الجمعة، 3 أغسطس 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(6)



في 22 أكتوبر 2011، توفي ولي العهد السعودي وزير الدفاع والطيران والمفتش العام الأمير سلطان بن عبد العزيز، وبعدها بأقل من ثمانية أشهر، وفي 16 يونيو 2012 ، توفي ولي العهد الجديد وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز. وأصيب الملك عبد الله، الذي لم تكن صحته بأفضل من صحة اخويه، بارتباك شديد وهو يشاهد أخوانه الأصغر منه سنا يموتون قبله.   

ومع أن أعضاء الأسرة الحاكمة وكبار المسئولين توقعوا أن يدعو الملك عبد الله هيئة البيعة التي كان قد وضع نظامها في عام 2006  ثم شكلها في عام 2007 لتنظر في اختيار ولي عهد جديد بدلا عن الراحل، إلا أن  الملك قرر في اليوم الثالث من العزاء (يوم 18 يونيو) وضع هيئة البيعة جانبا، واصدر أمرا ملكيا عين بموجبه الأمير سلمان وليا للعهد وزيرا للدفاع. 


كان الملك عبد الله مقتنعا تماما في ظل حالة من عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه بلاده بأن الأمير سلمان يمثل آخر العنقود من رجال الدولة من أبناء عبد العزيز (الجيل الثاني في الأسرة)، وأن بعض أعضاء هيئة البيعة من أبناء عبد العزيز ممن هم اكبر سنا من سلمان سيعترضون على تعيينه  كما اعترضوا على تعيين نايف من قبله، في حين لا يصلح أي منهم من وجهة نظره  لتولي منصب ولي العهد. 

وبينما كان الأمير متعب بن عبد الله وزير الدولة قائد الحرس الوطني، عند وفاة عمه نايف، يقضي إجازته في الخارج،  فقد قرر، كما فعل غيره من الأمراء وكبار المسئولين، قطع إجازته مؤقتا والعودة إلى الوطن لتقديم واجب العزاء، على أن يعود بعد ذلك إلى المصيف لمواصلة إجازته. 

لكن نجل الملك، وقد فاجأه قرار أبيه بتعيين عمه سلمان وليا للعهد، أصيب هو الأخر بارتباك شديد. وربما كان الأمير متعب يفكر، وقد أصبح منذ عام 2010 أول حفيد للملك عبد العزيز يقود قوة رئيسية هي قوات "الحرس الوطني"، أن والده سيدعو هيئة البيعة ويقترح عليها 3 أسماء من أحفاد عبد العزيز وان اختيار أعضاء الهيئة سيقع عليه حتما، وهو الأمر الذي لم يحدث.   

وقرر متعب وقد أصبح عمه سلمان وليا للعهد بدلا عن العودة إلى الخارج لإكمال إجازته البقاء مع أخيه عبد العزيز وخالد التويجري رئيس الديوان الملكي  في حالة استعداد تام، وأنشئوا غرفة عمليات خاصة لمتابعة تحركات وسكنات ولي العهد الجديد واتصالاته والشخصيات التي تزوره أو يقوم بزيارتها.   
 
كانت الترويكا (متعب، عبد العزيز، والتويجري)  تكره سلمان بشدة، وكان أبناء الملك (متعب، عبد العزيز) يعدون سلمان اخطر على أبيهم من سابقيه من أولياء العهد (سلطان، ونايف). فقد كان سلمان هو الوحيد، الذي عارض عزل الملك فهد رغم وصوله إلى حالة من العجز الكامل بعد سلسلة من النوبات القلبية التي بدأت في عام 1995، في حين كان كل من سلطان ونايف قد وافقا على العزل، وقد فعل سلمان ذلك من  ذلك من وجهة نظر أبناء عبد الله  بهدف كسب الوقت وتأخير تولي والدهم الملك. وكانوا يشعرون أن سلمان، وكان والدهم ما زال وليا للعهد، يعمل على الحد من أي نفوذ يمكنهم بنائه، وأنه وقد أصبح متعب قائدا للحرس الوطني سيعمل ما استطاع لتغيير الوضع.   

