الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(32)



حضر القمة الخليجية-الأمريكية من قادة دول الخليج كل من أمير قطر وأمير الكويت، وهما دولتان تشعران بالقلق من سياسات السعودية، في ظل حكم سلمان، أكثر مما تشعران بالقلق من امتلاك إيران للسلاح النووي. وأرسلت سلطنة عمان التي كانت قد لعبت دورا هاما في الوساطة بين إيران ودول الـ5+1 خلال المراحل الأولية من المفاوضات (عقدت في مارس 2013) ممثلا عن السلطان الذي لا تسمح له حالته الصحية بالحضور، ولم تكن السلطنة على أي حال بحاجة إلى أي طمأنة فيما يتصل بإيران، وإذا كان قد ساورها أي نوع من القلق، فإنه قد اتصل باحتمال أن  يحاول السعوديون الانتقام منها بسبب دور الوساطة الذي لعبته.   

ومثّل الإمارات في القمة، بدلا عن رئيسها الشيخ خليفة بن زايد الذي يعاني من متاعب صحية، ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد الذي يرى أن الإخوان المسلمين، الذين لا يحتلون أي من جزر بلاده، أكثر خطرا على الإمارات من امتلاك إيران، التي تحتل ثلاثا من جزر الإمارات، للسلاح النووي.   أما أمير البحرين، والذي يعد الأكثر عداء لإيران، وإن كان الأقل تأثيرا في مجرى الأحداث، فقد اختار ولي عهده سلمان بن حمد  ليحضر بدلا عنه.  وكان أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج من ضمن المشاركين أيضا.       



وفي اليوم ذاته الذي أقر فيه مجلس النواب الأمريكي مشروع القانون الذي يعطي الكونجرس بمجلسيه حق مراجعة أي اتفاق تتوصل إليه إدارة اوباما مع إيران، وهو 14 مايو 2015، صدر البيان الختامي عن قمة "كامب ديفيد" الخليجية-الأمريكية.  وقد بدأ البيان، بحسب النسخة التي نشرتها صحيفة الشرق الأوسط السعودية التي تصدر من لندن في 16 مايو، على النحو التالي:

"اجتمع مساء أمس في كامب ديفيد ممثلو دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمين العام لمجلس التعاون، مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما وأعضاء حكومته، بهدف تأكيد وتوطيد الشراكة القوية والتعاون بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون. وأكد القادة على التزامهم المشترك حيال شراكة إستراتيجية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون، لبناء علاقات أوثق في كافة المجالات، بما فيها التعاون في المجالين الدفاعي والأمني، ووضع حلول جماعية للقضايا الإقليمية، وذلك لتعزيز اهتمامهم المشترك في الاستقرار والازدهار."

ويفهم من المقطع الأول من البيان أن قمة اليومين قد تحولت إلى مجرد لقاء مسائي عقد في اليوم السابق على صدور البيان (13 مايو) بحسب النسخة العربية من البيان، بينما عقد بحسب النسخة الانجليزية من البيان المنشورة على موقع البيت الأبيض، يوم 14 مايو.  

وبعد إيراد جملتين إنشائيتين يخلص البيان إلى القول:         

"إن الولايات المتحدة على استعداد للعمل سويا مع دول مجلس التعاون لردع والتصدي لأي تهديد خارجي يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة لسلامة أراضي أي من دول مجلس التعاون، وفي حال وقوع مثل هذا العدوان أو التهديد به، فان الولايات المتحدة على استعداد للعمل على وجه السرعة مع شركائها في مجلس التعاون لتحديد الإجراء المناسب الواجب اتخاذه باستخدام كافة السبل المتاحة، بما في ذلك إمكانية استخدام القوة العسكرية، للدفاع عن شركائها في مجلس التعاون.
وكما حدث في عملية (عاصفة الحزم)، فإن دول مجلس التعاون ستقوم بالتشاور مع الولايات المتحدة عند التخطيط لعمل عسكري خارج حدودها، خاصة عند طلبها لمساعدة الولايات المتحدة فيه.
وبهذه الروح، وانطلاقاً من مبادئ (منتدى التعاون الاستراتيجي) بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون، بحث القادة تأسيس شراكة إستراتيجية جديدة بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون، لتعزيز عملهم الهادف إلى تحسين التعاون الدفاعي والأمني، خاصة فيما يتعلق بسرعة الإمداد بالأسلحة، ومكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والأمن الإلكتروني، والدفاع ضد الصواريخ الباليستية".

