؟" الذي أنهى به المقطع السابق من المقال، ما يلي:

"بكل تواضع، أنا رجل عمل مباشرة مع رؤساء الولايات المتحدة من جيمي كارتر حتى جورج دبليو بوش. وبكل تواضع، أنا رجل مثّل بلاده في الولايات المتحدة الأميركية العظيمة 23 عامًا، وقضى 17 عامًا من حياته يخدم في جيش بلاده. وإن كان كل هذا لا يؤهلني للإدلاء برأي مستند إلى معلومات أكيدة بشأن هذه المسألة، يمكنني أن أضيف أنني منذ 2005 وحتى 2015، شغلت منصب مستشار الأمن القومي لقادة بلادي، ورئيسًا للاستخبارات، ما مكنني من الاطلاع مباشرة على قرارات قيادة بلادي، وعلى التحليل الذي يقدمه الرئيس أوباما."
  
وينهي بندر مقاله، الذي يعبر عن وجهة نظره،  بالكشف عن حجم الفجوة الواسعة بين السعوديين من جهة، وإدارة اوباما من جهة ثانية، وذلك على النحو التالي:

"لقد قصرت ملاحظاتي على الاتفاق النووي الإيراني، لكن ثقوا بي حين أقول إن سياسات الرئيس بشأن الشرق الأوسط عمومًا وسوريا والعراق واليمن بصفة خاصة فتحت عيوننا على شيء لم نكن نتوقعه منه ويمكن مناقشتها في وقت آخر. أما الآن، وبكل تأكيد، أنا أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن صديقي العزيز، الثعلب القديم هنري كيسنجر، كان مصيبًا حين قال: ’على أعداء أميركا أن يخشوا أميركا، لكن على أصدقائها أن يخشوها أكثر.’ في النهاية ان الناس في منطقتي يتوكلون على الله ويعززون قدراتهم وتحليلهم للوضع بالتعاون مع الجميع، باستثناء حليفنا الأقدم والأقوى. هذا يفطر القلب، إلا أن الحقائق مرّة، ولا يمكن تجاهلها."

اكتفت إدارة اوباما برد مقتضب على مقال بندر نسب إلى مستشار لم يتم تسميته وركز على حب الأمير بندر وتبنيه لوجهة نظر الجمهوريين وهو الأمر الذي كان الأمريكيون، والديمقراطيون منهم على نحو خاص، يعرفونه جيدا منذ حضور السفير بندر في 5 نوفمبر عام 1992 بالمخالفة للأعراف الدبلوماسية إلى المقر الانتخابي للرئيس جورج بوش الأب في مدينة هيوستن بولاية تكساس ليتابع معه نتائج الانتخابات، وليظهر بشكل واضح انحياز سفير السعودية للمرشح الجمهوري الذي مني بالهزيمة في تلك الانتخابات الرئاسية لصالح المرشح الديمقراطي بيل كلينتون الذي بدأ الأمير بندر مقاله بمدحه.


الاثنين، 4 مارس 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 9)



في 22 مايو 2015 ، وهو اليوم الذي فجر فيه انتحاري يرتدي حزاما ناسفا نفسه في مسجد للشيعة ببلدة القديح في محافظة القطيف السعودية مخلفا 22 قتيلا وعشرات الجرحى،  أعلن "الجيش اليمني الإلكتروني"، كما نقل موقع العربي الجديد، أنه اخترق كمبيوترات/موقع وزارة الخارجية السعودية وبريد سفاراتها  وقنصلياتها في العالم وأنه حصل على مئات الوثائق الإلكترونية بالغة الحساسية بالإضافة إلى مراسلات بين مسئولين سعوديين كبار.  ورد رئيس الدائرة الإعلامية بوزارة الخارجية السعودية عند السؤال عن الموضوع، كما نقلت عنه وكالة الأنباء السعودية، أن عملية القرصنة كانت محدودة، وأن الوزارة باشرت، بالتعاون مع الجهات المختصة، التحقيق في ظروف وملابسات الهجوم.
 