وكان الثلاثة  (متعب، عبد العزيز، والتويجري) يخشون أكثر من أي شيء آخر أن يقوم سلمان، الذي "يخطط بخبث" كما تذكر المصادر، بالكيد لأبيهم بعد أن أصبح وليا للعهد، وأن يتمكن من الحجر عليه، أو عزله عن الحكم بدعوى العجز عن ممارسة مهام الملك. كانوا يشعرون بأن مثل ذلك السيناريو يمكن أن يحدث مع عبد الله رغم أنه لم يحدث مع فهد لأن نفوذ عبد الله داخل الدولة كان وما زال محدودا ولأن حالته الصحية متدهورة بالفعل وإن كانت لم تصل إلى ما وصلت إليه حالة فهد الصحية.   

وشكل كره سلمان قاسما مشتركا بين عدد من أحفاد عبد العزيز الطامحين للعب دور مستقبلي هام في قيادة السعودية، وان اختلفت الأسباب. فبالإضافة إلى متعب وعبد العزيز ابني الملك عبد الله، كان هناك على سبيل المثال لا الحصر عبد العزيز بن فهد (نجل الملك فهد)، والأمير بندر بن سلطان سفير السعودية السابق في واشنطن، وهو نجل ولي العهد الراحل الأمير سلطان، والملياردير السعودي الوليد بن طلال، نجل الأمير طلال بن عبد العزيز.  

أما  التويجري، فقد كان يكره سلمان لأنه يعامله بشكل سيء، ويوظف ألفاظا بذيئة، ويدقق فيما يقول ويفعل، ولا يتعامل بدبلوماسية كما كان سلطان ونايف يفعلان حتى عندما يمسكان عليه سلوكا أو تصرفا خاطئا، وأنه لا يطيق النفوذ المتنامي  للتويجري، أو محاولات التويجري إعاقة أو عرقلة مصالحه في الديوان الملكي.

وقد عمل نجلا الملك، بالتعاون مع التويجري، على مواجهة المكائد المحتملة لولي العهد ضد الملك عن طريق الشائعات والدعاية التي ركزت على إصابة ولي العهد بمرض الزهايمر ومرض في الظهر وشلل في اليد اليمنى. ومع أن جهود أبناء الملك، ومعهم التويجري، ربما كانت دفاعية بحتة وتهدف إلى شل قدرة سلمان على تدبير مكيدة للملك عبد الله بتصويره بأنه في حالة صحية ليست بأفضل من حال الملك، إلا أنهما ربما بالغا في حربهما ضد سلمان بشكل كبير.  

ومع أن خصوم سلمان، وخصوصا أبناء الملك عبد الله والتويجري، كانوا يدركون أن سلمان سيوجه سهام انتقامه نحوهم في حال وفاة الملك قبل ولي عهده، وحاولوا تجنبا لذلك المصير، السعي لعزل ولي العهد قبل وفاة الملك، إلا أن ذلك المشروع كان أكبر مما يتوفر للملك والمحيطين به من نفوذ سواء داخل الأسرة المالكة أو داخل الدولة.     

الخميس، 2 أغسطس 2018

نقاشات محرمة... الأزمة مع قطر



(1)
تبدو النقاشات الأمنية التي تدور بين الجانبين السعودي والأمريكي حول الأزمة مع قطر أقرب ما تكون إلى تبادل وجهات النظر بين طرفين متحالفين في مواجهة طرف ثالث، غير أن تلك النقاشات تعكس حالة من التيه وغياب الرؤية بالنسبة لإدارة ترامب؛ وحالة من الشخصنة للأزمة بالنسبة للجانب السعودي، تتناقض حتى مع مصالح السعودية ذاتها. 



بدأ الجانب الأمريكي الحديث متذمرا، فذكر أن هناك شعور في دوائر الحزب الجمهوري الأمريكي أنهم كلما وصلوا إلى السلطة فإن عليهم أن يواجهوا في الشرق الأوسط ثلاثة أنواع من أحزاب المعارضة التي تعمل رغم اختلافاتها على أجندة واحدة وتلك الأحزاب هي: الحزب الديمقراطي؛ حزب قطر؛ وحزب قناة الجزيرة. وسارع مشارك من الجانب السعودي إلى الإشارة إلى أن معارضة حزب قطر وحزب قناة الجزيرة تمر دائما عبر أجواء السعودية، لكنه أضاف أن على الأمريكيين في حالة مثل هذه النظر إلى النصف الممتلئ من الكأس وأن يراهنوا كما فعل الجمهوريون دائما على ثقل السعودية، وإن كانت بلاده كما أشار لا تملك قناة قادرة على التأثير مثل الجزيرة.

