الأربعاء، 24 نوفمبر 2010

اليمن تخوض اختبارا كبيرا

ساد غموض كبير مصير التذاكر الخاصة بمباراة افتتاح خليجي 20 وتم منع بيع التذاكر وتولت الحكومة اليمنية شرائها من قناة أبو ظبي وتوزيعها على أعضاء في المؤتمر الشعبي العام وعلى جنود جيش وشرطة تم إلباسهم الزي المدني. وأتي التحفظ على التذاكر في ظل مخاوف مما يمكن أن يطلقه أنصار الحراك الجنوبي من شعارات إذا ما سمح لهم بدخول المباراة. ورجحت مصادر ان تستمر السلطات اليمنية في شراء تذاكر المنتخب اليمني وتوزيعها بطريقة تفوت على أنصار الحراك استغلال المناسبة لتحقيق مكاسب سياسية. وكانت مصادر إخبارية قد إشارات إلى أن الغموض ما زال يلف أماكن المباريات في ظل مخاوف من هجمات يمكن أن تقوم بها القاعدة وخصوصا في محافظة أبين التي تعتبر المحافظة الثانية التي تستضيف البطولة. ومن المتوقع أن تعقد معظم أن لم يكن كل مباريات الدورة في عدن.
إجراءات أمنية مشددة
تعقد دورة خليجي 20 في ظل إجراءات أمنية مشددة ستشمل كما يبدو منع بيع التذاكر إلى العامة وإحلال الجماهير الجنوبية بأفراد من الجيش والأمن يرتدون ملابس مدنية. وكانت فرق أمنية أمريكية وبريطانية مشتركة وفقا لبعض المصادر قد قامت بفحص الملاعب التي ستقام عليها البطولة للتأكد من خلوها من المتفجرات التي ربما تكون قد زرعت في مراحل الإنشاء. وتم إحاطة مدينة عدن وفقا لمراسلون أجانب بثلاثة أطواق أمنية تضم عشرات النقاط العسكرية وتتكون من 30 ألف جندي. وبالإضافة إلى كل ذلك فان كل فريق خليجي قد أتى مصحوبا بفريق امني خاص به. وتتولى سيارات الشرطة اليمنية مرافقة الفرق من مقر الإقامة إلى مواقع التدريب والمباريات والعودة. ومن المرجح أن تكون أجهزة الاستخبارات الدولية قد زرعت العشرات من عناصرها لمراقبة الوضع الأمني واكتشاف أي محاولة للقاعدة لتسجيل بعض الأهداف.
لكن الاهتمام بالوضع الأمني قد جاء كما يبدو على حساب الرياضة والفن. فقد جاء حفل افتتاح دورة خليجي 20 ليمثل صدمة للكثير من اليمنيين سواء في مستواه أو مضمونه أو طريقة تنظيمه وإخراجه. وحتى الرئيس اليمني نفسه بدا غير مصدق للمستوى الذي ظهر به الحفل. وهاجمت صحيفة الثورة الرسمية المستوى الذي ظهر به الحفل ووصفت الوزراء المعنيين بالكلاسيكيين غير القادرين على التكيف مع المتغيرات الجديدة.
ولم يخفف من وقع صدمة حفلة الافتتاح سوى الهزيمة الثقيلة التي تلقاها المنتخب اليمني من لاعبي احتياط المنتخب السعودي. فرغم التشجيع المنقطع النظير الذي حصل عليه المنتخب اليمني الإ المنتخب اليمني الذي اظهر بعض الأداء الجيد في الشوط الأول سرعان ما أصيب بانتكاسة في الشوط الثاني لتنتهي المباراة بـ4 أهداف نظيفة وجميلة للمنتخب السعودي في حين خرج اللاعبون اليمنيون وهم في غاية الإنهاك وبدت المباراة كما لو أنها مباراة اعتزالية بالنسبة للمنتخب اليمني.
وكان أسوأ ما في حفل الافتتاح والمباراة الأولى في الدورة أن النظام اليمني الذي يدير البلاد والتنمية والأمن من خلال الإعلام قد رفع التوقعات سواء على صعيد الأداء الافتتاحي أو على صعيد الحضور الخليجي أو على صعيد أداء المنتخب اليمني. فعلى صعيد الحضور الخليجي تحدث النظام اليمني عن أكثر من 12 سيارة عبرت الحدود اليمنية من الخليج إلى اليمن وقدر الجمهور الخليجي بأربعين ألف وكانت المفاجأة غير السارة أن الحضور الخليجي في المدرجات لم يتجاوز بضع مئات في مباراة الافتتاح. أما في المباراة التي جمعت بين منتخبي قطر والكويت فقد خلا الملعب تماما من الجمهور.
أخطاء بالجملة
عكس التنظيم صورة هزيلة عن أداء النظام اليمني كما كان متوقعا. فقد لوحظ مثلا غياب أعلام الدول المشاركة من سواري الملعب وهو خطأ بروتوكولي كبير ينم عن جهل أعضاء اللجنة المنظمة بأبسط أبجديات التنظيم. وشكا الكثير من الإعلاميين من داخل اليمن وخارجه من سوء التنظيم حيث اخذ الجمهور الأماكن المخصصة لهم مما اضطر بعضهم إلى الانسحاب والعودة لمتابعة المباراة من الفنادق. وجاء انسحاب الجماهير اليمنية بالآلاف بعد توالي الأهداف السعودية في مرمى المنتخب اليمني ليعكس صورة سيئة عن الشعب اليمني وان كانت معبرة عن الخيبة.
وكان عشرات من الأطباء اليمنيين قد انسحبوا من الفرق الطبية احتجاجا على المخصصات المالية لهم والتي لم تصل إلى 15 دولار في اليوم، وامتنع حكام من دول أوروبية وغير أوروبية عن السفر إلى اليمن في آخر لحظة، وأسكنت اللجنة المنظمة للدورة الحكام في نفس الفندق الذي ينزل فيه الفريق اليمني لكنها اضطرت إلى نقل الحكام بعد احتجاج رئيس لجنتهم. وفي اليوم السابق لافتتاح البطولة ذكر موقع إيلاف اللندني أن جنديا يمنيا فتح النار لتفريق مجموعة من المشجعين اليمنيين المتحمسين في اعتقاد منه بأنهم من أنصار الحراك مما أثار الخوف والفزع في نفوس الكثيرين.
ولعل أسوأ ما حدث حتى الآن هو التذمر الذي أبداه الفرنسي كلود كلورا مدرب المنتخب العماني الشقيق حول فئران فندق عدن الدولي حيث أكد المدرب انه ولاعبي المنتخب العماني لم يذوقوا طعم النوم بسبب هجوم فئران كبيرة الحجم على أعضاء المنتخب العماني. وتناقلت بعض الصحف والمواقع في اليوم التالي خبر سقوط سقف احد الغرف المخصصة للفريق العماني مؤكدة أن أعضاء الفريق العماني لم يكونوا لحسن الحظ متواجدين في الغرفة أثناء سقوط سقفها. وتأتي هذه التطورات رغم تأكيد الجهات الرسمية بأنها أنفقت 50 مليون دولار على إعادة ترميم الفندق.
سجل متواضع
يخوض المنتخب اليمني خليجي 20 بسجل رياضي متواضع حيث شارك حتى الآن في 4 دورات في خليجي 20 جرت على التوالي:
خليجي 16 في عام 2003 في الكويت
خليجي 17 في عام 2004 في قطر
خليجي 18 في عام 2007 في الإمارات
خليجي 19 في عام 2009في عمان.
وقد لعب المنتخب اليمني خلال تلك البطولات 15 مباراة وخسر 12 منها وتعادل في 3 ولم يفز بأي مباراة حتى الآن. وجاءت مباراته مع المنتخب السعودي لتتوج مسيرة ضعيفة.