وفي 19 يونيو، وبالتزامن مع انتهاء مشاورات جنيف اليمنية-اليمنية بالفشل، ومع انتهاء زيارة قام بها الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي-وزير الدفاع إلى موسكو وأجرى خلالها مباحثات مع المسئولين الروس ومن ضمنهم الرئيس بوتين، نشر موقع ويكيليكس المتخصص بالتسريبات أكثر من 60 ألف وثيقة قال أنها تخص وزارة الخارجية السعودية. وقال جوليان اسانج، ناشر الموقع، في تصريح صحفي، أنه حصل على نصف مليون وثيقة دون تسمية مصدر تلك الوثائق، وأن ما تم نشره ليس سوى "الدفعة الأولى"، وخلص اسانج إلى أن "البرقيات السعودية" كما اسماها "تميط اللثام عن دكتاتورية تتسم على نحو متزايد بالغموض والتشويش لم تكتفي فقط بالاحتفال بقطع رأس 100 شخص في هذا العام، بل أصبحت أيضا خطرا على نفسها وعلى جيرانها.."
  
ودعت وزارة الخارجية السعودية في ذات الليلة السعوديين إلى تجنب تصفح أي موقع الكتروني بحثا عن وثائق ومعلومات مسربة، مشيرة إلى أن تلك الوثائق والمعلومات قد تكون غير صحيحة، ونشرت بقصد الإضرار بالوطن.   



وفي مساء 20 يونيو، أي في اليوم التالي لتسريبات ويكيليكس، ألقت السلطات الأمنية الألمانية القبض علي الصحفي المصري، الذي يعمل  في قناة الجزيرة القطرية، احمد منصور بينما كان يغادر مطار برلين متوجها إلى الدوحة بعد أن قدم من المانيا عددا من حلقات برنامج "بلا حدود" الذي تبثه قناة الجزيرة استضاف خلالها عددا من الباحثين في المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية (غيدو شتاينبرج).  وقبض على منصور، الذي ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين، كما ذكرت وسائل إعلامية، بناء على مذكرة تلقتها السلطات الألمانية من نظيرتها المصرية تتهم منصور "بنشر أكاذيب هددت الأمن الداخلي للبلاد."

وشغلت حادثة القبض على صحفي الجزيرة احمد منصور الكثير من رواد الشبكات الاجتماعية والمتابعين لوسائل الإعلام غير أنها لم تنجح كلية في صرف انتباههم عن الوثائق السعودية المسربة مع أن الكثير من تلك الوثائق لم يكن يحمل في مضمونه أي قيمة موضوعية.  فما الفائدة التي يمكن أن يجنيها القارئ إذا عرف أن أمير سعودي وجه مذكرة إلى وزير خارجية بلاده يطلب فيها  منح فيزا دخول إلى السعودية للمغنية الشهيرة نانسي عجرم كي تقوم بالغناء في حفل زفاف احد أقاربه أو قريباته.

بالنسبة للوثائق التي حملت بعض الأهمية للقارئ، فقد تركز اغلبها في الممارسات السعودية المتصلة بشراء الصحفيين والسياسيين والصحف ووسائل الإعلام الأخرى، وهي أمور لم تكن مجهولة بالنسبة للكثير من المشتغلين بالشأن السياسي والإعلامي في المنطقة، وكل ما فعلته تلك الوثائق هو أنها حولت المعرفة الظنية غير المحددة إلى معرفة يقينية.
   
وربط محللون بين تسريب الوثائق السعودية والاتفاق الوشيك بين إيران والغرب حول البرنامج النووي الإيراني والذي يعارضه السعوديون بقوة، وذهب أولئك المحللين إلى أن التسريب يربك التحركات السعودية لإحباط الاتفاق. ولا يعتقد أن ذلك عكس حقيقة ما يحدث خصوصا وأن السعوديين، ورغم معارضتهم للاتفاق، لم يكونوا يقوموا بأي تحركات مهمة تستدعي الإرباك. فقد كانت إدارة اوباما تمسك بخناق السعوديين وتحصي حركاتهم وتعد أنفاسهم عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات الجارية حول البرنامج النووي لإيران.

وينطبق ذلك على الزيارة ذات الأهمية الرمزية التي قام بها ولي-ولي العهد السعودي وزير الدفاع محمد بن سلمان إلى موسكو، وعلى الزيارة التي كان يتهيأ للقيام بها إلى فرنسا، والدولتان كانتا تشاركان في مفاوضات الـ5+1 مع إيران. وعلى الأرجح، فإن التسريب كان يكافئ الإيرانيين أو يحفزهم على تقديم تنازلات على مائدة المفاوضات، ويعاقب في ذات الوقت "ظاهريا فقط" السعوديين بسبب ما آلت إليه مشاورات جنيف اليمنية-اليمنية من فشل. 