رد المتحدث الأمريكي أن الجمهوريين في أمريكا أيضا لا يملكون قناة مثل الجزيرة وأن ذلك له علاقة بطبيعة القيم المحافظة، وأن المشكلة دائما تكمن في أن الإعلام يولد ليبراليا وبالتالي حليف للديمقراطيين بالفطرة.      

ثم سارع الجانب الأمريكي، مغيرا موضوع الحديث، إلى القول،  انه بالنسبة للنظام  السياسي الأمريكي، فلا يوجد مشكلة لأن على الحزب الحاكم أن يتعايش مع المعارضين حتى ولو كانوا بحجم جزيرة كوبا وبتشدد كاسترو. وهنا أشار مشارك سعودي، بأنه على الرغم من اختلاف النظام السعودي عن نظيره الأمريكي، إلا أنه أيضا لا يجد صعوبة في إتباع قاعدة التعايش مع قطر كما حدث خلال الربع قرن الأخير، غير أن هناك مراحل تمر بها الدول يصبح فيه التعايش مع دولة أخرى أكثر تكلفة من الافتراق. رد الجانب الأمريكي بأن ذلك أمر يمكن تفهمه، وأكد بان ذلك بالتحديد ربما يكون سبب استهداف الجيش الأمريكي لمكاتب ومراسلي قناة الجزيرة في حروب أفغانستان والعراق إن كان مثل ذلك الاستهداف قد حدث بالفعل.  لكن الجانب الأمريكي أشار رغم ذلك إلى أن زواج الجغرافيا كاثوليكي بطبيعته، وأن أي فراق يظل ذا طابع افتراضي أكثر منه واقعا.
  
قال مشارك سعودي، في غمزة واضحة، انه من حسن حظ الجمهوريين في أمريكا أن كوبا لا تستضيف على أرضها قاعدة عسكرية أمريكية، فرد عليه مشارك أمريكي بان الجمهوريين في أمريكا ، رغم ذلك، لم يفكروا قط في غزو كوبا خلال الخمسين عاما الماضية، مبررا ذلك  بأنه كان على أمريكا بقوتها وجبروتها أن تقبل بكوبا كما هي  منذ عام 1961  وان تمتنع  عن أي محاولة لغزوها وضمها أو الضغط على نظامها تفاديا للدفع بها للارتماء بشكل أكبر في أحضان السوفييت. وأضاف في ملاحظة جانبية ذات علاقة أن المؤسسة العسكرية الأمريكية بطبيعتها جمهورية، لكنها عندما تقيم في قطر تصبح اقرب إلى الديمقراطيين. 


قال الجانب السعودي مستدركا وعائدا بالحوار إلى الموضوع الأساسي، ومع ذلك فإن أمريكا ورغم ما أبدته من تسامح، فقد قطعت علاقاتها بكوبا وفرضت عليها حصارا اقتصاديا ولا زالت تعاقبها حتى اليوم رغم أنها لم تكن تملك من الموارد ما يكفي ليجعلها تفكر بالتبشير بالشيوعية في أمريكا. رد الجانب الأمريكي، أن ما كان يقلق بلاده هو أن يستغل السوفييت أي تطبيع أمريكي للعلاقات مع كوبا فيعملوا على استغلال الكوبيين في القيام بأعمال تجسسية وتخريبية داخل أمريكا. أما الآن، فقد أصبحت طرق التعامل مع كوبا جزءا من التقاليد السياسية المحافظة التي يحرص الحزب الجمهوري على عدم الخروج عليها  

(2)

عبر الجانب الأمريكي وقد انتقل من حديث التوريات إلى الحديث المباشر عن قلق بلاده من فكرة أن تتزعم قطر وقناة الجزيرة ومن خلفها تركيا وإيران والفلسطينيين والجماعات الشيعية والسنية المعارضة في الشرق الأوسط وحول العالم لـ"صفقة القرن" التي يراهن عليها الرئيس ترامب، ولجهود احتواء إيران وبرنامجها النووي مما يعقد الأمور، مؤكدا أن حدوث أمر مثل هذا يبدو مؤكدا في ظل الأزمة القائمة، وهو ما يعني أن الأجندة الخارجية لترامب يمكن، بسبب المماحكات الإقليمية، أن تتعرض للتعطيل.