ولا تخلو الإشارة التي وردت في المقطع السابق إلى عملية "عاصفة الحزم" من دلالة تتجاوز معاني الكلمات التي وظفت لتوليد المعنى، وإن كانت تبعث على القلق أكثر من الطمأنينة. فالحالة اليمنية تعني، عندما تستخدم كنموذج، أن ترهن الدول الخليجية سيادتها للأمريكيين خلال مراحل التخطيط والتنفيذ لعملية عسكرية، وأن يتم امتصاص مواردها وقدراتها لعقود، وأن يظل نظامها قريبا من الحافة معتمدا في بقائه أو زواله على القشة الأمريكية التي يتعلق بها كما هو عليه حال السعودية والامارات اليوم.

ويمضي البيان، فيؤكد على ما يلي:

"تعارض الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون وستعمل معا للتصدي لأي أنشطة إيرانية تزعزع الاستقرار في المنطقة ، وتشدد على ضرورة أن تتعاون إيران في المنطقة وفقا لمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سلامة الأراضي بما يتفق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وضرورة أن تقوم إيران باتخاذ خطوات فعلية وعملية لبناء الثقة وحل النزاعات مع جيرانها بالطرق السلمية."

والمقطع السابق يشبه النصيحة الأخلاقية التي يلقيها الناس على بعضهم دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء إتباعها، وكان يمكن أن يكون لتلك النصيحة معنى في حالة واحدة فقط هي جعل التفاوض حول الدور الإقليمي الذي تلعبه إيران في المنطقة جزءا من التفاوض على البرنامج النووي الإيراني، لكن مثل هذا الأمر الذي ليس من السهل أن تقبل به إيران، لم يكن أيضا ليخدم توجه أوباما.   

ولا يمكن بالطبع لبيان يصدر عن قمة خليجية-أمريكية أن  يكتفي بذكر إيران بشكل عابر دون أن يعطيها شيئا ما يلين مواقفها على مائدة التفاوض، ولذلك فقد نص البيان على ما يلي:

"بحث القادة أفضل السبل لمعالجة الصراعات الإقليمية والتخفيف من حدة التوترات المتنامية، وفي هذا السياق بحث القادة أكثر الصراعات حدة في المنطقة، بما فيها سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وما يمكن القيام به لحلها، واتفقوا على مجموعة من المبادئ ، بما فيها الإدراك المشترك بأنه ليس هناك من حل عسكري للصراعات الأهلية المسلحة في المنطقة، والتي لا يمكن حلها إلا عبر السبل السياسية والسلمية، واحترام سيادة كافة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والحاجة لوجود حكومة تشمل كافة المكونات في المجتمعات التي تعاني من مثل هذه الصراعات، وكذلك حماية جميع الأقليات وحقوق الإنسان.
في الشأن اليمني، شددت دول مجلس التعاون والولايات المتحدة على ضرورة بذل جهود جماعية لمواجهة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ، مؤكدين على الحاجة للانتقال السريع من العمليات العسكرية إلى العملية السياسية من خلال مؤتمر الرياض تحت رعاية مجلس التعاون، ومفاوضات تشرف عليها الأمم المتحدة على أساس المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأخذاً بالاعتبار الاحتياجات الإنسانية للمدنيين، رحب الجانبان ببدء الهدنة الإنسانية لمدة خمسة أيام لتسهيل توصيل مساعدات الإغاثة لكافة المحتاجين، وعبروا عن الأمل بأن تتطور الهدنة لوقف إطلاق نار مستدام لمدة أطول. وأعرب الجانبان عن تقديرهما للمنحة السخية البالغة 274 مليون دولار التي قدمتها المملكة العربية السعودية لمتطلبات الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن. وأكدت الولايات المتحدة مجددا التزامها، بالشراكة مع دول مجلس التعاون وغيرها من أعضاء المجتمع الدولي، بالسعي لمنع تزويد قوات الحوثيين وحلفائهم بالأسلحة والذي يتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 2216."