بالنسبة لصحفي قناة الجزيرة احمد منصور، فقد أطلقت السلطات الألمانية سراحه في 22 يونيو، أي بعد قضاء ليلتين في السجن، وذكرت وكالة الأنباء الألمانية في تبرير قرار الإفراج بأن المدعي العام الألماني في برلين قرر عدم الاستجابة لطلب السلطات المصرية بتسليمه إليها.  

الجمعة، 22 فبراير 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 8)



عمل الرئيس الأمريكي باراك اوباما منذ منتصف يوليو 2015 على تحييد الدور السعودي فيما يتعلق بالموقف الذي سيتخذه الكونجرس الأمريكي من الاتفاق مع إيران في موعد لا يتجاوز الـ17 من سبتمبر 2015، وكان ذلك يعني فيما يعني منع المملكة من تحريك اذرعها وقدراتها داخل أمريكا لخلق أغلبية داخل الكونجرس الأمريكي بمجلسيه تمكنه من تمرير قانون يعترض بموجبه على الاتفاق النووي مع إيران.


واتخذت جهود الرئيس الأمريكي لتحقيق ذلك مسارين اثنين: الأول، محاولة إرضاء السعوديين عن طريق إعطائهم الانتصارات العسكرية  السريعة في المحافظات اليمنية الجنوبية والتي يمكن ان تجعلهم يشعرون بأن موازين القوة مع إيران لم تتعرض لأي اختلال؛ والثاني تكثيف اللقاءات الدبلوماسية بهدف إقناع السعوديين بأهمية الاتفاق الذي تم التوصل إليه.

وفيما يتصل بالمسار الأول، فإنه بحلول الـ15 من أغسطس 2015، أي بعد حوالي شهر على توقيع الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني،   كان ذلك الخليط من القوات الموالية  "اسميا" لما يسمى  بـ"الشرعية"، وبمساندة رمزية من قوات إماراتية، قد سيطر على 5 محافظات يمنية جنوبية هي: الضالع، عدن، لحج، ابين، وشبوة .

وأدت السرعة التي تطورت بها الأمور على هذا المسار إلى شيوع تساؤلات مكتومة عن إمكانية أن يكون الرئيس السابق قد خدع حلفائه الحوثيين وعقد صفقة مع الإمارات سحب بموجبها قوات الحرس الجمهوري الموالي له من أماكن تموضعها في عدن مما مكن القوات الموالية لهادي من القيام بعملية إنزال على شواطئ عدن.  فقد تساءل مثلا النائب في البرلمان اليمني شوقي القاضي أن كانت دولة الإمارات قد لعبت بالفعل الدور الأكبر في  تحرير عدن، وعن الدور الذي لعبه نجل الرئيس السابق المتواجد في الإمارات في هذا الجانب.  



وعززت التطورات اللاحقة في المحافظات الجنوبية ثم في الشمالية الشكوك بأن الانتصارات السريعة التي تحققت في المحافظات الجنوبية قد تمت بحبكة وسيناريو مسبق متفق عليه بين الأمريكيين (إدارة اوباما)، رئيس اليمن السابق ونجله المقيم في الإمارات، ودولة الإمارات.

وتدعم القراءة الاستقرائية الدقيقة للأحداث والتطورات في الجنوب وفي الشمال فكرة وجود تفاهمات بين الأطراف الثلاثة بعضها سابق على استعادة المحافظات الجنوبية، وبعضها مصاحب، والبعض الثالث لاحق. ويمكن تلخيص تلك التفاهمات استقرائيا على النحو التالي:

أولا، اعتبار المحافظات اليمنية الجنوبية بحكم تجربتها مع الماركسية أراض ممهدة لقيام نظام الحكم الذي تتطلع إليه الأطراف الثلاثة في المحافظات الجنوبية واليمن عامة وهو "الدكتاتورية العلمانية" على غرار النظام الذي يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي في جمهورية مصر العربية وعيال زايد في الإمارات.

ثانيا، جعل المحافظات الجنوبية مناطق نفوذ للأطراف الثلاثة المشاركة في التفاهمات دون غيرها من الأطراف داخلية كانت أو خارجية.

ثالثا، جعل الإمارات بحكم "الرؤية الإيديولوجية" التي تحملها والخبرة التي طورتها، باستخدام قوات موالية للأطراف الثلاثة، هي المتصدرة ميدانيا للمشهد سواء في تحرير المحافظات الجنوبية أو في تحرير اليمن بعامة. 