رد الجانب السعودي بصوت لا يخلو من مسحة سخرية أن قطر ستفعل ذلك على أي حال وسواء أكان هناك أزمة وقطع علاقات وفرض عقوبات، أو كانت العلاقات طبيعية بين قطر والسعودية، ومواقف قطر كما ذكر معروفة في هذا الجانب مذكرا بان خلافات بلاده مع قطر خلال العقد الأول من الألفية لم يكن لها من موضوع سوى مواقف قطر الرسمية وتغطيات قناة الجزيرة للمبادرة العربية للسلام التي تقدم بها في ذلك الوقت ولي العهد السعودي والأمير عبد الله، والتي دأبت قناة الجزيرة على وصفها بـ"الخيانية" ووصف آل سعود بـ"الخونة."
 
رد الجانب الأمريكي، أن ذلك قد يكون صحيحا إلى حد ما فقط، ولكن ليس بالمطلق.  ودلل على ذلك بأن السعودية والإمارات والبحرين سحبت سفرائها  من الدوحة في مطلع عام 2014 وافتعلت أزمة مع قطر دامت حتى نهاية فصل الصيف لكنها عندما بدأت في الإعداد لحرب على اليمن، لم تجد بدا من تطبيع العلاقات مع الدوحة واكتفت بتعيين ابو هلالة واليافعي في قناة الجزيرة بينما تخلت عن كل ما كانت تطرحه من اشتراطات، ثم ذهبت أبعد من ذلك، فضمت الدوحة إلى دول التحالف. 

وذهب متداخل سعودي، في تعليق على ما قيل، إلى أن ضم قطر إلى التحالف لم يمثل إضافة، وانسحابها من التحالف لم يمثل خصما. لقد كان جنود قطر في الحد الجنوبي للسعودية، كما قال، بينما قطر ذاتها كانت في صف الحوثيين. رد الجانب الأمريكي أن السؤال الذي يتمنى ان يتمكن السعوديون من الرد عليه بشفافية هو: هل كان يمكن أن تشن السعودية حربا على اليمنيين في ظل معارضة قطر وقناة الجزيرة لمثل تلك الحرب منذ البداية؟ ودون أن ينتظر جوابا لسؤاله، تابع يقول أن احتواء قطر والقبول بها كدولة معارضة داخل النظام الإقليمي وضمن قواعد معينة ربما كان أفضل من الدفع بها إلى المعسكر المقابل واتخاذها كعدو كما يحدث منذ 5 يونيو 2017. وأضاف المشارك الأمريكي أنه وفي الوقت الذي تمثل فيه قطر وجع في المؤخرة، فإنه ربما كان هناك حاجة كبيرة  لدور قطر في المرحلة القادمة، مشيرا في مداخلته إلى  أن الصلات والعلاقات التي تعاقب قطر بسببها قد تمثل فرصة للسعودية وحلفائها. 

أقر مشارك سعودي بأن قطر، بحكم إتباعها ذات المذهب المتبع في السعودية وان باعتدال وبحكم انحدار سكانها من نجد، لعبت دورا تاريخيا هاما في خدمة الأجندة الخليجية والأمريكية على السواء من خلال التعاطي  مع الجماعات الدينية السنية منها والشيعية بما في ذلك حركة الإخوان المسلمين في مختلف الأقطار العربية وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والدول المحكومة بأنظمة ذات صبغة دينية كالسودان وإيران وتركيا. وأكد أن السعوديين والأمريكيين استفادوا كثيرا مما توفره قطر والإمارات كجارتين وحليفتين وعضوين في مجلس التعاون الخليجي من مزايا بناء النفوذ على الصعيد الدولي عن طريق أدوات القوة الناعمة ووظفوا ما توفره الليبرالية الاجتماعية التي تتبعها الإمارات، والليبرالية الاجتماعية والإعلامية ذات الصبغة القومية والإسلامية التي تتبناها قطر في دعم مختلف الأجندات السياسية.