واتفق الطرفان كما ورد في نهاية البيان على عقد اجتماعهم الثاني في عام 2016 "بهدف التقدم والبناء على الشراكة الإستراتيجية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة الأمريكية التي تم الإعلان عنها اليوم."

وما يفهم من البيان الذي لا يساوي في قيمته السياسية ثمن الحبر الذي كتب به، ومن التناقض بين النسختين العربية والإنجليزية في بعض المواضع، هو أن الخلافات بين الطرفين (أمريكا والسعودية بشكل أساسي) قد وصلت  في العام السابع من رئاسة أوباما إلى درجة غير مسبوقة من التدهور، وإن حرص الطرفان على إظهار العكس.

السبت، 29 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(31)



استمات أوباما، الذي آمن منذ وقت مبكر إن الخطر الذي يهدد الخليجيين ليس  "التعرض لهجوم من إيران" بل "سخط الشباب" داخل دولهم،  في الضغط على الملك سلمان لحضور قمة "كامب ديفيد" إمعانا منه في تحدي واهانة خصومه الجمهوريين، والمحسوبين عليهم.  وعلى الرغم من أن "أصحاب الجلالة والسمو" من حكام الخليج، قد عبروا في البيان الصادر عن القمة التشاورية الخليجية التي عقدت في 5 مايو "عن تطلعهم للقاء فخامة الرئيس الأميركي باراك أوباما في 13 و14" مايو، إلا أن اوباما لم يكن ليأخذ بتلك العبارة على عواهنها.

وحتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أرسل أوباما في 7 مايو، وزير خارجيته جون كيري إلى الرياض لاستبطان النوايا،  ولإقناع السعوديين بإعلان هدنة إنسانية لمدة 5 أيام في الحرب التي تشن على اليمن يتم خلالها إيقاف إطلاق النار والسماح لمنظمات الإغاثة بالوصول إلى مختلف مناطق اليمن، وعلى أن يتزامن بدء الهدنة مع انعقاد القمة الخليجية الأمريكية.  كان كيري نفسه واحدا من أهم اللاعبين، إن لم يكن اللعب الأهم على الإطلاق، في المفاوضات الجارية بين إيران والـ5+1، رغم ما كان قد أثير إعلاميا بشأن علاقة النسب التي تربطه بالإيرانيين، حيث أن ابنته الطبيبة فانيسا متزوجة من جراح دماغ أمريكي مولود لأبوين إيرانيين.

     

وأكد السعوديون لكيري في يوم الزيارة، كما ذهبت تسريبات البيت الأبيض، أن الملك سيحضر "كامب ديفيد." وفي 9 مايو، استضاف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مستغلا الدفء الذي تشهده العلاقات الخليجية الفرنسية، اجتماعا في باريس لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لمناقشة المفاوضات مع إيران والقمة الخليجية الأمريكية في كامب ديفيد.   ومن جديد، أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لكيري، على هامش الاجتماع، أن الملك سيترأس وفد المملكة إلى القمة.

لكن السعوديين فجأة اخطروا الأمريكيين في مساء اليوم ذاته (9 مايو) وفق التسريبات الأمريكية،  بأن هناك احتمال بأن تتغير خطط الملك بالنسبة لحضور القمة.  وفي 10 مايو، ابلغ السعوديون الأمريكيين رسميا بأن الملك لن يحضر قمة كامب ديفيد وأنه سينيب عنه ولي العهد-وزير الداخلية محمد بن نايف (ابن شقيق الملك)، وولي ولي العهد -وزير الدفاع محمد بن سلمان (نجل الملك).  وبرر غياب الملك من قبل السعوديين بانشغاله بالهدنة الإنسانية في اليمن، وبإجراءات افتتاح مركز الملك سلمان للإغاثة.