السبت، 6 نوفمبر 2010

اسرار وخفايا التهيئة للحوار الوطني

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء
عن صحيفة اليقين  العدد 5 بتاريخ 6 نوفمبر 2010

تشكلت لجنة التهيئة للحوار الوطني  من 200 شخصية بالمناصفة بين السلطة والمعارضة  ثم بعد ذلك تم غربلة عدد اعضاء اللجنة الى 30  وبعدها تم اختيار 16 من بين لجنة الـ30 وسرعان ما تم ابعاد الأستاذ عبد ربه منصور هادي من رئاسة اللجنة، وتقول الأنباء انه تم اختزال لجنة التحضير للحوار الوطني  مؤخرا لتضم 4 اشخاص فقط هم عبد ربه منصور هادي (مؤتمر)، عبد الكريم الأرياني (مؤتمر)، عبد الوهاب الأنسي (اصلاح)،  وياسين سعيد نعمان (اشتراكي). وقد تقدمت لجنة الأربعة بخارطة طريق  تم رفضها. فما الذي يجري بالضبط؟ وكيف تدير السلطة عملية التهيئة للحوار الوطني وعلاقتها بالمعارضة بشكل عام؟
للإجابة على الأسئلة السابقة لا بد من مقاربة أولية للطريقة التي تنظر بها السلطة في اليمن الى المعارضة، والى كرسي "الحكم" وخزانة البنك المركزي،  والى علاقة السلطة بالمعارضة. وبداية فإن الواضح ان السلطة تنظر الى "الحكم" كـ "غنيمة" وحقا عصبويا يتوارثه ابناء العصبية وانصارها جيلا بعد جيل. اما المعارضة فتنظر اليها السلطة على انها "لص متربص" أو "قاطع طريق" يريد الحصول على جزء من الكعكة أو اخذها كلها  دون وجق حق.  وكما تتحالف السلطة مع الخارج في الحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف وتحقيق التنمية، فإنها أيضا تتحالف مع الخارج في مكافحة المعارضة والحراك والحوثيين.  والواضح أن السلطة في اليمن تعتمد على خبرات داخلية وخارجية في تصميم وتنفيذ استراتيجيات وتكتيكات معقدة    في التهيئة للحوار  الوطني وفي ادارة علاقتها مع المعارضة. ويتم هنا استعراض سريع لأهم الاستراتيجيات التي توظفها السلطة في ادارة عملية التهيئة للحوار الوطني.
استراتيجية الإنهاك
تعتبر استراتيجية الإنهاك احد الاستراتيجيات العدائية المعروفة في ادارة السلطات الاستبدادية لعلاقتها مع معارضيها. وفي حين يتظاهر من يقوم بتوظيف استراتيجية الاستنزاف في  حديثه لوسائل الأعلام والراي العام وقواعده بأنه يسعى لتحقيق الصالح العام لكل الأطراف بما في ذلك خصومه السياسيين، فانه في الواقع يقول ذلك للتمويه والخداع فقط. أما على صعيد السلوك الفعلي فانه  يسعى بكل ما او تي من جهد الى اقصاء الآخرين والاستئثار بكل شيء لنفسه. فاستراتيجية الإنهاك هي من الاستراتيجيات الباطنية التي تقوم على اطهار السلطة عكس ما تضمر. وتقوم هذه الاستراتيجية على استنزاف وقت القوى الأخرى عن طريق تطويل الفترة الزمنية للتهيئة أو للحوار ذاته ولفترة قد تستمر لسنوات.
ويتحقق الإنهاك المطلوب للخصم من خلال تجزئة مراحل التهيئة للحوار ومراحل الحوار ذاته ثم يتم العمل في كل مرحلة ممارسة عملية الإنهاك للمعارضة. فهناك في البداية حوار حول مبدأ الحوار ومدى صلاحيته وفائدته وصوابه. وقد استغرقت هذه المرحلة في اليمن فترة استمرت ابتداء من سبتمبر 2006 وحتى 71 يوليو 2010. ومع انه تم التواصل الى اتفاقات لأكثر من مرة وخصوصا في عام 2007 و2009 الإ ان السلطة اعادت في كل مرة التفاوض حول مبدأ الحوار من جديد.   
واذا ما تم الانتهاء من الحوار حول مبدأ الحوار تم الانتقال الى الحوار حول من يمكنه المشاركة في الحوار. هل يشارك الحوثي والحراك وقادة الجنوب المنفيين؟     ثم يتم في الخطوة الرابعة الانتقال الى الحوار حول مكان الحوار  والأماكن البديلة. هل يتم الحوار في الداخل أم في الخارج، في السماء أم في الأرض، في مجلس الشورى أم في مجلس النواب، على الكراسي أم تحتها؟  ويتم بعد ذلك الحوار في جولة أو في عدة جولات حول جدول الموضوعات التي ينبغي ان يتم الحوار حولها. وتمضي السلطة في رسم الخطوط الحمراء حتى ينفذ مخزونها من الحبر. اللجنة العليا للانتخابات خطا احمر، قانون الانتخابات خطا احمر، الفساد خط أحمر، الإعلام خط احمر. ويتم تخصيص الجلسة تلو الأخرى بعد ذلك لفحص الموضوعات الفرعية التي سيتم الحوار حولها ضمن كل موضوع تم الاتفاق على الحوار فيه. ومن جديد تبدأ عملية رسم الخطوط الحمراء حتى تنفذ الكمية الجديدة المستوردة من الحبر الأحمر.
