السبت، 18 أغسطس 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(19)



يمكن الافتراض بالطبع إن أحسن الإنسان النية أن الرئيس اليمني حاول الاتصال بالملك لطلب موعد فلم يتمكن من ذلك، وأنه نتيجة لذلك قرر أن يبعث برسالة للملك في يوم 20 ابريل وان معاوني الملك وحاشيته قد فاتهم اخذ ملاحظة بالرسالة وتضمينها بيان وزارة الدفاع وما نشرته وكالة الأنباء السعودية، وأن هادي نفسه الذي يعتمد على الآخرين في كتابة الخطابات المنمقة وغير المنمقة، قد نسي أن يشير في خطابه يوم 21 ابريل إلى الرسالة الغرامية التي بعث بها إلى ملك السعودية يوم 20 ابريل،  غير أن ما يصعب افتراضه وما لا يمكن القبول به هو أن يكون هادي الذي وجه رسالة الى الملك سلمان يوم 24 مارس طالبا منه التدخل لدعم الشرعية، وإنهاء الانقلاب، قد قرر يوم 20 ابريل أن يطلب من الملك سلمان، وقبل أن تحقق "عاصفة الحزم" أي قدر من النجاح بأن يضع نهاية لتلك العمليات ذات الدم الثقيل، وأن يدشن عمليات جديدة تتسم بالرقة تحت مسمى "إعادة الأمل." أن أمر مثل هذا لا يمكن تصوره حتى في فيلم للمحششين، فما بالك بإدارة حرب عدوانية لتحالف "مزعوم" يتكون من 9 دول. 


ومع ذلك، فقد مضى بيان التحالف العربي، وفي تحد لكل قواعد المنطق التي وضعها أرسطو، في تعداد النجاحات التي حققتها "عاصفة الحزم"  كما وردت، حسب زعمه، في رسالة الرئيس اليمني:

"وأوضحت الرسالة أن تاريخ اليمن والأمة العربية سوف يسجل بمداد من ذهب ذلك الموقف التاريخي الصارم الذي أعاد للشعب اليمني الأمل في مستقبله حيث حققت عملية عاصفة الحزم ولله الحمد أهدافها المتمثلة في الآتي:
1
ـ الاستجابة لطلب فخامته في رسالته المؤرخة في 24 مارس 2015م  والتي جاءت استناداً إلى مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة ( 51 ) من ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك ، وذلك بالتصدي للعدوان الذي تعرضت له اليمن وشعبها من قبل ميليشيات الحوثي والقوات التابعة لحليفها علي عبدالله صالح والمدعومة من قوى خارجية هدفها بسط هيمنتها على اليمن وجعله قاعدة لنفوذها على المنطقة مما أصبح يهدد المنطقة بأسرها والأمن والسلم الدوليين
2ـ حماية الشرعية في اليمن وردع الهجوم على بقية المناطق اليمنية
3ـ إزالة التهديد على أمن المملكة العربية السعودية والدول المجاورة , خاصةً الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية التي استولت عليها الميليشيات الحوثية والقوات الموالية لعلي عبدالله صالح من القواعد العسكرية للجيش وقامت باستخدامها أو هددت باستخدامها ضد أبناء الشعب اليمني.
4ـ العمل على مكافحة خطر التنظيمات الإرهابية.
5ـ التهيئة لاستئناف العملية السياسية وفقاً للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل."

ولا يعرف لماذا تحفظ هادي فجأة، وهو يعدد نجاحات عاصفة الحزم، وأحجم عن الإشارة إلى إيران بالاسم، وفضل الإشارة إليها بالتلميح دون التصريح على أنها "قوى خارجية هدفها بسط هيمنتها على اليمن وجعله قاعدة لنفوذها على المنطقة مما أصبح يهدد المنطقة بأسرها والأمن والسلم الدوليين"، ومن الغريب أن يلبس هادي فجأة ثوب الوقار  رغم أن خطابه في الليلة السابقة  قد حرص وبشكل متكرر على إيراد اسم إيران وكأنه "الجوكر" الذي سيكسب به لعبة الحرب المميتة.  