ويبدو أن إعلان البيت الأبيض في يوم الجمعة 8 مايو عن قمة ثنائية ستعقد بين الرئيس الأمريكي والعاهل السعودي على هامش قمة "كامب ديفيد" قد ساهم على الأقل جزئيا في تغيير رأي الملك، إذ ربما رأى، في ظل الوضع الصعب الذي وجد نفسه فيه، أن اوباما يدفع بالأمور إلى ابعد مما يمكن احتماله. ففي حين تعارض السعودية أي اتفاق مع إيران بنفس القدر الذي تعارض به إسرائيل مثل ذلك الاتفاق، وكذلك بنفس القدر الذي يعارض به حلفاؤها الجمهوريون في الكونجرس الاتفاق، فقد كان للملك سلمان طريقته المختلفة في التعامل مع الرئيس الأمريكي، ولا تنبع تلك الطريقة من النظام الأخلاقي أو البروتوكولي الذي يلتزم به ملك السعودية كما حاولت التسريبات الصحفية الصادرة عن البلاط السعودي الإيحاء لاحقا، ولكن لأن الملك لم يكن يستطع في سنته الأولى في الحكم خوض مواجهة مع اوباما كما يفعل رئيس الوزراء الإسرائيلي، أو الجمهوريون في الكونجرس.

وفي حين كان اوباما يضغط على الملك سلمان لحضور قمة "كامب ديفيد" والمشاركة في استعراض يظهر وجود درجة عالية من الانسجام والوحدة والتوافق بين السعودية وإدارة اوباما بشأن  السياسة الأمريكية تجاه إيران، كان حلفاء السعودية في الكونجرس يطالبونها بمواقف أكثر قوة وتشددا في معارضتها للاتفاق، ولا يخلو إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية 98 مقابل 1 لمشروع قانون يلزم إدارة اوباما بعرض أي اتفاق تبرمه مع إيران على الكونجرس للمراجعة في اليوم ذاته الذي كان فيه وزير الخارجية الأمريكي كيري يزور السعودية (7 مايو) من رسالة ما في هذا الجانب.    

بالنسبة للرئيس اوباما، فإن عدم حضور الملك سلمان كان يعني بأن الشخص الذي يقوم بالدور الرئيس في المسرحية التي كان يقوم بإخراجها لن يحضر، ولم يكن ذلك مؤشرا جيدا غير أن ذلك ما كان ليعني تأجيل أو إلغاء القمة. فبالنسبة لأوباما، وقياسا على الطريقة التي يفكر بها، فإن "قمة بتمثيل منخفض أو حتى فاشلة، أفضل من عدم عقد القمة نهائيا."    

وسارع مسئولون أمريكيون وسعوديون، نقلت عنهم وكالة رويترز يوم 10 مايو دون ان تسميهم، إلى التأكيد أن درجة التوتر بين الرياض وواشنطن  تبلغ  "صفر"، وان السعودية ودول الخليج الأخرى سعيدة بالمواقف الأمريكية، وأن عدم حضور الملك لا يتضمن أي رسالة، ولا يحمل أي ازدراء للرئيس أوباما كما كانت قد تكهنت بعض الصحف مثل النيويورك تايمز. أما عن أسباب غياب الملك عن القمة، فقد ذكر أولئك المسئولين، أن الطبيعة الفنية للنقاشات التي ستدور في "كامب ديفيد" جعلت  الملك يعتقد أن ولي العهد، وولي ولي العهد مستعدين بشكل أفضل للتعاطي مع تلك الأمور. وربما رأى الأمريكيون أن هذا العذر أكثر ملائمة للعقلية الأمريكية من عذر الانشغال بالهدنة الإنسانية.    

وفي وقت متأخر من مساء الـ10 من مايو 2015، أعلنت القوات الملكية المغربية المسلحة أن إحدى طائراتها المشاركة في العمليات التي تقودها السعودية في اليمن، وهي من طراز اف 16 (أمريكية الصنع)، فقدت خلال مهمة كانت تنفذها في اليمن. وتبين لاحقا أن الطائرة، وفي حادث عد الأول من نوعه منذ بداية عمليات القصف الجوي في 26 مارس 2015، سقطت في وادي النشور بمحافظة صعدة اليمنية.