وعندما يبدأ الحوار يتم العمل على استنزاف طاقات القوى الأخرى من خلال افتعال الأزمات والعقبات حول كل نقطة في الحوار وحول المصطلحات والتعبيرات المختلفة والكلمات التي يتم توظيفها وعنوان كل موضوع. وتبدو استراتيجية الإنهاك للمعارضة اليمنية واضحة من خلال اتفاق 17/7  الذي مضى على توقيعه اكثر من 3 اشهر وما زالت القوى السياسية تلف وتدور حوله. فالبند واحد من الاتفاق نص على حوار حول مبدأ التهيئة ونص البند الثاني  على حوار حول اسماء المشاركين في الحوار حول التهيئة ونص البند الرابع على الحوار حول من يمكن ضمه الى لجنة التهيئة للحوار. أما البند الخامس فقد نص على الحوار مع الأطراف التي يمكن الحوار معها حول الانضمام الى لجنة التهيئة  للحوار. ونص البند السادس على الحوار حول الجدول الزمني للحوار وضوابطه...وهكذا يكون الاستنزاف..  
استراتيجية التشتيت
تقوم هذه الاستراتيجية كما يقول العلماء على التعرف على الطرف الآخر ونقاط قوته وضعفه والمستويات العلمية والفنية والانتماءات الإيديولوجية  والعقائدية والسلالية والطبقية لأعضائه وذلك بهدف تفتيته وضرب وحدته وزرع الخلاف بين اعضائه.  والواضح ان السلطة في اليمن قد وظفت استراتيجية التشتيت باحتراف كبير. وقد بدأ التشتيت مع توقيع احزاب اللقاء المشترك لاتفاق 17/7 حيث  اسفر كخطوة أولى عن دق مسمار بين احزاب اللقاء المشترك من جهة وقوى الحوار الوطني  من جهة أخرى ولم تكن استقالة محمد سالم باسندوة من اللجنة المشتركة سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج.  
وقد لجأت السلطة الى اقتراح لجنة المائتين بهدف التعرف على الشخصيات الرئيسية في معسكر اللقاء المشترك ولجنة الحوار الوطني، استنزاف قوى اللقاء المشترك وحلفائه كاملة وشل قدرتهم على العمل الميداني، اللجوء الى الشائعات والتسريبات الهادفة الى توسيع الفجوة بين القوى السياسية المعارضة وقواعدها، ودفع اعضاء لجنة الحوار الوطني الذين لم يقع عليهم الاختيار ضمن لجنة المائة الى الشعور بالتهميش والاغتراب من جهة ثانية.
وعملت السلطة منذ البداية عن طريق وسائل الإعلام المملوكة لها او المستقلة ظاهرا على اثارة الصراع بين صفوف المشترك عن طريق تقسيمهم الى هاشميين وغير هاشميين والتحذير من الهاشميين ومن الحوثيين. وبدا واضحا ان السلطة تمارس فرزا هدفه اثارة العداوات بين قوى الحوار الوطني. ثم عمدت السلطة بعد ذلك الى غربلة لجنة الـ200 وتكوين لجنة الثلاثين وذلك بهدف زرع الخلاف وضرب الثقة في صفوف المشترك عن طريق تقسيم لجنة المائة الخاصة به الى فريقين فريق الـ15 وفريق الـ85 وذلك على امل تهميش لجنة الـ85 وزرع اليأس في صفوفهم. وقد اطاحت هذه الخطوة بأحد حلفاء المؤتمر في ضجة اعلامية كبيرة ولم تحقق الكثير على صعيد المشترك.    
ولذلك تم الانتقال الى الخطوة التالية في استراتيجية التشتيت وهي تكوين لجنة الـ16  بهدف الإطاحة هذه المرة بقيادات رئيسية في معسكر المشترك والحوار الوطني وبالتالي ايجاد قوتين وفي نفس الوقت العمل على توسيع دائرة الأعضاء المهمشين  وايصال رقم  الأعضاء الشاعرين بالتهميش من اعضاء المشترك الى 92 عضوا . وقد تم التركيز بعد ذلك على جمع المعلومات عن ممثلي  قوى الحوار الوطني (المشترك وحلفائه)، وتم ايكال تلك المهمة الى صحف ومواقع وقنوات تلفزيونية داخلية وخارجية تولت مهمة اجراء مقابلات على شكل تحقيقات أمنية تختبر النوايا والمواقف والتوجهات المستقبلية نحو السلطة والحوار وقضايا الحوار. وبلغت خطة السلطة الهادفة لتشتيت المشترك، ذروتها في محاولة تشكيل ما سمي بلجنة الأربعة. ويمكن فهم استقالة الدكتور محمد عبد الملك المتوكل والدكتور عبد الله عوبل  في هذا الإطار وان كان التعبير عن الاستقالة لم يخلو من دهاء سياسي اذ حمل السلطة المسئولية ولوح بالعودة الى قاعدة الانطلاق وهي الحوار الوطني الشامل وهو ما تحاول السلطة ضربه. 