رابعا، العمل على منع العناصر الموالية للسعودية وفي مقدمتها الرئيس هادي وحكومته واللواء الأحمر وشيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية وبكل الطرق من اتخاذ عدن أو أي منطقة أخرى في الجنوب أو في الشمال عاصمة مؤقتة، أو الاستقرار فيها، أو بناء أي نفوذ في المحافظات الواقعة تحت سيطرة أطراف التفاهم مع السعي الحثيث في ذات الوقت وبالتدريج على اجتثاث أي نفوذ  عسكري قائم لتلك الجماعات.

خامسا، العمل على منع حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي تنتظم داخله حركة الإخوان المسلمين في اليمن، والتيارات الدينية المدعومة سعوديا و/أو قطريا المتشدد منها والمعتدل، من بناء أي نفوذ في المحافظات  الخاضعة لسيطرة أطراف التفاهم والعمل بالتدريج على تصفية عناصره الفاعلة وخصوصا خطباء وأئمة المساجد ومديري مدارس تحفيظ القرآن والعاملون في الجمعيات الخيرية.

سادسا، العمل على منع عناصر الإخوان المسلمين من تحقيق أي انتصار في أي جبهة من جبهات القتال وخصوصا في تعز التي تعتبر مركز ثقلهم الرئيس.

سابعا، فيما عدا العناصر المحسوبة على الأطراف الثلاثة من القيادات السياسية والاجتماعية والعسكرية والضباط والجنود وأعضاء مجلسي النواب والشورى وناشطي الأحزاب، فيتم العمل على الحد من دخول العناصر القادمة من المحافظات الشمالية إلى المحافظات الجنوبية.

ثامنا، تعمل أطراف التفاهم الثلاثي على بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية في المحافظات الجنوبية من الموالين لها، ويعمم النموذج العسكري والأمني والاقتصادي الذي سيتطور في المحافظات الجنوبية على سائر المحافظات والمناطق  التي يسيطر عليها إطراف التفاهم مستقبلا.

تاسعا، تعطى الأولوية في "التحرير" والتثبيت والتطهير للمناطق الساحلية والجزر البحرية نظرا لأهميتها الإستراتيجية ولما توفره من موارد، ويتم الدفع بالقوى التي تشكل تهديدا لهذه التفاهمات نحو الداخل لتتولى التعامل مع بعضها البعض مع العمل المستمر على إذكاء الصراع الديني بين الحوثيين من جهة والإخوان من جهة ثانية.  

عاشرا، يرتبط الدور الذي تلعبه السعودية على الأرض في اليمن والمكانة التي ستحتلها بين الأطراف المتفاهمة بالخطوات الجادة التي ستقوم بها القيادة السعودية لتكييف توجهاتها داخليا وخارجيا بما يتسق مع توجهات الأطراف الثلاثة.     

حادي عشر، يتولى تمويل العمليات والأنشطة المشتركة دولة الإمارات والأمريكيون والرئيس السابق وأفراد أسرته بالإضافة إلى ما يمكن تطويره من موارد محلية وما ستقدمه السعودية كقائدة للتحالف من مساهمات مادية وعينية غير مشروطة.

واكتسبت القاعدة وداعش أهمية بالغة في تنفيذ التفاهمات الثلاثية على أرض الواقع. وتم استحضار تلك الجماعات بقوة منذ إخراج الحوثيين من عدن. فذكرت وسائل الإعلام أنها شاركت خلال شهر يوليو 2015 في تحرير مدينة عدن، وأكد شهود عيان أن عناصرها كانت تتجول في المدينة بسيارات مكشوفة ترفع رايات القاعدة وقد القي على ظهرها جثث قتلى للحوثيين بقصد استعراضها أمام الناس. وقامت تلك الجماعات بتنفيذ اعتداءات على بعض كليات جامعة عدن بحجة منع الاختلاط بين الجنسين.  

الثلاثاء، 12 فبراير 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 7)



في 14 يوليو 2015، الموافق 27 رمضان، والذي يعتقد بعض المسلمين بان ليلته تشهد حدوث ليلة القدر، وبعد مرور قرابة 3 أشهر و3 أسابيع على بدء التدخل العسكري الخارجي في اليمن، تمكن خليط من القوات الموالية "اسميا" للرئيس اليمني المستقيل المتواجد في الرياض، عبد ربه منصور هادي، في عملية أطلق عليها "السهم الذهبي"، وفي اليوم ذاته الذي وقعت فيه الأطراف المتفاوضة حول البرنامج النووي الإيراني على الاتفاق النهائي،  من السيطرة على منطقة خور مكسر ومطار مدينة عدن الدولي محققة أكبر اختراق في الصراع المسلح منذ بدء التدخل العسكري الخارجي.