وبينما أعلن التحالف عن فقدان قائد الطائرة المغربي ياسين بحتي البالغ من العمر 26 عاما، تبين بعد ذلك أنه لقي مصرعه، ليكون بذلك أول طيار يلقى حتفه في العمليات، وأن الحوثيين عثروا على جثمانه غير بعيد عن المكان الذي سقطت فيه الطائرة.  واختلفت الروايات حول أسباب سقوط الطائرة. ففي حين ذكرت قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين أن رجال قبائل اسقطوا الطائرة بمضادات الطائرات، أكد المتحدث باسم التحالف سيء السمعة احمد عسيري أن سقوط الطائرة يعود إما إلى خلل فني، أو بسبب خطأ بشري، وأنها بالتأكيد، حسب قوله، لم تتعرض للإسقاط.  

الخميس، 27 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية... (30)



اكتسب اللقاء ألتشاوري الخامس عشر لدول مجلس التعاون الخليجي والذي عقد في مدينة الرياض في 5 مايو 2015 أهمية استثنائية مقارنة بالقمم واللقاءات التشاورية السابقة عليه وذلك للأسباب التالية:

أولا، أنه أول قمة تعقد منذ قررت خمس من دول مجلس التعاون لدول الخليج، بالتحالف مع دول عربية أخرى،  التدخل العسكري في اليمن لصالح ما سمي بـ"الشرعية."

ثانيا، أنه  عقد في ظل دخول المفاوضات بين إيران والـ5+1  بشأن البرنامج النووي للأولى مراحلها الأخيرة بعد أن كانت الأطراف قد توصلت إلى الاتفاق الإطاري في الـ2 من ابريل 2015.

ثالثا، أن  اللقاء عقد قبل أسبوع واحد فقط من القمة الخليجية الأمريكية المرتقبة التي دعا إليها الرئيس أوباما في "كامب ديفيد"، وقبل أسبوع واحد فقط كذلك من إقرار المشرعين الأمريكيين لقانون يعطي الكونجرس بمجلسيه حق مراجعة أي اتفاق تعقده إدارة أوباما مع إيران عبر آلية الـ5+1.

رابعا، أن ما ستبلوره القمة من مواقف كان يحظى بترقب كبير من طرفي المعادلة الأمريكية (الرئيس والكونجرس) ومن المجتمع الدولي نظرا لتأثيراته المحتملة على مستقبل المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي.

خامسا، أن اللقاء عد أول قمة خليجية تعقد بحضور رئيس غربي هو الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والذي من المؤكد أنه ما كان ليحضر لولا الأهمية الكبيرة والحساسية البالغة للموضوعات محل النقاش. 



وتجلت تلك الأهمية الاستثنائية للقمة من خلال الضغوط العسكرية التي مارسها الحوثيون والرئيس السابق المتهمون بموالاة إيران على السعودية خلال الثلث الأول من شهر مايو بشكل عام، وفي يوم عقد القمة، بشكل خاص، كما سبق الإشارة.       
 
وعقد  اللقاء التشاوري في الرياض، وبحضور الرئيس الفرنسي، كما كان مخططا،  وخرج ببيان ختامي مطول جاء فيه، بالنسبة لحضور الرئيس الفرنسي والقمة الخليجية الأمريكية المرتقبة، ما يلي:

"(...) رحب أصحاب الجلالة والسمو بمشاركة فخامة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في هذا اللقاء التشاوري، مشيدين بالتنسيق والتعاون القائم مع الجمهورية الفرنسية وتطابق الرؤى في القضايا المهمة في المنطقة والعالم. وعبر أصحاب الجلالة والسمو عن تطلعهم للقاء فخامة الرئيس الأميركي باراك أوباما في 13و14 من الشهر الجاري في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن تسهم المباحثات في تعزيز العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل التطورات والأحداث الجارية وبما يعزز أمن واستقرار المنطقة."