وكان طبيعيا ان ترفض السلطة المشروع الذي تقدم به الأعضاء الأربعة الذين وقع عليهم الاختيار للقيام بالتهيئة لان هدف السلطة منذ البداية هو ضرب القوى السياسية وليس التهيئة للحوار. ويقول العلماء بان السلطات الدكتاتورية تلجأ الى هذه الاستراتيجية عندما  تتعرض لضغوط كبيرة للجلوس الى الحوار او تتفاجأ بمبادرة لم تكن في الحسبان وهذا هو بالضبط ما حدث من السلطة في اليمن التي وجدت نفسها فجأة محاصرة بالضغوط الخارجية للقبول بـ، والمضي قدما في تنفيذ، حوار وطني شامل.   
الغزو المنظم
تقوم هذه الاستراتيجية، التي توظفها السلطة في اليمن،  على توظيف الرغبة الزائفة في الحوار الوطني  بهدف بدء غزو منظم للطرف الآخر وبحيث يتم توظيف عملية التهيئة للحوار كاستراتيجية لتجميع كافة البيانات والمعلومات عن الأطراف الأخرى والعمل على عزل الأطراف الأخرى عن قواعدها والبحث عن الأشخاص الذين يمثلون نقاط ضعف في صفوف الطرف الآخر.  ثم يتم بعد ذلك اعداد الخطط  للعمل على توجيه طاقات الطرف الآخر نحو انشطة كفيلة باستنزاف تلك الطاقات "لماذا لا تشكل احزاب اللقاء المشترك حكومة ظل؟" "لماذا لا تعمل احزاب اللقاء المشترك شيئا لمهجري الجعاشن؟" "لماذا لم تحقق احزاب اللقاء المشترك التنمية؟" "لماذا لا تقوم لجنة الحوار الوطني بثورة؟"  
كما يتم وفقا لهذه الاستراتيجية البحث عن موضوعات خلافية او ايديولوجية داخل قوى المعارضة والعمل على النفخ فيها بواسطة وسائل اعلامية رسمية او شبه رسمية. ومن ابرز الموضوعات التي تم توظيفها خلال الفترة الماضية والنفخ فيها بشكل مستمر على سبيل المثال قانون تحديد سن زواج الصغيرات، والاستثمار السياحي المتمثل في "قرية موناكو."     ويلاحظ ان قيام النظام بالاعتقالات لنشطاء الحراك والصحافيين يصب في هذه الخانة. وعادة ما يتم نفخ النار عن طريق "لماذا يختلف الإصلاحيون حول قانون الزواج؟"، "لماذا يختلف الاشتراكيون والإصلاحيون حول قرية موناكو؟"، "لماذا تضم لجنة الحوار الوطني ممثلين عن الحوثيين في لجنة المائة التي تمثلهم؟" وهلم جرا.   
استراتيجيات أخرى
توظف السلطة بالإضافة الى ما سبق "استراتيجية الإخضاع" والتي تقوم على اخضاع اطراف الحوار الوطني  تماما لسيطرتها وبحيث تنزع منهم اي سلطة للمبادرة.  وتعمل السلطة بموجب هذه الاستراتيجية على مفاجأة الأطراف الأخرى بمبادرات أو بدعوات الى التفاوض لا يسمع بها سوى من وسائل الإعلام او لا يتم توصيلها سوى قبل ساعات. ولعل النجاح المحدود الذي حققته السلطة قد تمثل في دفعها احزاب اللقاء المشترك الى توقيع اتفاق 17/7 . أما بعد ذلك فقد منيت هذه الاستراتيجية بانتكاسات متتابعة حيث رفضت احزاب اللقاء المشترك دعوة  الرئيس المفاجأة الى عقد اول اجتماع للجنة المائتين ثم نجحت احزاب اللقاء المشترك في ابطال سلسلة من الاجتماعات التي تم تحديد مواعيدها بشكل فجائي من قبل الحاكم وعلى نحو منفرد. 
وربما كانت استراتيجية فرض الأمر الواقع هي اكثر الاستراتيجيات فشلا. فقد حاولت السلطة خلال الفترة الماضية احياء اللجنة العليا للانتخابات كأمر واقع وفشلت وحاولت احياء مشروع تعديل قانون الانتخابات وفرضه كأمر واقع ففشلت. وحاولت السلطة فرض لجنة المرجعية الدينية كأمر واقع على القوى السياسية ففشلت. وقد حاولت السلطة حشر المعارضة اكثر من مرة في زاوية ضيقة من خلال الدعوة الى الحوار قبل وقت قصير من مواعيد بدء الاستحقاقات القانونية وذلك بغرض توظيف الوقت للضغط على المعارضة ودفعها الى تقديم تنازلات كبيرة لكن هذا الأسلوب مني بالفشل اكثر من مرة في السنوات الأخيرة.
وما زالت السلطة مثلا توظف استراتيجية التخويف والتهديد للمعارضة ولكن ليس على لسان مسئولي الدولة كما اعتادت بل بتوظيف اعلام موال لها يعمل في الداخل والخارج. فقد وظفت السلطة مؤخرا استراتيجية التهديد بالذهاب الى الانتخابات منفردة، والتهديد بإعلان حالة الطوارئ، والتهديد الأخير لا يخلو من طرافة لان الكل يعلم  انه لو كان لليمنيين سلطة قادرة على فرض حالة الطوارئ لما وصل الأمر الى ما وصل اليه اليوم من انفلات على كافة الصعد.