وذكرت الأنباء يومها أن كل طرق الإمداد للحوثيين المتواجدين في كريتر والمعلا والتواهي  تم قطعها، وأن الحوثيين المحاصرين حاولوا الفرار عن طريق زوارق، إلا انه تم استهدافهم وتلقوا ضربات موجعة.

ووقعت "معجزة عدن" التي لا تقل في أهميتها عن معجزة عقد صفقة مع إيران بشأن برنامجها النووي، نتيجة قيام التحالف (تترجم إلى إدارة أوباما) بالتزامن مع اقتراب المفاوضات بين إيران والـ5+1 من التوصل إلى اتفاق، بإمداد تلك القوات المتواجدة في المدينة عن طريق البحر بالعربات والمدرعات والأفراد المدربين، بالإضافة إلى الإسناد الجوي المكثف من قبل الطائرات.




وإذا كان توقيع إيران اتفاقا نهائيا مع دول الـ5+1 بشأن برنامجها النووي في 14 يوليو قد مثل تطورا مزعجا للقيادة السعودية ومحرجا لها أمام مواطنيها، فقد عملت إدارة اوباما، من خلال التطورات التي شهدتها عدن، على جعل الانتكاسة السعودية تبدو اقل قبحا. 

كما وفرت تطورات عدن للرئيس المنفي شيئا يمكن أن يتحدث عنه في كلمته الموجهة إلى اليمنيين عشية عيد الفطر، والتي وافقت الـ16 من يوليو. وقد افتتح هادي خطابه ليلتها، بعد ترديد الأدعية المعتادة  في مثل هذه المناسبة، بما يلي:
  
"انه من حسن الطالع أن تتزامن تهنئتنا بعيد الفطر المبارك في ظل أجواء البهجة والسرور والفرحة التي تجتاح قلوب اليمنيون نتيجة الانتصارات العظمية التي حققتها المقاومة الشعبية في عدن، عدن الشموخ والتحدي، عدن الصمود والإباء ، ليصبح العيد عيدين والفرحة فرحتين، فهنيئاً لشعبنا ،وشكراً لربنا تعالى، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وأننا على موعد قريب مع النصر المحقق والمبين لكامل وطننا الحبيب."    

ومع أن الفرح عندما "يجتاح" القلوب يمكن أن يحولها إلى أطلال ويقلب الأفراح إلى مآتم، إلا أن القليلين كانوا يهتمون بما يقوله هادي أو بالألفاظ التي يوظفها. أما تعبيرات من مثل "العيد عيدين"، "الفرحة فرحتين"، "هنيئا لشعبنا"، و"شكرا لربنا"، ورغم ما بدت عليه من "سوقية" الصياغة وتنافر التراكيب، فقد جاءت متسقة تماما مع شخصية هادي المتكلفة.
  
وفي فجر 17 يوليو، أول أيام عيد الفطر، والذي صادف أيضا اليوم الذي يحتفل فيه الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح كل عام حتى بعد خروجه من الرئاسة بذكرى توليه في شمال اليمن (17 يوليو 1978)، وبعد 3 أيام فقط من توقيع الاتفاق بين إيران والـ5+1 في 14 يوليو، وبعد بضع ساعات فقط على سجع هادي المثير للشفقة، أعلن خالد بحاح نائب الرئيس-رئيس الوزراء في تغريدة على تويتر عند الفجر "تحرير محافظة عدن" بالكامل باستثناء بعض الجيوب.

وبدلا من الاكتفاء بخبر التحرير، راح بحاح بمحدودية خبرته السياسية وبناء على نصائح تلقاها خلال آخر جولة خارجية قام بها يطلق الخطط والتوجهات للمرحلة القادمة، فأكد على أن "الحكومة ستعكف على تطبيع الحياة في عدن وسائر المدن المحررة، وإعادة تأهيل بنية المياه والكهرباء والطرقات، وستعمل على عودة النازحين من جيبوتي والصومال ومحافظة حضرموت وغيرها." وأضاف "الحكومة  ستعمل جاهدة على تأهيل مطار عدن والموانئ البحرية، وستكون المحافظة منطقة مركزية لاستقبال الإغاثة، وسنجتهد لاستئناف العملية الدراسية المنقطعة بعد تأهيل المدارس والجامعات."

