الأحد، 14 يوليو 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 16)

في يوم الخميس الثالث من سبتمبر 2015، غادر الملك سلمان ونجله محمد ولي-ولي العهد وزير الدفاع المملكة المغربية حيث كان ملك السعودية يقضي أجازته السنوية متوجهين إلى الولايات المتحدة الأمريكية  في أول زيارة رسمية  يقوم بها الملك منذ توليه السلطة. وجاءت الزيارة بعد أن قام ملك السعودية بابعاد الكثير من المحسوبين على سلفه الملك عبد الله ومعظمهم كانوا مقربين من الإدارة الأمريكية.

وذكرت تقارير إعلامية نشرت قبل الزيارة وأثنائها بان الملك سلمان سيعقد لقاء قمة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما يتناول العديد من الملفات وفي مقدمتها  ملف الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسبل تفعيل مقررات قمة "كامب ديفيد" الأمريكية الخليجية التي  عقدت في مايو 2015، وتخلف الملك سلمان حينها عن حضورها، وملفات اليمن وسوريا والحرب على القاعدة وداعش.



وقد أستأجر السعوديون، كما ذكرت وسائل إعلامية فندق الفور سيزونز في جورج تاون (احد أحياء العاصمة الأمريكية واشنطن)، بالكامل قبل وصول الملك ليكون مقرا لأقامته، وأعادوا تجديد الديكور ونشروا السجاد الأحمر في كل مكان وأضفوا مسحة ذهبية على كل شيء بما في ذلك المرايا ومعالق القبعات.

وفي حين حرص أوباما على أن تتم زيارة الملك سلمان قبل أن يبدأ  الكونجرس في مناقشة الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه مع إيران، فقد ذكرت تقارير أن اوباما كان قد حشد بحلول الـ3 من سبتمبر 2015 دعم 38 عضوا في مجلس الشيوخ ما يعني أن تعبير السعوديين عن شكوكهم حول الاتفاق في الجلسات الخاصة أو العامة لم يعد يحمل الكثير من الأهمية.

وفي يوم الجمعة 4 سبتمبر 2015، وقبل ساعات فقط من استقبال الرئيس أوباما للملك سلمان ونجله محمد في البيت الأبيض لإقناعهم بأهمية الاتفاق النووي الذي أبرمته دول الخمسة زائدا واحد مع إيران، توالت الأنباء السيئة من أرض المعركة على ساكني فندق الفور سيزونز الواحد تلو الآخر.

مذبحة الإماراتيين

بدأ يوم الجمعة الـ4 من سبتمبر 2015 بإطلاق أطراف الداخل في اليمن صاروخا روسيا ارض-ارض من نوع توشكا على معسكر صافر بمحافظة مآرب والذي كان قد جهز حديثا لاستقبال قوات التحالف والقوات اليمنية الدائرة في فلكها، ويبدو أن الصاروخ قد أصاب مخزنا للأسلحة داخل المعسكر مما أدى إلى تفجرها. وقد قتل نتيجة ذلك العشرات من جنود حكومة المنفى ودول التحالف، واحرقت عشرات الآليات وعدد من طائرات الاباتشي.

وأعلنت رئاسة هيئة الأركان العامة في حكومة المنفى في البداية مقتل 33 جنديا يمنيا وإماراتيا في المعسكر نتيجة  انفجارات في مخزن للسلاح، فيما أعلنت الإمارات العربية المتحدة بشكل أولي مقتل 22 من جنودها بصاروخ ارض-ارض، ثم قامت بعد ذلك برفع عدد  القتلى إلى 44 جنديا، ولم تكن تلك هي الحصيلة النهائية. وكان مقتل أكثر من 50 جنديا إماراتيا يمثل أكبر صفعة تلقتها الإمارات في تاريخها، لكن مقتل ذلك العدد لم يحدث خللا سكانيا في النهاية، كما توقع البعض.