أما ما ذكره البيان اقتباسا عن رسالة هادي كنجاح رقم (2) وهو "حماية الشرعية في اليمن وردع الهجوم على بقية المناطق اليمنية" فلا بد أنه قد أصاب هادي ذاته، والذي كان قد تم ردعه إلى الرياض، بالرعب عندما قرأه. ولا بأس من الإشارة العابرة إلى ما ورد في البند الثالث حول "إزالة التهديد على أمن المملكة العربية السعودية والدول المجاورة ، خاصةً الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية التي استولت عليها الميليشيات الحوثية والقوات الموالية لعلي عبدالله صالح من القواعد العسكرية للجيش وقامت باستخدامها أو هددت باستخدامها ضد أبناء الشعب اليمني" والذي من الواضح أن أوله يلعن آخره.  

الجمعة، 17 أغسطس 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(18)



لم ينس هادي في سياق خطابه أن يذكر السعوديين بالمناورات التي اجراها "الانقلابيون" كما اسماهم على حدود السعودية، وبقيامهم بإدخال اسلحة ومعدات ايرانية إلى اليمن. وبشر هادي اليمنيين بأنه قد عين بحاح، رفيق دربه في خيانة 22 يناير 2015،  نائبا للرئيس بالإضافة الى مهامه كرئيس للوزراء ليشارك في تحمل المسئولية الصعبة، وكأن اليمن ليس فيها سوى هادي وبحاح.  

ثم قرر هادي أن يطلق بيضة الديك ويصرح بالهدف الرئيسي لعاصفة الحزم الذي اغفلته وزارة الدفاع السعودية في بيانها، حيث قال:

"وفي هذا السياق فإنني أتقدم بإسمي ونيابة عن الشعب اليمني بخالص الشكر والتقدير والعرفان لأشقائنا العرب والمسلمين ولأصدقائنا في التحالف الاستثنائي الاستراتيجي ، تحالف دعم الشرعية ، الذين استجابوا لنداء اليمنين والتفوا حول مصلحة الشعب اليمني الباحث عن الحياة واستعادة دولته ، وهو الهدف الرئيسي لعاصفة الحزم الذي بدأت مرحلتها الثانية (مرحلة إعادة الامل)، وشكراً لكل الجهود المخلصة التي تقف مع الشعب اليمني في محنته وفي مقدمة تلك الجهود ، جهود اشقاءنا في المملكة العربية السعودية بقيادة أخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ال سعود الذي ظل على الدوام مسانداً لطموحات اليمنين في كل الميادين وفي مختلف المراحل."

ويتضح من الخطاب، الذي  جاءت حروفه بدون أي نقاط، أن هادي نفسه كان مغيبا عما يجري تماما، وغير مدرك لما يحدث داخل السعودية، وكل ما يعرفه هو أن عاصفة الحزم انتهت وبدأت عملية "إعادة الأمل"، وأنه ويا لهول الكارثة، ليس في بنود الأخيرة كما نشرتها وكالة الأنباء السعودية أي مكان للشرعية أو له شخصيا. وما يؤكد هذا التحليل هو ذلك المقطع الطويل في خطابه، الذي راح فيه هادي يزكي التحايا بعد التحايا لشعبه شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وكأنه قرر، بعد أن خذلته كل الأطراف وأصابته التطورات بحالة من القنوط،  البحث عن شعبه الذي لم يكن يعلم بوجوده من قبل ليحثه ويحرضه ويشجعه على المقاومة وبذل الروح والدم في سبيل عودة الدنبوع (لقب هادي) إلى اليمن حاكما مظفرا. 


وفي يوم 22 ابريل، نشرت الصحف السعودية بيانا مطولا نسب إلى التحالف العربي وحاول كاتبه، وإن بصياغة رديئة، وضع النقاط على الحروف، عن طريق الجمع بين ما ورد في بيان وزارة الدفاع السعودية،  وما نشرته وكالة الأنباء السعودية، وخطاب الرئيس هادي. وبدأ البيان كما جاء في النسخة التي نشرتها صحيفة اليوم السعودية على موقعها على النحو التالي:

"تؤكد دول التحالف على تأييدها لقرار مجلس الأمن رقم ( 2216) وحرصها على حماية الشعب اليمني ومكتسباته . وإيضاحاً لما سبق وأن أعلنت عنه دول التحالف عن انطلاق عملية عاصفة الحزم في بيانها الصادر بتاريخ 6 جمادى الآخرة 1436هـ الموافق 26 مارس 2015 وذلك استجابة لطلب فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية اليمنية ورداً على اعتداءات ميليشيات الحوثي والقوات الموالية لـ( علي عبدالله صالح) على الشعب اليمني ومكتسباته وشرعيته وتهديدها لأمن وسلامة دول المنطقة، تعلن دول التحالف أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية قد تلقى رسالة فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية اليمنية المؤرخة في 20 / 4 / 2015م والمتضمنة التوجه باسم الشعب اليمني بتقديم بالغ الشكر والتقدير والعرفان للمملكة العربية السعودية ولجميع الأشقاء في التحالف الداعم للشرعية ـ تحالف عملية عاصفة الحزم ـ عن الاستجابة الفورية لمناشدة فخامته بالتدخل العسكريفي اليمن لحماية الشعب اليمني من الأعمال العدوانية للميليشيات الحوثية ومن تحالف معهم ودعمهم داخلياً وخارجياً".

وكما يبين المقطع السابق من البيان المنسوب للتحالف،  فقد تذكر الجميع  في الوقت الضائع أن "عاصفة الحزم" بدأت برسالة "مزعومة" من هادي، وأن انتهائها وبدء "إعادة الأمل" لن يكون منطقيا إلا اذا جاء برسالة من هادي، غير أن هذه الطريقة في التفكير عن طريق القياس تليق بـ"الأطفال" وتجعلهم يبدون مضحكين في براءتهم، ولا تليق بتاتا بالكبار، بل وتجعلهم يبدون ساذجين ومغفلين. واذا كانت الرسالة المزعومة التي بدأت بموجبها الحرب يمكن قبولها على اعتبار انها ارسلت من عدن بينما كان هادي محاصرا ويتعرض للقصف، فإنه يصعب قبول فكرة أن هادي الذي يقيم في مدينة الرياض سيقرر بدلا من أن يطلب اللقاء بالملك أن يبعث له برسالة.

ضف إلى ذلك أنه على افتراض أن رسالة مثل تلك قد وجدت بالفعل، فإنه يصعب تفسير سبب اغفالها وعدم الاشارة اليها في بيان وزارة الدفاع السعودية أو في تلفيقات الخبراء الأمريكيين بشأن مهام المرحلة القادمة، أو في بقبقة هادي المطولة مساء الـ21 من فبراير 2015.


الخميس، 16 أغسطس 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(17)



بعد صدور بيان وزارة الدفاع السعودية بقليل، نُسب إلى "التحالف العربي" قوله في بيان لم يتم نشر نصه، أن عمليات "عاصفة الحزم" انتهت بتحقيق أهدافها، وانه سيتم بدء مرحلة جديدة أطلق عليها عملية "إعادة الأمل."

وللإجابة على سؤال المليار دولار حول الفرق بين "عاصفة الحزم" و "إعادة الأمل"، ذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الأخيرة تتضمن: 1) سرعة استئناف العملية السياسية وفق قرار مجلس الأمن رقم 2216, والمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل؛ 2) استمرار حماية المدنيين؛ 3) استمرار مكافحة الإرهاب؛ 4) الاستمرار في تيسير إجلاء الرعايا الأجانب وتكثيف المساعدة الإغاثية والطبية للشعب اليمني في المناطق المتضررة وإفساح المجال للجهود الدولية لتقديم المساعدات الإنسانية؛ 5) التصدي للتحركات والعمليات العسكرية للميليشيات الحوثية ومن تحالف معها ، وعدم تمكينها من استخدام الأسلحة المنهوبة من المعسكرات أو المهربة من الخارج؛ 6) إيجاد تعاون دولي  من خلال البناء على الجهود المستمرة للحلفاء لمنع وصول الأسلحة جواً وبحراً إلى الميليشيات الحوثية وحليفهم علي عبدالله صالح من خلال المراقبة والتفتيش الدقيقين. 



وانتقل الارتباك من دوائر صنع القرار داخل  الأسرة السعودية الحاكمة إلى المحللين في  القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية، وهم يعملون جاهدين في ظل غياب أي تعليمات، على التعريف بالمرحلة القادمة ورسم خط فاصل بين طبيعة وأهداف العمليات العسكرية القديمة التي كان يطلق عليها "عاصفة الحزم" وطبيعة وأهداف العمليات الجديدة التي تسمى "إعادة الأمل."