 وأضاف المتحدث السعودي أن بعض المسئولين السعوديين، بما في ذلك الملك، لم يكونوا يرضون عن ما تبثه قنوات شبكة الجزيرة  وخصوصا عندما تتناول الشأن السعودي، إلا أن الأجهزة السعودية لم تكن بغافلة عن الفاعلية التي تتميز بها قنوات شبكة الجزيرة والإعلام المدعوم من قطر بشكل عام. ولذلك عملت الأجهزة السعودية بشكل مستمر كما ذكر على تمرير الأجندة الإعلامية السعودية الخفية بأساليب شتى من خلال وسائل الإعلام القطرية  وفي مقدمتها قنوات شبكة الجزيرة ولم يشذ عن ذلك سوى فترات الأزمات الشديدة بين الدولتين، أو بين أطراف معادلة الحكم داخل السعودية.
      
وأضاف المتحدث أن التنوع الخليجي في بعديه القطري والإماراتي وفر  خلال العقدين الماضيين للنظام السعودي مرونة كبيرة في الحركة وتوزيع الأدوار والتعامل بالتالي مع قطاعات واسعة من الجماعات والعلاقات وبناء النفوذ في مختلف الدول والأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية. فعندما تعرضت المملكة مثلا إلى ضغوط من قبل الحكومة المصرية بشأن الشيخ القيادي في حركة الإخوان المسلمين يوسف القرضاوي في منتصف التسعينيات، كان من السهل عليها أن ترضي محبي القرضاوي وتلاميذه ومريديه داخل السعودية وخارجها من جهة، والحكومة المصرية من جهة ثانية، عن طريق نقله إلى قطر. وعندما كانت تريد أن تتخذ موقف مناهض للوحدة اليمنية، كانت وما زالت تلجأ للإمارات للقيام بذلك كما تفعل الآن. فلم يكن لدى قطر مشكلة في استقبال الإسلاميين، ولم يكن لدى الإمارات مشكلة في مناهضة القومية والدين. 

(3)
أبدى الجانب الأمريكي دهشته من انتقال العلاقات السعودية القطرية من التفاعل الايجابي المفيد للجانبين إلى التفاعل السلبي المكلف للجميع، وتساءل عما إذا كان هناك سبب واحد محدد يمكن أن يبرر ما يجري.  رد الجانب السعودي أن الدول الأربع التي قطعت العلاقات مع قطر وفرضت عقوبات عليها فعلت ذلك بتنسيق تام مع حلفائها (يقصد الأمريكيين). قال الجانب الأمريكي، إن خصوم إدارة  ترامب استدرجوها إلى مواقف وسياسات وقرارات كثيرة ثبت لاحقا أنها لم تكن سوى "فخاخ" نصبت بدقة. أما بالنسبة للأزمة مع قطر، كما أشار، فقد كان لها أهداف "محدودة" و"محددة" وذات طبيعة آنية، ولم يكن هناك أي نية، على الأقل بالنسبة للجانب الأمريكي، لتحويلها إلى سيرك بهذه الطريقة. وأضاف أنه ربما كان للإسرائيليين وكوشنر (صهر الرئيس ترامب) أهداف أخرى، لكن الأمريكيين لم يكن لهم أهداف بعيدة المدى.

قال الجانب السعودي، أن ما يحدث لا يخلو من فائدة، لأن عروض السيرك يمكن أن تشغل الرأي العام العالمي بشيء مسل بدلا من أن يتم شغله بجنون البقر، وأنفلونزا الطيور والخنازير، أو  بالعلاقة غير المشروعة التي أقامها الرئيس الأمريكي مع ستورمي دانيللز. رد الجانب الأمريكي، بأن ذلك كان يمكن أن يكون صحيحا لو أن الرئيس الأمريكي نفسه لم يكن هو اللاعب الرئيس في "حلبة السيرك"، ولو أن عجز الرئيس الأمريكي لم يكن هو المادة المسلية التي تستخدم في الترفيه على جمهور السيرك.       