السبت، 30 أكتوبر 2010

الصراع الدولي على سقطرة

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء

عن صحيفة اليقين، العدد 4 ، 30 اكتوبر 2010

أصبحت جزيرة سقطرى فجأة محل اهتمام عدد من مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وتحول الحديث الخافت عن تنافس دولي على الجزيرة التي تبلغ مساحتها 3500 كيلو متر مربع إلى صيحات تتردد من هنا وهناك. وتناقلت وسائل الأعلام خلال الأيام الماضية أنباء عن تقديم الصومال مذكرة إلى الأمم المتحدة تطالب باعتبار أرخبيل سقطرة جزء من الصومال على اعتبار أن الأرخبيل الذي يعتبر جزء من الجمهورية اليمنية هو اقرب في موقعه الجغرافي إلي الصومال منه إلى اليمن. وقد تناقلت بعض المواقع اليمنية المشبوهة مؤخرا على لسان ما أسمته بخبير عسكري عربي قوله بأن جزيرة سقطرة قد أصبحت قاعدة عسكرية أمريكية الإ أن الواضح أن الخبر مفبرك وربما كان مصدره دوائر النظام. وذهبت صحف ومواقع وكتاب مقربون من النظام إلى التأكيد بان توقف الخطوط الجوية اليمنية عن القيام برحلات إلى جزيرة سقطرى المعزولة عن اليمن ربما كان سببه أن الجزيرة قد تحولت بالفعل إلى قاعدة عسكرية. ولا يستبعد أن تكون الحكومتين اليمنية والأمريكية تقفان خلف الأخبار والتسريبات التي تطلق كبالونات اختبار لردود فعل القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية.
ويمكن لأي قوة عسكرية في العالم تتمكن من بناء قاعدة برية وبحرية في سقطرى أن تصبح قادرة على حماية أو السيطرة على أربعة من أهم المضايق المائية في العالم وهي مضيق هرمز الذي يفصل الإمارات عن إيران، مضيق باب المندب الذي يفصل بين اليمن وجيبوتي وقناة السويس التي تمر عبر جمهورية مصر العربية، ومضيق ملقا الذي يفصل بين اندونيسيا وماليزيا. ضف إلى ذلك إن بإمكانه توجيه ضربات بالطيران أو الصواريخ إلى إيران وأفغانستان وباكستان والعراق والى كثير من الدول الواقعة على حوض البحر المتوسط وفي القارة الأفريقية دون أن يخشى تلقي ضربات مقابلة.
ومع أن نشوء صراع بين اليمن والصومال حول ملكية سقطرى في المستقبل هو أمر محتمل لأسباب كثيرة الإ أن مثل ذلك الصراع لا وجود له اليوم ولعل الغرض من تسريب خبر عن صراع مزعوم هو تهيئة الرأي العام لأمر ما أو تليين موقف طرف ما. والصراع الوحيد الذي تلوح بوادره اليوم حول جزيرة سقطرة التي تقع على مفترق طرق في المحيط الهندي ليس بين الدولة الفاشلة التي تسمى الصومال والدولة التي يتهددها الفشل والمسماة باليمن بل هو بين القوى الدولية وخصوصا بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.
بالنسبة للروس، الذين اتخذوا خلال العقدين الأخيرين من الحرب الباردة من الجزء الجنوبي من اليمن بما في ذلك جزيرة سقطرى قاعدة عسكرية ، فقد عبروا في عام 2009 صراحة عن رغبتهم في بناء قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرة إلى جانب بعض القواعد الأخرى في المنطقة لكن هناك الكثير من الشكوك حول جدية وقدرة روسيا في هذا الظرف بالذات على المضي قدما في وضع تطلعاتها المستقبلية موضع التنفيذ.
وبالنسبة للأمريكيين فان تطلعهم إلى بناء قاعدة في جزيرة سقطرة ربما يرجع إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى وتحديدا إلى عصر ضابط البحرية وعالم الإستراتيجية الأمريكي الفرد ماهان الذي ولد في عام 1840 وتوفي في عام 1914 والذي كان قد كتب في إحدى مؤلفاته أن من يسيطر على المحيط الهندي سيصبح لاعبا رئيسيا على الساحة الدولية. وفي إطار السعي الأمريكي للسيطرة على المحيط الهندي بنت الولايات المتحدة قاعدة دياجو جارسيا في ارخبيل تشاجوس على بعد حوالي 3 ألف كيلو متر من جزيرة سقطرة.
وإذا كانت طبيعة الصراع خلال الحرب الباردة (1945 وحتى عام 1990 ) والتواجد السوفييتي القوي في المنطقة قد جعلت الأمريكيين يصرفون النظر عن جزيرة سقطرة، فان الكثير من التطورات التي شهدها العالم في العشرين سنة الماضية والتي بدأت بانهيار الإتحاد السوفييتي، مرورا بأحداث سبتمبر وظهور الصين كقوة تجارية وصناعية كبرى ، وانتهاء بالحرب على الإرهاب واحتلال العراق والقرصنة والخلاف مع إيران، وغيرها من العوامل، كلها جعلت الاهتمام الأمريكي بسقطرى يعود من جديد بقوة هذه المرة.
وقد ظهرت التطلعات الأمريكية لتأسيس قاعدة عسكرية جوية وبحرية في جزيرة سقطرة بشكل واضح من خلال السعي الأمريكي لاحتواء التطلعات الروسية لبناء قاعدة في الجزيرة والتي كان أبرزها الزيارة التي قام بها الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات المركزية الأمريكية إلى اليمن في 2 يناير 2010 والتي خرجت بعدها مجلة النيوزويك الأمريكية بخبر عن توجه امريكي لتطوير سقطرة لتصبح قاعدة عسكرية كاملة. أما وسائل الإعلام الإيرانية فقد خرجت بعدها باتهام للرئيس اليمني بتسليم جزيرة سقطرى للأمريكيين. وبعد أيام من زيارة بترايوس إلى صنعاء أعلنت روسيا تمسكها بمطلب بناء قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرة.
ولعل المشكلة التي تواجه الأمريكيين في سعيهم إلى بناء قاعدة عسكرية في سقطرى هي مشكلة مادية. فالحديث عن قاعدة عسكرية يعني مطارات وموانئ ومنشئات وتجهيزات تحتاج إلى مليارات الدولارات وهو ما لا يتوفر للولايات المتحدة خلال الفترة الحالية. وربما أن الأمريكيين يسعون للحصول على موضع قدم فحسب وبما يكفل منع أي قوة أخرى من محاولة ملء الفراغ في المنطقة. أما ما عدا ذلك، فسيتم تركه للمستقبل.
وبالنسبة للحكومة اليمنية فان التنافس الدولي على جزيرة سقطرى والذي يتوقع أن يزداد خلال السنوات القادمة ليشمل كل من الصين واليابان وإيران وربما بعض دول الإقليم فانه يحمل معه العديد من الفرص. أما المخاطر التي يحملها فهي بالتأكيد اقل بكثير من المخاطر التي يحملها بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه.
ولعل أهم الفرص المتاحة هي الأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرا عن رغبة قطرية في الاستثمار السياحي في جزيرة سقطرى. وإذا ما صحت تلك الأنباء، وهي بالتأكيد صحيحة فان أمام الحكومة اليمنية فرصة بطرح الجزيرة ككل كمشروع سياحي وتجاري للتطوير على الأشقاء القطريين الذين يملكون احتياطيات مالية كبيرة ستمكنهم من تطوير البنية التحتية في الجزيرة وإنشاء المشروعات السياحية العملاقة التي لن تستطيع الحكومة اليمنية إنشائها. وبإمكان الحكومة اليمنية أن تطالب في مقابل منح الإخوة القطريين امتياز تطوير الجزيرة بمبلغ مالي مناسب كمقدم عقد يمكن توظيفه في انتشال اليمن من حالة الفقر والتخلف الذي تعيشه. وإذا لم يبد القطريون رغبة في مثل هذه الترتيبات فان بإمكان الحكومة اليمنية طرح مشروع تطوير سقطرى على الدول/الشركات الراغبة من خلال مناقصة دولية.