وأتسع الارتباك ليشمل مسألة الدور الذي يفترض أن يلعبه الحرس الوطني في عمليات "إعادة الأمل"  وظهر واضحا أن هناك انقساما بين المحللين الاستراتيجيين. فقد ذهب فريق إلى أن الحرس الوطني تشكيل عسكري شأنه شأن التشكيلات الأخرى ويمكنه بالتالي، بحسب ما يراه الملك باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن يشارك في العمليات الداخلية (الأمنية) والعمليات الخارجية (العسكرية) بينما رأى فريق آخر أن مهام الحرس الوطني هي مهام داخلية بما قد تنطوي عليه تلك المهام من لعب أدوار دفاعية.

وأتفق بيان وزارة الدفاع السعودية، وبيان التحالف العربي (وزارة الدفاع السعودية بعد لبس القناع)، والتفسير الذي قدمته وكالة الأنباء السعودية، في إغفال دور إيران من جهة، والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي يمثل كما قيل الشرعية، في كل هذه المعمعة.

بدا ليلتها، وكأن السعودية والتحالف قد قرروا كشف أوراقهم للجميع والإعلان صراحة أن الحرب لا علاقة لها بالشرعية، ولا بإعادة هادي إلى السلطة، وأن هدفها الذي أسيء فهمه "إعادة الأمل" لليمنيين، ولا يمكن أن يكون لإيران أو لهادي أي دور طالما والحديث يدور عن "إعادة الأمل"، الذي خرج ولم يعد.  

وانتظر اليمنيون طويلا خطاب هادي، الذي سيضع النقاط على الحروف، فيما يتصل بالدراما التي تتكشف فصولها لحظة بلحظة. أما الرئيس هادي الذي ترك في الظلام، فقد ظل يتابع مثله مثل أي يمني مغترب في السعودية، أو مقيم في اليمن التطورات عبر وسائل الإعلام، لكنه نجح في النهاية في توجيه خطاب شديد التنميق وهو ما يفعله عندما  يبلغ الإفلاس عنده ذروته. 

بدأ هادي خطابه الطويل نسبيا، والذي لم تتعامل معه وسائل إعلام التحالف سوى بعد نوم معظم المستقبلين، أو في اليوم التالي، بسرد قصة هروبه من عدن مع صياغة جديدة لتلك القصة. فقد تحول الهروب مثلا إلى "خروج"، وعد "الخروج"، وليس البقاء في عدن، محفوفا بالصعاب والمخاطر. وقد تجشم هادي كل ذلك العناء كما قال  "حتى لا تغيب اليمن عن لقاء الأشقاء" و "لأنقل لإخواننا وأشقائنا في مؤتمر القمة العربية السادس والعشرون تلك المعاناة القاسية." وللإنسان أن يتخيل، وهو يشاهد أو يستمع أو يقرأ خطاب هادي، مقدار "المعاناة" التي تكبدها الرجل، في سبيل "نقل تلك المعاناة لإخوانه وأشقائه في مؤتمر القمة." وحتى لا يظن اليمنيون بهادي الظنون، فقد سارع إلى طمأنة شعبه الذي لم يكن هناك ما يشغله لحظتها سوى مشاركة بلاده في القمة العربية، بأن اليمن شاركت في القمة العربية "بصورةٍ تليق بتضحيات شعبها الصابر والمرابط والمقاوم"، وهو ما فهم عند الناس بأن هادي لم ينم خلال جلسة أو جلسات القمة.

وعلى العكس من السعوديين الذين شغلتهم خلافاتهم عن الاحتفاظ بوقار الخطاب وتماسكه، فقد عمل هادي من خلال خطابه، وفي أكثر من موضع، على تذكير التحالف بخيال المآتة الإيراني، وبقرارات القمة العربية بشأن اليمن، وبهدف إعادة الشرعية الذي قامت الحرب من اجله. وفي الوقت الذي شن فيه هجوما عنيفا على الحوثيين وصالح، فإنه أيضا عمل على تخويف اليمنيين بالحديث عن اتفاق سياسي وروحي بين إطراف الانقلاب لتقاسم السلطة سياسيا وروحيا، في إشارة إلى النموذج الإيراني في النظام السياسي.