عاد المتحدث السعودي إلى عرض التطورات التي أدت إلى القطيعة بين بلاده وقطر، فذكر   أنه كان من الطبيعي أن يؤدي توزيع الأدوار والاختلافات في التوجهات الإيديولوجية والجوار الجغرافي بين قطر والإمارات إلى نشؤ تنافس بين الدولتين في مختلف المجالات وأن يعمل ذلك التنافس في مسار تطوره على استحضار وتأكيد الماضي الصراعي والعدائي بين الدولتين. وأضاف أن ذلك الصراع ظل تحت السيطرة النسبية في سنوات ما قبل الربيع العربي، ثم شهدت مرحلة ما بعد الربيع خروج الصراع بين الدولتين عن السيطرة.   فقد دعمت قطر الإسلاميين، الذين مثلوا القوة الرئيسية في ثورات الربيع العربي، في حين تولت الإمارات دعم وتمويل الثورات المضادة التي قام بها العلمانيون وأتباع الأديان الأخرى.

رأى الجانب الأمريكي، في رده على ما سبق،  أن التنافس بين القطريين والإماراتيين يمكن أن تكون له فوائده بالنسبة للسعودية، وأنه لا يفهم بالتحديد لماذا اختارت السعودية جانبا في الصراع، وأصبحت أكثر تشددا تجاه قطر أكثر من الدول الثلاث الأخرى التي يفترض أن تكون المتضرر الأساسي من الدور القطري. وقال انه يخشى أن يكون صحيحا ما تتداوله بعض التقارير من أن سلمان ظل يحمل في نفسه شيئا ضد قطر منذ التسعينيات، وأنه رغم الظروف الصعبة والتحديات الجمة التي تواجهها السعودية وحلفاؤها، يعمل على تغليب أجندة شخصية ثأرية. 

تابع الجانب السعودي شرحه مبينا كرد على ما طرحه الجانب الأمريكي دون التطرق إلى الموقف الشخصي للملك، أن هناك توجها جديدا الآن ليس فقط على مستوى السعودية ولكن أيضا على المستويات الإقليمية والدولية. فلم يعد ممكنا، كما قال، الحفاظ على الثنائية الدينية/الليبرالية، التي اتسم بها المجتمع السعودي والمجتمعات الخليجية الأخرى، وبالتالي فإن المساحات التي كانت تتحرك فيها قطر والإمارات تتعرض لإعادة صياغة جذرية.

وأضافه أنه بينما تعمل الإمارات بشكل مستمر على تكييف مواقفها وتوجهاتها حسب مقتضيات السياسة الخارجية السعودية، حتى وأن تعرض المجال الذي تعمل فيه لإعادة تشكيل، أو على الأقل تمتنع عن تبني موقف علني معارض للسياسات السعودية، فإن قطر وخصوصا منذ تولي حمد بن خليفة السلطة في عام 1995 تتبنى خطا في السياسة الخارجية ليس فقط مستقلا عن السعودية ولكن أيضا مناهضا لها في بعض الحالات، دون أن تقتضي مصالح قطر مثل ذلك الموقف الذي يحول العلاقات بين البلدين إلى حلقات متتابعة من برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة. 




الأربعاء، 1 أغسطس 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(4-5)

قضى خادم الحرمين الشريفين ملك المملكة العربية السعودية عبد الله بن عبد العزيز نحبه في وقت ما قبل غروب شمس يوم الخميس الموافق الـ22 من شهر يناير 2015،  لكن الحكومة السعودية، التي أصبح يقودها الأمير سلمان،  تكتمت على الوفاة لأسباب تتصل بأمن الدولة، ومنعت وصول الخبر حتى لأعضاء الأسرة المالكة أنفسهم.


وبدلا من أن يتوجه انتباه الراي العام الاقليمي والدولي نحو السعودية، حدث العكس تماما. فقد وجهت وسائل الاعلام الاقليمي والدولي، والناشطون على الشبكات الاجتماعية، انتباههم الكامل والحصري إلى التطورات الدرامية التي شهدها اليمن خلال الدقائق التي تلت غروب شمس  ذلك الخميس.