السبت، 23 أكتوبر 2010

واقع ومستقبل الحوار الوطني الشامل

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء
عن صحيفة اليقين العدد 3 ، 23 اكتو بر 2010

مرت حتى الآن قرابة 100 يوم على توقيع اتفاق 17/7 بين السلطة والمعارضة بشأن الحوار الوطني، ومع ذلك فإن الحوار الذي ينظر الكثيرون إلى مسألة نجاحه بعين الشك والريبة ما زال في الواقع يراوح مكانه وما زالت العقبات العسيرة تقع أمامه وليس خلفه. أما ما تم تحقيقه خلال الأشهر السابقة، فقد تمثل في نجاح حزب السلطة وأحزاب اللقاء المشترك في الدوران حول المضمار والقفز على كل الحواجز ثم العودة إلى نقطة البداية. وتمثلت ابرز الحواجز الثلاثة التي تخطتها الأحزاب بشكل عام أولا في محاولة السلطة غير الحزبية بعث جثة اللجنة العليا للانتخابات، وثانيا في محاولتها إحياء سيء الذكر "مشروع تعديل قانون الانتخابات" وتقديمه إلى مجلس النواب، وثالثا، في محاولة السلطة غير الحزبية بناء حاجز جديد أمام القوى السياسية المدنية تمثل في لجنة المرجعية.
وقد تهاوت الحواجز الثلاثة بسرعة والى غير رجعة كما لو كانت قصور من ورق ليس بسبب رشد السلطة ولا نتيجة لقوة أحزاب اللقاء المشترك ولكن استجابة لفعل سياسي خارجي مستمر ومركز وهادف ربما دفع ثمنه السفير البريطاني في صنعاء. وقد تم دفن اللجنة العليا للانتخابات من جديد، وإعيد مشروع قانون الانتخابات إلى الدرج الصدئ الذي خرج منه. أما لجنة المرجعية فقد تم نزع أنيابها في قرار تشكيلها، والأرجح أن دورها لن يأتي الإ حين تختلف قوى الحوار الوطني حول "نواقض الوضوء" بحسب تعبير الدكتور الإرياني.
بالنسبة للنجاحات والإخفاقات التي شهدتها الأشهر السابقة، فقد تمثلت بالنسبة للحاكم وأدواته الحزبية في نجاحه في الحد من النشاط السياسي للمعارضة وإدخالها في حالة سبات عميق وإثارة البلبلة في أوساط قواعدها والاستمرار في إضاعة الوقت وتحقيق هدفه في تأجيل انتخابات ابريل 2011 إلى موعد غير معلوم كسياسة أمر واقع. ورغم أن الحاكم حاول استخدام اتفاق 17 يوليو لإشعال حرب سابعة في صعدة وضرب اللقاء المشترك بإثارة الخلافات بين صفوفه واللعب على أوراق الاختلافات السلالية والمناطقية والإيديولوجية داخله، الإ أن ما تحقق لم يكن بمستوى ما تم التخطيط له، ولا بمستوى الهجمة الإعلامية المنظمة، ولا بمستوى شراء الولاءات الذي تم ولا بمستوى الاستثمارات غير الأخلاقية من قبيل "قرية موناكو." وعلى صعيد الخسائر، فإن خطوات الحاكم وبقدر ما أضعفت المعارضة المدنية فإنها أعطت دفعة قوية للمعارضة الأخرى. ومني الحاكم بخسارة أخرى تمثلت في كشف بعض كروته داخل المشترك مما سيحرمه مستقبلا من اللعب بها.
أما أحزاب المعارضة فقد حققت نجاحين: الأول إقناع الجميع في الداخل والخارج بما في ذلك الحاكم بأن الحوار الوطني الشامل الذي لا يستثني احد بما في ذلك التمرد الحوثي والحراك ومعارضة الخارج هو المدخل الوحيد للتعاطي مع الأزمات القائمة وهذا النجاح لا يمكن لها ادعاء احتكاره. فالكثير من الأصوات داخل الحزب الحاكم وداخل السلطة وخارج اللقاء المشترك لعبت دورا جوهريا في تحقيق هذا النجاح وتثبيته كمبدأ سيكون من الصعب على أي قوة كانت على الساحة محاولة القفز عليه.