الأربعاء، 15 أغسطس 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(16)



يمكن لأي محلل أن يلاحظ بسهولة على البيان المهزوز والمرتبك الصادر عن وزارة الدفاع السعودية مساء الـ21 من ابريل 2015 (انظر نهاية الحلقة 15) ما يلي:

اولا، يذكر البيان أن القوات المسلحة السعودية شاركت بكل كفاءة واقتدار في عملية "عاصفة الحزم" وأدت ولله الحمد إلى فرض السيطرة الجوية لمنع أي اعتداء ضد ( المملكة ) ودول المنطقة. وليس من الواضح كيف فرضت القوات المسلحة السعودية "السيطرة الجوية"، ولا كيف يمكن للسيطرة الجوية أن تمنع أي اعتداء ضد المملكة ودول المنطقة، ولا من هي دول المنطقة التي كانت تتعرض للتهديد. 



وما يحسب للبيان، في هذا الموضع قوله "أن القوات المسلحة السعودية شاركت" وهذا التعبير بحد ذاته يؤكد أن المنفذ للضربات الجوية ليس قوات سعودية أو طيارين سعوديين، ويفتح بالتالي نافذة من الضوء على الجوانب المظلمة للحرب الجوية، وعلى الأطراف التي قامت وما زالت تقوم بتنفيذها. ويمكن الافتراض بدرجة عالية من اليقين أن القوات المسلحة السعودية (القوات الجوية) لم تشارك في العمليات أساسا وأن القوات التي نفذت الضربات الجوية لم تفرض أي سيطرة جوية تمكنها من منع قوات الحوثيين وصالح من تنفيذ اعتداءات ضد السعودية.

ثانيا، أعاد البيان صياغة الجملة الأولى مرة أخرى، فذكر هذه المرة  أن "الطلعات الجوية التي شارك فيها صقورنا البواسل مع أشقائهم في دول التحالف (تمكنت) بنجاح من إزالة التهديد على أمن المملكة العربية السعودية والدول المجاورة من خلال تدمير الاسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية التي استولت عليها الميليشيات الحوثية والقوات الموالية ل ( علي عبدالله صالح ) من قواعد ومعسكرات الجيش اليمني." والصيغة الجديدة، ولا يعرف لماذا التكرار في بيان يتكون اساسا من ثلاث جمل، أن العمليات الجوية "تمكنت بنجاح من ازالة التهديد" على أمن المملكة والدول المجاورة، مضلل إلى ابعد حد ممكن كما أثبتت التطورات اللاحقة.

ثالثا، رغم الحديث منذ بدء العدوان على اليمن عن تحالف وقيادة للتحالف، فقد أعطت وزارة الدفاع السعودية نفسها حق إعلان النجاح وازالة التهديد بينما كان يفترض على الأقل من باب حفظ ماء الوجه للدول الأخرى، أن يأتي اعلان مثل هذا من قيادة، ولو مزعومة، للتحالف.

رابعا، جاءت الجملة الثالثة والأخيرة في البيان لتدعو لخادم الحرمين ولتؤكد أنه "القائد الأعلى لكافة القوات العسكرية" وهذا التأكيد يذكر بالصراع الدائر بين وزير الدفاع ووزير الحرس الوطني والأخير لا تتبع قواته لوزارة الدفاع، ولا تندرج تحت ما أطلق عليه البيان في بدايته اسم "القوات المسلحة السعودية." وبدا وكأن سلمان قد أكتسب لقبا جديدا اقتضته الظروف وهو "القائد العام لكافة القوات العسكرية."

خامسا، لم يشر البيان إلى ايران من قريب أو بعيد، وهو ما يدل على حجم الاستلاب الذي تعرض له القرار السيادي السعودي في العهد الجديد.

سادسا، لم يشر البيان إلى الشرعية في اليمن التي قيل منذ البداية أن هدف الحرب هو إعادتها إلى السلطة.

وإذا كان غموض الاعلان الصادر عن وزارة الدفاع السعودية غير كاف بحد ذاته، فقد زاد الطين بلة انه تم تداوله بصيغ مختلفة في وسائل الاعلام السعودية، الأمر الذي فهم منه أن الخلافات بين وزيري الدفاع والحرس الوطني كانت مستمرة، وأن المواقف تتغير بين لحظة وأخرى.