بدأت تلك التطورات بتقديم رئيس الوزراء اليمني ابن اليمن البار خالد بحاح استقالته إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي مبررا خطوته، كما ورد في نص الاستقالة التي وجهها الى الرئيس هادي، بما يلي:

"تعلمون أننا في حكومة الكفاءات قبلنا تحمل مسئولية قيادة اليمن وتنميتها في ظروف صعبة ومعقدة جدا وجئنا من مختلف المجالات والتخصصات العلمية والاجتماعية من اجل ان نخدم وطننا ونساهم في إحلال الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وبالرغم من الفترة القصيرة التي عملنا فيها منذ السابع من نوفمبر 2014 والحصول على ثقة البرلمان في 18 ديسمبر 2014، إلا أننا استطعنا ان نعطي الشعب والقيادة مؤشرات حقيقية تدل على ما كان يمكن أن نقدمه لهذا الوطن، ولكن يظهر بأن الأمور تسير في طريق آخر. لذلك فأننا ننأى بأنفسنا أن ننجر إلى متاهة السياسة غير البناءة والتي لا تستند الى قانون أو نظام.
ويشهد الله أننا كحكومة كفاءات حاولنا ما أمكن ان نخدم هذا الشعب وهذا الوطن بكل ما استطعنا من قوة وعلم وكفاءة ومسئولية وضمير. وعندما أدركنا أن هذا لا يمكن قررنا اليوم أن نقدم استقالتنا لفخامة رئيس الجمهورية والى الشعب اليمني، حتى لا نكون طرفا فيما يحدث وفيما سيحدث ولا نتحمل مسئولية ما يقوم به غيرنا أمام الله وأمام الشعب.
نعتذر اليك أيها الشعب اليمني الصابر، ونسأ الله أن يخرج اليمن الى بر الأمان."

كان خالد بحاح، الذي عاد خصيصا من نيويورك لإنقاذ بلاده، قد كلف في 13 أكتوبر 2014 بتشكيل حكومة كفاءات، لكنه ظل يتصرف كسلحفاة  ولم تشكل حكومته سوى في 7 نوفمبر، ثم لم تنل تلك الحكومة ثقة مجلس النواب سوى في 18 ديسمبر 2014، أي انها بالكاد أكملت شهرا منذ حصولها على الثقة. ولم يكن هناك أي مؤشر على أن بحاح، الذي تتلمذ على يد الملياردير السعودي من أصل يمني عبد الله بقشان، غير مسرور بما يجري أو انه ينوي تقديم استقالته. وكان من الطبيعي والوضع كذلك أن تأتي استقالته كـ"الزحرات" المكتومة التي يصدرها المصاب بإمساك شديد عندما يجلس على كرسي الحمام.
  
وتؤكد تلك المفارقات مع الغموض المشوق الذي حملته استقالة بحاح وخصوصا قوله بأن "الأمور تسير في طريق آخر" أن الكل كان ينتظر حدثا غامضا ليقدم وطنه وابناء شعبه قربانا لذلك الحدث الهام والذي يمكن أن يغير مجرى حياة الإنسان جذريا، كما يمكن أن تفعل ليلة القدر إذا مرت بإنسان وتصرف بالشكل، وفي الوقت المناسب.

كما تلقي رسالة الاستقالة التي كتبها بحاح الضوء أيضا على الأسباب والدوافع التي كانت تقف خلف الإصرار على أن يشكل بحاح حكومة كفاءات وليس حكومة أحزاب رغم أن الأحزاب تقاسمت مقاعد الحكومة (9 حقائب للمشترك، 9 للمؤتمر، 6 للحراك، و6 للحوثيين-انصار الله). ولو كان بحاح قد ترأس حكومة أحزاب، لاحتاج  على الأقل لعقد اجتماع لأعضائها قبل أن يتخذ قرارا باستقالة الحكومة. 


إذا كانت استقالة خالد بحاح رئيس حكومة الكفاءات اليمنية بعد دقائق من غروب شمس يوم الخميس الـ22 من يناير 2015 قد جاءت مليئة بالغرابة، فإن الأغرب منها هو الطريقة التي استجاب بها الرئيس اليمني الانتقالي عبد ربه منصور هادي، الذي يفوق الخنازير في نهمه للمال والسلطة،  لاستقالة رئيس وزرائه.