وفيما يتصل بموضوع الساعة وهو المفاوضات الجارية بين إيران والـ5+1، بشأن البرنامج النووي الإيراني، أورد البيان ما يلي:

"وأكد أصحاب الجلالة والسمو حرص دول مجلس التعاون على بناء علاقات متوازنة مع جمهورية إيران الإسلامية تسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها وعبروا عن تطلعهم إلى تأسيس علاقات طبيعية معها قوامها احترام أسس ومبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول واتخاذ خطوات جادة من شأنها إعادة بناء الثقة والتمسك بمبادئ القانون الدولي والأمم المتحدة التي تقوم على حسن الجوار وتمنع التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها.
وعبر أصحاب الجلالة والسمو عن أملهم في أن يؤدي الاتفاق الإطاري المبدئي الذي تم التوصل إليه بين إيران ومجموعة 5+1 إلى اتفاق نهائي شامل يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني، وطالبوا بأن يضمن الاتفاق انسجام هذا البرنامج مع جميع المعايير الدولية بما في ذلك المعايير المتعلقة بأمن وسلامة المنشآت النووية والإشراف الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية عليها ومعالجة جميع المشاغل والتداعيات البيئية للبرنامج النووي الإيراني."

ورغم أن الجزء الأكبر من البيان الختامي خصص لما اسمي بـ"قضية اليمن" إلا أنه لوحظ أن هذا الجزء لم يتضمن أي إشارة إلى إيران خيرا أو شرا ، وهو ما يعني أن قادة الخليج كانوا يمشون على الحبل المشدود الذي وضعه لهم اوباما، وكلف الرئيس الفرنسي هولند بمراقبته، دون أن يحيدوا عنه قيد أنملة.

ويمكن اعتبار  البيان الصادر عن اللقاء التشاوري الخامس عشر للقادة الخليجيين انتصارا كبيرا لإدارة اوباما. فقد حصل الرئيس الأمريكي، بفضل الدور الفرنسي والضغوط العسكرية لليمنيين المدعومين من ايران، على ما أراده من تأييد خليجي خالص لا تشوبه شائبة، وحرم في الوقت ذاته خصومه في الكونجرس من الحصول على أي مادة يمكنهم استخدامها ضده أو ضد إيران، أو ضد المفاوضات الجارية.  

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(29)



مع دخول شهر مايو 2015، كان السعوديون والخليجيون عموما يتطلعون إلى عقد قمتين هامتين خلال اسبوعين: الأولى خليجية، وهي اللقاء ألتشاوري الخامس عشر لقادة دول مجلس التعاون، وقد حدد لها الـ5 من مايو؛  والثانية دولية، وهي القمة الخليجية الأمريكية في "كامب ديفيد"، وقد حدد لعقدها يومي الـ13، والـ14 من مايو. وكان الموضوع الأساسي والجوهري للقمتين هو المفاوضات التي تجريها دول الـ5+1 بشأن البرنامج النووي الإيراني.   

وقد عانى السعوديون كثيرا، على غير توقع، خلال الثلث الأول من شهر مايو 2015. فبعد خمسة أسابيع من قصف الطائرات الأمريكية المكثف للقوات الموالية للحوثيين والرئيس اليمني السابق، والذين تتهمهم السعودية بالعمل كوكلاء لإيران، ولليمن واليمنيين عموما، وجد السعوديون أنفسهم مع دخول شهر مايو يخوضون حربا مختلفة. ففي اليوم الأول من مايو، شن "رجال القبائل اليمنية"، وهو الاسم الحركي الذي اتخذته قوات الحوثيين والرئيس السابق في بداية المواجهات المباشرة مع السعوديين، أول هجوم رئيسي لهم على حدود السعودية. واقر السعوديون بوقوع الهجوم، وأعلنوا أنهم قتلوا العشرات من المهاجمين دون أن يذكروا شيئا عن خسائرهم البشرية والمادية. 