أما النجاح الثاني فقد تمثل في تمكنها كذلك ولأول مرة في تاريخها من التحول من لا عب داخلي ثانوي إلى لاعب إقليمي ودولي شأنها في ذلك شأن التمرد الحوثي الذي كان قد تحول إلى لاعب دولي خلال الحرب السادسة وشأن القيادات التاريخية للجنوب التي تمكنت خلال الفترة الماضية ولأول مرة من اكتساب الشرعية كفاعل دولي. وقد بدا ذلك الانتقال واضحا من خلال حرص وكيل وزارة الخارجية الأمريكية وليم بيرنز على اللقاء بها أثناء زيارته لليمن ومن خلال بيانات ووثائق ومواقف مجموعة أصدقاء اليمن. لكن هذا النجاح ذاته لا يعول عليه كثيرا ويخشى أن يتحول إلى قيد على أحزاب اللقاء المشترك وخصوصا وان ما يبحث عنه الخارج هو بيد السلطة وليس في جيوب المعارضة. كما أن هناك الكثير من الغموض حول قدرة أحزاب اللقاء المشترك على القيام بالدور الجديد في ظل حالة "الإملاق" التي تعيشها.
بالنسبة للوضع الحالي للحوار، فإنه يتم التركيز خلال هذه المرحلة على التواصل مع قيادات معارضة الخارج والحراك لدعوتها إلى الالتحاق بالحوار وهناك مؤشرات على أن جميع الأطراف ستقبل بالجلوس إلى مائدة الحوار وذلك لان الضغوط الخارجية، الإقليمية منها والدولية، تعمل في كل اتجاه وبقوة لا قبل لأحد بمقاومتها. لكن الحوار سيصطدم في القريب العاجل، وقبل أن ينتقل من مرحلة التحضير، إلى مرحلة النقاش والتقرير بعقبتين: الأولى هي اختلاف وجهات النظر حول مكان التفاوض؛ والثانية هي الاختلاف حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الخارج.
بالنسبة لمكان الحوار فهناك ثلاثة أطراف رئيسية لن تقبل بعقدة في الداخل نتيجة لأسباب تتعلق بالأمن وهذه نقطة تحظى بتفهم تام من قبل المجتمع الدولي ومن قبل الكثير من القوى في الداخل. ومع أن نقل الحوار من الداخل إلى الخارج ليس شيئا جديدا على اليمنيين أو غير اليمنيين، الإ أن المسألة في الوقت الحالي وفي ظل المعطيات السياسية القائمة لن تخلو من تعقيدات وخصوصا وان الحوار سيأخذ وقتا طويلا ولن يكون بالإمكان انجاز أجندته في أسبوع أو أسبوعين. وهناك بالطبع الكثير مما يمكن عمله، إذا ما حسنت النوايا وتعاون الجميع ووضع مصلحة الوطن نصب عينيه، لتجاوز هذه العقبة في حال حسنت النوايا..
أما العقبة الثانية، فستكمن في الخلاف الذي سينشأ حول الدور الذي يفترض أن يلعبه الخارج في حوار اليمنيين. من جهة، فإن حقائق السياسة والتاريخ والجغرافيا تقول أن قيام أي حوار بين اليمنيين، ناهيك عن إمكانية نجاح مثل ذلك الحوار، لن يكون ممكنا بدون وجود دور خارجي فاعل ومستمر. وتبين حقائق الواقع أن الخارج قد كان بمثابة الوقود الذي حرك قطار السياسة اليمنية في اتجاه الحوار خلال الفترة المنصرمة وقام بدور الكابح حتى الآن في منع انزلاقها خارج القضبان. من جهة ثانية، فإن الدور الذي يمكن أن يلعبه الخارج سيحتاج هو ذاته إلى إدارة وإرادة يمنية تتأكد باستمرار من بقائه جزءا من الحل وتمنعه من التحول مع مرور الزمن إلى جزء من المشكلة القائمة. ولن يخلو تعاظم الدور الخليجي من مخاطر أبرزها انه سيجعل الحوار والعملية السياسية ومستقبل البلاد مرهونا بظروف الخارج وتوجهاته وأجنداته المتغيرة ومخاوفه الأمنية.
ولا تمثل العقبات السابقة كل العقبات المتوقعة والتي يمكن أن تحول بين اليمنيين وبين الدخول إلى قاعة الحوار. كما أنها تقتصر على مرحلة التهيئة للحوار ولا تشمل العقبات التي ستظهر خلال الحوار ذاته. لكن هناك ما يبعث على الاعتقاد بأن العقبتين السابقتين ستكونان الأبرز والأصعب وسيتوقف عليهما مستقبل الحوار. أما بعد أن يجلس المتحاورون إلى مائدة الحوار فستكون هناك عقبات أخرى لكن ربما ليس بحجم العقبتين المشار إليهما أعلاه.
وستكون الأشهر الثلاثة القادمة بمثابة اختبار لمدى قدرة الأطراف السياسية اليمنية في السلطة والمعارضة على تحقيق تقدم واضح وملموس على صعيد الحوار. وستعلن نتيجة ذلك الاختبار في مؤتمر الرياض القادم الذي يتوقع عقده في فبراير 2011..