فمع أن مصطلح "الاستقالة" ليس من مفردات القاموس السياسي لهادي، ومع أنه كان مستعدا لبيع كل ذرة تراب على ارض اليمن في سوق النخاسة وإهلاك الحرث والنسل حتى يبقى في موقعه الذي يمارس من خلاله كل أشكال الامتصاص الداخلي والخارجي، إلا أنه تحول عقب غروب شمس الـ22 من يناير 2015 إلى كائن آخر مختلف تماما.   فلم يكتف هادي بقبول استقالة بحاح في لحظتها وساعتها،  بل أن عاصفة من صحوة الضمير قد اجتاحته وتلبسته كأنها جنية، فقرر هو الآخر تقديم استقالته إلى هيئة رئاسة وأعضاء مجلس النواب، حتى لا تفوته ليلة القدر. وقد جاء في استقالة هادي ما يلي:

"لقد تحملنا مسئولية الرئاسة منذ 25 فبراير 2012 م وانتم لستم بحاجة لشرح الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية في ذلك الظرف وحتى يومنا هذا..
ونظرا للمستجدات التي ظهرت منذ 21 سبتمبر 2014 م على سير العملية الانتقالية للسلطة سلميا والتي حرصنا جميعا على أن تتم بسلاسة ووفقا لمخرجات الحوار الوطني التي تأخرت لأسباب كثيرة وانتم على علم بها.
ولهذا فقد وجدنا اننا غير قادرين على تحقيق الهدف الذي تحملنا في سبيل الوصول اليه الكثير من المعاناة والخذلان وعدم مشاركتنا من قبل فرقاء العمل السياسي في تحمل المسئولية للخروج باليمن الى بر الامان ولهذا نعتذر لكم شخصيا ولمجلسكم الموقر وللشعب اليمني بعد أن وصلنا إلى طريق مسدود.
ولهذا (كررها مرة ثانية) أتقدم إليكم باستقالتنا من منصب رئاسة الجمهورية اليمنية والى مجلسكم الموقر."

والواضح أن هادي، وشأنه في ذلك شأن بحاح، قرر أن يبتز شعبه وطنيا وعاطفيا حتى النهاية بإشارته إلى أن سبب استقالته هي المستجدات التي ظهرت منذ 21 سبتمبر 2014 في إشارة منه إلى سيطرة الحوثيين على صنعاء، لكن  هادي، بقدراته المحدودة بطبيعتها على عقلنة الأقوال والأفعال، لم يلحظ أن الوقت كان متأخرا جدا وأنه لو كان يعني ما يقول  لكان قد قدم استقالته في يومها وساعتها كما فعل رئيس وزرائه المخضرم محمد سالم باسندوة. أما أن يضع هادي ضميره في ثلاجة لأربعة أشهر، ثم يقرر فجأة أن يستقيل دون أن يقدم حتى سببا واحدا مقنعا لما يفعل، فذلك لا يعني سوى أن هادي قد وجد كنزا ثمينا. أما توظيف هادي في ختام استقالته لتعبير "أتقدم إليكم باستقالتنا" في مخاطبة مجلس النواب، فيستحق أن يدون في سجلات التاريخ بماء الذهب لما ينطوي عليه من فصاحة لما يسبقه إليها احد من الإنس والجان.   

وباستقالة رئيس البلاد، ورئيس الوزراء وعلى مرأى ومسمع وسائل الإعلام الدولي، سقطت اليمن بشكل كامل بأيدي الحوثيين، ما يعني بحسب تفسيرات وسائل الإعلام، سقوطها بأيدي إيران. الملفت للانتباه هو أن بحاح وهادي في استقالاتهما لم يشيران بالتصريح إلى دور إيراني فيما يحدث في اليمن وتركت تلك المسألة لكامل لوسائل الإعلام لتقوم بعجنها وخبزها حسب ما يتطلبه الوضع.    

ولم يكن هناك ليلة الخميس/ الجمعة (22-23 يناير 2015) من خبر أو موضوع يمكن أن ينافس تطورات اليمن التي لعب هادي وبحاح دور البطولة فيها. وحتى وسائل الإعلام التي لم تكن عادة تهتم بالشأن اليمني كثيرا أو قليلا، عملت في تلك الليلة على تعويض تقصيرها من خلال تغطياتها المكثفة  للشأن اليمني. واستضافت القنوات الفضائية مئات من المحللين بعضهم كان يظهر لأول مرة ليدلوا بدلوهم في شرح وتفسير ما يعنيه سقوط اليمن بأيدي إيران.