وفيما تضاربت الأنباء بشأن الكيفية التي قتل بها هذا العدد الكبير من الجنود، فقد سارع البرلمان العربي إلى نعي الجنود الإماراتيين الذين سقطوا في الهجوم في حين انه لم يكن حتى ذلك اليوم قد نعى الآلاف من المدنيين اليمنيين الذين قتلوا ظلما وعدوانا، وأتصل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بنظيره الإماراتي للتعزية، وكأن الجنود كانوا في رحلة سياحية إلى مدينة مآرب، وأعلن الأردن، بحكم علاقة النسب التي تجمعه بالإماراتيين، وقوفه إلى جانب الإمارات وتضامنه معها.  

وأعلنت الإمارات الحداد لمدة ثلاثة أيام، وأكدت أنها ستواصل ما وصفته بـ"دعم الشرعية" في اليمن رغم ما حدث، ومهما كان الثمن. وغرد محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي على تويتر قائلا "إن أبناء الإمارات ماضون في إزاحة الظلم والضيم عن إخوانهم في اليمن." وكان من الغريب أن يتحدث واحدا من عيال زايد عن إزاحة الظلم والضيم عن اليمنيين في حين أن تاريخهم كأسرة حاكمة يعج بالظلم والانتهاكات وباستغلال العمال الفقراء وقتلهم وتعذيبهم أحيانا حتى الموت.

لكن ما أعلنته الإمارات يومها شيء وما مارسته بعدها شيء آخر. فقد جاءت مذبحة الجنود الإماراتيين تحديدا في وقت كثر فيه الحديث عن خلافات سعودية إماراتية، ناهيك بالطبع عن خلافات الإمارات مع الإخوان المسلمين ومع دولة قطر. ولذلك أخذت الأطراف التي يفترض أنها تحارب في جبهة واحدة تتبادل التهم فيما بينها، وتلقي كل منها اللوم على الأخرى. وظن عيال زيد أن مقتل 50 من جنودهم يجعلهم أصحاب "مظلومية" ويعطيهم الحق في إدارة الأطراف اليمنية وخصوصا حكومة المنفى. ولما لم يبالي احد بتوقعاتهم، فقد شكوا في الجميع وحقدوا على الجميع بما في ذلك الرئيس اليمني السابق، وعملوا على الانتقام من الجميع.

وتؤكد مصادر أن محمد بن زايد اسر إلى بعض خلصائه بعد صعود بن سلمان إلى ولاية العهد أنه سيحول مدينة مآرب طال الزمن أو قصر إلى مقبرة للإخوان المسلمين في اليمن تماما مثلما حول حافظ الأسد مدينة "حماة" إلى مقبرة لإخوان سوريا في مطلع ثمانينيات القرن الماضي.   

مقتل سعوديين وبحرينيين

أعلنت أطراف الداخل اليمني في ذات اليوم القضاء على 16 من جنود العدو السعودي في كمين بالقرب من موقع مشعل الحدودي في السعودية. وقد أعلنت البحرين يومها مقتل 5 من جنودها على الحدود الجنوبية مع السعودية، بينما ذكرت إذاعة الرياض وبما يناقض الرواية البحرينية، بأن 5 من الجنود البحرينيين و10 من الجنود السعوديين قتلوا في محافظة مآرب اليمنية نتيجة، وهذا على خلاف الرواية الإماراتية، انفجار في مخزن للأسلحة يجري التحقيق في أسباب حدوثه. وأكدت الرواية البحرينية، التي من الواضح أنها كانت الرواية الصحيحة بحكم أن البحرين لم ترسل أي جنود إلى اليمن منذ بداية الحرب وحتى الآن، رواية أطراف الداخل بشأن الكمين الذي نفذوه بالقرب من موقع مشعل الحدودي.     