السبت، 9 أكتوبر 2010

ثلاث أجندات أمريكية تتنافس على اليمن

د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء

عن صحيفة اليقين، العدد 1
10 أكتوبر 2010

نظم معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن القريب من وزارة الخارجية الأمريكية يوم 8 سبتمبر 2010 ندوة بعنوان "إستراتيجية الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب في اليمن." وقد تحدث في الندوة، التي أدارها ستفن هيدمان، نائب رئيس المعهد ورئيس المجموعة المختصة باليمن، السفير دانيال بنيامين منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية وحضرها كل من توم كراجكسي وبربرا بودين السفيرين الأمريكيين السابقين في اليمن ولس كامبل مدير المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي لشئون الشرق الأوسط. وقد تابعت وقائع الندوة عبر "الوب كاست" وأثناء النقاش سألت السيد بنيامين عن ما اذا كانت الولايات المتحدة تتحدث في اليمن بصوت واحد أو بعدة أصوات وعن الطرف صاحب اليد العليا في اليمن .. هل هو وزارة الدفاع أو المخابرات المركزية الأمريكية وذلك على اعتبار أن وزارة الخارجية التي يفترض أن تكون المسيطرة تبدو باستمرار بمثابة الطرف الأضعف بين الجهات الثلاث وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي الأمريكي.
وقد طرحت السؤال لسببين. السبب الأول هو أن الإستراتيجية الأمريكية تجاه اليمن كما سمعتها خلال الندوة قد جاءت كما فهمتها كمحاولة للتوفيق بين ثلاث أجندات متنافسة وربما أيضا متناقضة وهي: أجندة السي أي إيه، أجندة وزارة الدفاع، وأجندة وزارة الخارجية.
أما السبب الثاني فهو أن بنيامين قد بدأ حديثه في الندوة بالتعليق على خبر كانت صحيفة الواشنطن بوست المقربة من المخابرات المركزية الأمريكية نشرته في 24 أغسطس 2010 قالت فيه أن محللي سي أي إيه يرون ولأول مرة منذ عام 2001 أن قاعدة الجزيرة التي تتخذ من اليمن مقرا لها باتت أكثر خطورة على الأمن القومي الأمريكي من القاعدة الأم التي تتخذ من الباكستان مقرا لها، وان أولئك المحللين برروا تقييمهم بأنه نتيجة للضربات التي وجهتها طائرات البردتورز التي تطير بدون طيار وتشغلها المخابرات.

وقد علق بنيامين على ما ورد في الواشنطن بوست بقوله انه لا يوجد لدى الإدارة الأمريكية نظاما للتقييم من ذلك النوع وان مثل ذلك التصريح الذي أوردته الصحيفة لا قيمة له. فالإرهاب النابع من اليمن، كما قال يمثل احد الاهتمامات الأمنية الرئيسية لكن القاعدة في باكستان تظل منظمة إرهابية ذات خطر هائل وغير عادي. ولا يخلو رد بنيامين رغم دبلوماسيته من تقليل من شأن النجاحات التي تدعي السي آي إيه تحقيقها في باكستان وتسعى لتكرارها في اليمن.
عودة إلى سؤالي، فقد رد بنيامين عليه بقوله أن السياسة الأمريكية تجاه اليمن تم تطويرها بالتعاون بين الجهات الثلاث أي بين وزارتي الدفاع والخارجية والسي أي إيه وان الولايات المتحدة تتحدث بصوت واحد في اليمن وانه أذا كان هناك من له اليد العليا بشأن السياسة الأمريكية في اليمن فهو الرئيس الأمريكي. وهذا الرد يمكن قبوله على المستوى النظري فقط. أما على المستوى العملي فان الوضع يبدو أكثر تعقيدا.
فعقب حديث بنيامين بحوالي أسبوع فقط نشرت صحيفة نيويورك تايمز خبرا ذكرت فيه وجود انقسامات عميقة بين وزارتي الخارجية والدفاع حول حجم الدعم العسكري المقترح لليمن والفترة الزمنية التي يغطيها ذلك الدعم. ففي حين اقترحت وزارة الدفاع إنفاق 1.2 مليار دولار خلال خمس سنوات في برنامج لتجهيز وتدريب الجيش اليمني فان مسئولين في الخارجية الأمريكية يعارضون التوجه بشدة. ويذهب مسئولون كبار في الخارجية الأمريكية بالإضافة إلى ستفن سش السفير الأمريكي الذي انتهت فترة عمله في صنعاء مؤخرا في معارضتهم لخطة وزارة الدفاع إلى القول بان وجود 500 إلى 600 عضو في القاعدة في اليمن لا يبرر بناء جيش بمعايير القرن الواحد والعشرين في دولة هي الأفقر في العالم العربي. أما موقف وزارة الدفاع فقد عبر عنه احد المسئولين بقوله "إذا كنا سنفعل هذا الشيء فلا بد أن نفعله بالطريقة الصحيحة بدلا من تقديم الدعم بالقطارة ثم إذا ساءت الأوضاع بدأنا في التساؤل عن الأسباب" مضيفا في إشارة إلى الوضع في اليمن "أنه مثل حريق في الغابة، تحاول جاهدا إخماده، ولا تقضي الوقت في التفرج عليه."
وبالنظر إلى الحجم المتواضع للمبلغ، وطول الفترة الزمنية التي سيقدم خلالها، وتواضع ما يمكن تحقيقه من خلال البرنامج فان الواضح أن الخلاف بين الخارجية والدفاع يبدو ابعد في نطاقه من الموضوع المطروح. ومع أن التنافس والاختلافات بين الجهات الأمريكية يعد أمرا طبيعيا ومتجذر في الفلسفة والبنية الدستورية للنظام السياسي الأمريكي الإ أن تلك الخلافات قد تعني غياب الرؤية المتفق حولها بشأن ما ينبغي فعله بشأن الحريق المشتعل في الغابة. وصحيح ان الرئيس اوباما كما يرجح محللون إستراتيجيون أمريكيون سيدعم خطة الدفاع على حساب الخارجية الإ ان ذلك وحده قد لا يكون كافيا.