ورغم أن إعلان السيطرة على محافظة عدن جاء قبل وقته، إلا أن المرحلة، كانت من وجهة نظر إدارة اوباما تتطلب مثل ذلك الإعلان حتى وإن افتقر إلى الواقعية. فإذا كان الإيرانيون سيحتفلون هذا الموسم بعيدين، عيد الفطر وعيد الاتفاق النووي، فإن السعوديين بدورهم سيحتفلون كذلك بعيدين، عيد الفطر وعيد استعادة محافظة عدن من الإيرانيين ووكلائهم من اليمنيين، بحسب توصيف السعوديين للحدث. 

وكان من الواضح من خلال الفارق الزمني الضئيل بين خطاب هادي من جهة، وإعلان نائب الرئيس-رئيس الوزراء  من جهة ثانية، أنه تم العمل بشكل مقصود وجلي على حرمان الرئيس من  الإعلان عن استعادة محافظة عدن في خطابه بمناسبة عيد الفطر، وإعطاء ذلك الحق حصريا لبحاح.

وكان من الطبيعي أن يتصدر بحاح، الذي لا بد وأنه يملك الكثير من الأصدقاء، بإعلانه تحرير محافظة عدن في وقت مبكر من يوم الـ17 من يوليو عناوين الأخبار في حين تراجع هادي، الذي يعاني من عزلة كبيرة، وخطابه بمناسبة عيد الأضحى إلى التفاصيل السياقية. وأبرزت التغطيات الإعلامية لإعلان تحرير عدن وما ورد فيه من خطط وتوجهات نائب الرئيس-رئيس الوزراء كرجل دولة يهتم بالأفعال لا بالأقوال ويملك رؤية وتوجه في حين بدا هادي وكأنه يقوم بدور المسحراتي بعد انقضاء الشهر الكريم.

ورغم أن العملية التعليمية في المدارس والجامعات اليمنية كانت قد توقفت مع بدء طائرات العدوان بقصف اليمن في 26 مارس 2015 إلا أن الحوثيين والرئيس السابق أعلنوا بعد بضعة أيام من توقيع الاتفاق بين إيران والدول الست عودة الدراسة في كافة المراحل ابتدءا من 25 يوليو 2015 بالرغم من  عدم حدوث أي تغير ايجابي،  استمرار  شحة أو انعدام المشتقات النفطية، ووجود عدد كبير من الطلاب الذين نزحوا مع أسرهم من المحافظات التي كانوا يقيمون فيها بشكل دائم.

كان الدور المناط بملايين المدنيين من اليمنيين، وخصوصا النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والذين يعيشون على الدخل اليومي وغيرهم، هو أن يلزموا منذ بداية التدخل العسكري العدواني بيوتهم وأن تتعطل حياتهم اليومية وأن يتحولوا إلى أسرى لدى إدارة أوباما حتى تنال ما تريده من إيران. أما وقد حدث ذلك، فلا بأس بأن يعودوا إلى ممارسة حياتهم اليومية وإن في ظل أوضاع شاقة وظروف غير مواتية. 

وفي حين تمكن بحاح من كسب معركة تحرير محافظة عدن لصالحه في مواجهة هادي، فإن ذلك النصر الذي لم يكن الأول من نوعه،  قد أثبتت الأيام والأشهر التي تلت أنه كان الأخير. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن حظوظ بحاح، الموالي لأمريكا والمقبول من السعودية، قد ارتبطت بحالة التوافق النسبي في العلاقات السعودية الأمريكية، والتي مكنت إدارة اوباما  من الهيمنة على القرار السعودي بشأن اليمن بشكل شبه كامل.

ومع توقيع الدول الست بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في 14 يوليو 2015 اتفاقا نهائيا مع إيران بشأن البرنامج النووي للأخيرة، بدأت العلاقات السعودية الأمريكية بالسير على طريق صخري نتيجة شعور السعوديين بان إدارة أوباما لم تتوصل إلى الاتفاق الذي كانوا ينتظرونه. وبالمثل، فإن حظوظ خالد بحاح، نائب الرئيس-رئيس الوزراء بدأت تسير بدورها من سيء إلى أسوأ.