اقتحام الجعملاني
 
حققت قوات الجيش واللجان الشعبية (القوات الموالية لأطراف الداخل) في يوم 4 سبتمبر 2015 انتصارا ثالثا تمثل في اقتحام  معسكر الجعملاني في مديرية مكيراس بمحافظة البيضاء وإصابة واسر العديد من المقاتلين الموالين للتحالف. وقالت "وكالة يقين" التابعة للحوثيين (أنصار الله) أنه تم قتل 30 ممن وصفتهم بـ"الإرهابيين" واسر 10.  وكانت مواقع قد ذكرت في الـ2 من سبتمبر، أن القوات الموالية لأطراف الداخل قد تقدمت نحو معسكر الجعملاني شرق مديرية مكيراس من محورين وأن القوات الموالية للتحالف حاولت الالتفاف عليها، إلا أنها تصدت لتلك القوات وألحقت بها خسائر فادحة مما اضطرها إلى التراجع.

وانتهت قمة واشنطن بين ملك السعودية ونجله من جهة، والرئيس الأمريكي من جهة أخرى والتي ناقشت الاتفاق النووي مع إيران  والعديد من الملفات الأخرى باحتفاء إعلامي وتأكيد على تجديد التحالف بين الولايات المتحدة والسعودية. ودعا العاهل السعودي  الرئيس الأمريكي أوباما إلى زيارة السعودية خلال عام 2016  لوضع اللمسات الأخيرة على الإستراتيجية التحالفية الجديدة بين السعودية والولايات المتحدة للقرن الواحد والعشرين.  ولوحظ أن الملك سلمان، وعلى عكس الدعايات والشائعات قد ظهر في الملاحظات التي أدلى بها الزعيمان بكامل قواه العقلية وفي غاية التركيز. كما أنه استقبل على هامش الزيارة في فندق الفور سيزونز اثنين من رؤوسا أمريكا السابقين وهم الجمهوري جورج دبليو بوش (بوش الأبن)، والديمقراطي بيل كلينتون.

وأشار البيان الصادر عن القمة بين الزعيمين، وهذا أهم ما فيه بالنسبة لأوباما، إلى أن السعودية تدعم الاتفاق النووي مع إيران. وكان هذا الموقف يقوي بشكل أو بآخر موقف الرئيس أوباما في مواجهة الكونجرس حتى وأن كان قد سرب قبل لقاء القمة بأنه قد ضمن عددا من أعضاء مجلس الشيوخ إلى جانبه مما يجعله قادرا على تعطيل أي اعتراض يبديه الكونجرس على الاتفاق.

وبالنسبة للملف اليمني فلم يظهر الجانبان أي تناقض في المواقف. وتضمن البيان الصادر عن القمة،  فيما يتصل بالحرب على اليمن، ما يمكن اعتباره النواة التي بني عليها اتفاق ستوكهولم الذي سيتم توقيعه في نهاية عام 2018:

"وفي الشأن اليمني، أكد الجانبان على ضرورة الوصول إلى حل سياسي في إطار المبادرة الخليجية ونتائج الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن الدولي 2216 وابداء الزعيمان قلقهما من الوضع الانساني في اليمن، واكد خادم الحرمين الشريفين التزام المملكة العربية السعودية بتقديم المساعدة للشعب اليمني والعمل مع أعضاء التحالف والشركاء الدوليين بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة للسماح بوصول المساعدات المقدمة من الأمم المتحدة وشركائها بما في ذلك الوقود للمتضررين في اليمن والعمل على فتح الموانئ اليمنية على البحر الأحمر لتشغيلها تحت إشراف الأمم المتحدة لتقديم المساعدات الواردة من الأمم المتحدة وشركائها، ووافق الزعيمان على دعم ومساندة الجهود الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة."