وفي 5 مايو، يوم انعقاد اللقاء التشاوري، هاجم "رجال القبائل اليمنية" نجران وجيزان بقذائف المورتارز وصواريخ الكاتيوشا مما أدى بحسب السعوديين إلى مقتل 5 أشخاص، فيما ذكرت وكالات أنباء أن 5 جنود سعوديين اسروا.  وتمكن الحوثيون والقوات الموالية للرئيس السابق في اليوم ذاته من السيطرة على مديرية التواهي بعدن، والتي تعد واحدة من أهم المديريات التي كانت ما زالت تحت سيطرة القوات الموالية "اسميا" لهادي، ويقع في نطاقها القصر الرئاسي، قناة عدن التلفزيونية الرسمية، فرع وكالة سبأ للأنباء، والمنطقة العسكرية الرابعة.   كما تمكن قناص في اليوم ذاته من قتل قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء علي ناصر هادي، والذي كان يحارب في صفوف الشرعية.

وقد فهم السعوديون كل تلك التطورات التي بدأت في الحدوث مع مطلع شهر مايو، وبلغت ذروتها في يوم 5 مايو على أنها رسالة تحد من إيران  للسعودية ذات علاقة بموقف الأخيرة من المفاوضات الجارية حول نووي إيران.

وجاء رد السعوديين كالعادة مرتبكا. ففي وقت مبكر من مساء الـ5 من مايو، ظهر رياض ياسين (عبدالله) القائم بأعمال وزير خارجية هادي (يعمل الآن سفيرا في فرنسا) في مؤتمر صحفي على الهواء مع عز الدين الأصبحي وزير حقوق الإنسان (يعمل الآن سفيرا في المغرب).  وعرض ياسين، خلال المؤتمر الصحفي، عددا من الصور لضحايا كوارث مختلفة حدثت حول العالم، مؤكدا أنها لأبناء مدينة عدن الذين تم استهدافهم من قبل قوات الحوثيين والرئيس السابق، أثناء فرارهم من المدينة على قوارب صيد، مما أدى إلى سقوط العشرات منهم بين قتيل وجريح. وبكى ياسين بحرقة، وهو يطالب مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة طارئة لإنقاذ مدينة عدن، ويتوسل دول التحالف القيام بعملية إنزال لقوات برية في المدينة.  أما الأصبحي، فقد ذهب أبعد من ذلك بكثير، وإن كان قد اخفق في ذرف الدموع، حيث طالب المجتمع الدولي بإنقاذ النساء في عدن مما يتعرضن له من اغتصاب.

وفي 6 مايو، قصفت الطائرات المحسوبة على التحالف، المحافظات اليمنية الواقعة على الحدود مع السعودية مما أدى، وفق تقديرات اعلامية، إلى مقتل 43 مدنيا. كما شنت غارات على مركز لتدريب الشرطة في مدينة ذمار مما أدى إلى مقتل 11 وجرح 18. وفي 8 مايو، أعلن التحالف، بكل غرور وغطرسة، وفي انتهاك لمبادئ القانون الإنساني الدولي، محافظة صعدة التي ينحدر منها الحوثيون وتقيم فيها قيادة الحركة، بكاملها منطقة حرب، ودعا جميع المدنيين في ذروة أزمة المشتقات النفطية إلى مغادرة المحافظة قبل السابعة مساء بالتوقيت المحلي.  وفي 9 مايو شنت طائرات تعمل تحت غطاء التحالف أكثر من 100 غارة على محافظات صعدة وحجة  مركزة بشكل أساسي على مديريات حرض، ميدي، وبكيل المير.

وفي  10 مايو 2015 ذكرت منظمات اغاثية دولية، كما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)،   أن 70 الف من سكان محافظة صعدة بينهم 28 ألف طفل نزحوا من المحافظة بعد قصف مكثف للمحافظة خلال ليلتين متتاليتين. ودانت 17 منظمة اغاثة، من بينها "اوكسفام"، "الإغاثة الإسلامية"، "أنقذوا الأطفال"، و"كير انترناشونال"، تصاعد حدة القصف.