وبينما توجه رئيس حكومة المنفى هادي من مقر إقامته في الرياض في يوم 5 سبتمبر     2015 إلى ابو ظبي لتقديم واجب العزاء، فقد أعفى الملك سلمان في 10 سبتمبر سعد بن خالد الجبري من موقعه كوزير دولة، وهو الموقع الذي عين فيه  في 24  يناير من ذات العام. وذكر المغرد السعودي الشهير مجتهد أن الأمير محمد بن نايف، ولي العهد السعودي في ذلك الوقت، كان يعتمد على الجبري في تسيير 80% من أعمال وزارة الداخلية، وأن الجبري كان مسئولا عن ملف الاستخبارات فيما يخص اليمن.  

الثلاثاء، 9 يوليو 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 15)



في ظل تنامي أزمة النازحين السوريين وأزمة اللجوء بشكل عام وبلوغ الحملة الإعلامية حول اللاجئين السوريين ذروتها في مطلع شهر سبتمبر 2015 ، وجهت بعض وسائل الإعلام سهام اللوم بشأن مآسي اللاجئين السوريين إلى السعودية ودول الخليج ليس فقط لأنها دول غنية، بل أيضا لأنها لعبت أدوارا هامة في ظهور واستمرار الصراعات في المنطقة. وفي سياق هذا التأطير الإعلامي للمأساة (إلقاء اللوم على السعودية ودول الخليج)،   كتب الصحفي البريطاني من أصل فلسطيني عبد الباري عطوان على موقع "رأي اليوم" الذي يرأس تحريره:

"انهار من الحبر والدموع تتدفق هذه الأيام تباكيا على مأساة اللاجئين السوريين الذين يركبون البحر والشاحنات المبردة بحثا عن البقاء، وليس حياة كريمة، بعد أن تآمرت قوى عديدة، داخلية وخارجية، بحسن نية أو سوئها، على تدمير بلادهم، وقتل مئات الآلاف منهم.
المفارقة الكبرى أن الدول العربية، والخليجية منها بالذات، التي صدعت رؤوسنا عبر إمبراطورياتها الإعلامية والتلفزيونية الجبارة بدعمها للشعب السوري، وحرصها على تحريره من الطاغية، وتوفير الاستقرار والرخاء له، وتنفق مليارات الدولارات على تسليح معارضته، هذه الدول لم تستقبل لاجئا سوريا واحدا، وأغلقت حدودها في وجههم، وأشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى."  


وبعد أن يقارن بين مواقف الدول العربية المعدمة والدول الأوروبية الكافرة التي يرى أنها تفتح أبوابها للاجئين السوريين من جهة، وبين مواقف الدول الخليجية المتخمة والتي يؤمن حكامها وشعوبها بالإسلام، وتغلق أبوابها أمام النازحين السوريين، من جهة ثانية، يتوقف  عطوان عند ما حدث للنازحين في مخيم الزعتري في الأردن، فيقول:

"من زار مخيم الزعتري في الأردن في بداية أزمة تدفق المهاجرين السوريين عبر الحدود بحثا عن الأمان من القصف، سمع قصصا مرعبة عن الذئاب الهرمة، المتخمة جيوبها بالمال، التي كانت تحوم حول المخيم مع سماسرة اللحم البشري بحثا عن فتاة قاصر لشرائها، بغرض متعة محرمة بلباس شرعي مزور، وهناك العشرات من التقارير والأفلام الوثائقية التي تؤكد ما نقول.
حولوا الصبايا السوريات إلى سبايا، بينما حكوماتهم تشارك بالمجازر وتصب الزيت على نار الأزمة، ليس حرصا على الشعب السوري، مثلما تدعي، وإنما للثأر وإشفاء الأحقاد من رئيس سوري وصفهم بأشباه الرجال لتقصيرهم في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية الذي ثبت بالدليل أنهم طرف رئيسي في تسهيلها وتمريرها، ولتورطهم في مخططات تفتيت هذه الأمة وتقسيمها على أسس طائفية تحت ذرائع متعددة."

وبعد استدعاء عددا من صور المعاناة التي يلقاها النازحون السوريون في محاولاتهم الحصول على ملجأ آمن في أوروبا، يكتب عطوان متسائلا عن سر سلبية علماء الدين الذين كانوا قد أصدروا فتاوي تنتصر للسوريين وتدعو للجهاد في وجه النظام، عندما يتعلق الأمر بالفظائع التي يتعرض لها النازحون السوريون، وعن السبب في امتناعهم عن إصدار فتاوي تلزم دول الخليج بإيواء النازحين:
  
"توقعنا، وبعد أن شاهدنا أطفال سوريا وأمهاتهم جثثا تقذفهم أمواج البحر، أو أشلاء متحللة في شاحنات مجمدة، أو حرائر تتسول المرور عبر البوابات الأوروبية، توقعنا أن نسمع أو نقرأ فتاوى لشيوخنا الأفاضل مثل القرضاوي والعريفي والسديس والعودة والعرعور تلزم الدول التي يقيمون فيها بإيواء هؤلاء الضحايا، وتنتصر لهم ولمعاناتهم، مثلما انتصروا لهم في وجه النظام، ودعوا إلى الجهاد من اجل إنقاذهم، ولكن هؤلاء صمتوا صمت القبور، وما زالوا، فلماذا لا يطالبون السعودية وقطر والإمارات والكويت بنجدة هؤلاء؟ أليسوا مسلمين؟ أليسوا من أبناء المذهب السني؟" 

وفي الـ7 من سبتمبر 2015، وجهت سارة حشاش الصحفية بالبرنامج الإعلامي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية انتقادات لدول الخليج الغنية لا تختلف كثيرا في مضمونها عن ما ورد في مقال عطوان، ورأت أن موقف دول الخليج تجاه اللاجئين "شائن تماما." ونشرت رويترز في 8 سبتمبر 2015 تقريرا كتبه الصحفي محمد طاهر بعنوان "لماذا توصد دول الخليج أبوابها في وجه اللاجئين السوريين؟" وتساءل فيه عن السر في "تدفق اللاجئين السوريين غربا" وانقطاع طرقهم بشكل تام "شرقا" نحو دول الخليج الغنية.  

ويقتبس تقرير رويترز عن عبد الله العذبة رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية قوله، في تبرير لموقف قطر من اللاجئين، أن قطر بلد صغير ولا يستطيع استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين لأسباب وصفها باللوجستية، لكنها تقدم الدعم المالي للاجئين في تركيا والأردن وشمال العراق. أما عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي الإماراتي المتخصص في العلوم السياسية، فقد برر موقف بلاده بالإشارة إلى أن 90% من المقيمين في بلاده هم من الأجانب، ولعله يعني أن نصف مليون سوري مثلا يمكن أن يحدثوا خللا في التركيبة السكانية ويحولوا الإماراتيين إلى أقلية في بلادهم. وقدم الكويتي فهد الشليمي تبريرا سمجا لسياسة بلاده يخلط بين "اللجوء" و"السياحة" حيث ذكر أن اللاجئين السوريين يعانون من "مشاكل عصبية ونفسية" وأن ارتفاع تكلفة المعيشة في الكويت يجعل من الصعب على اللاجئين العيش فيها.  

وفي 11 سبتمبر 2015، تناقلت وسائل إعلام تصريحات نسبت إلى مسئول في وزارة الخارجية السعودية يرد بها على الانتقادات الموجهة لبلاده بشأن موقفها من اللاجئين السوريين، وكان ابرز ما جاء في تلك التصريحات ما يلي:  

-"المملكة العربية السعودية لم تكن ترغب في الحديث عن جهودها في دعم الأشقاء السوريين في محنتهم الطاحنة، لأنها ومنذ بداية الأزمة تعاملت مع هذا الموضوع من منطلقات دينية وإنسانية بحتة، وليس لغرض التباهي أو الاستعراض الإعلامي، إلا أنها رأت بأهمية توضيح هذه الجهود بالحقائق والأرقام، رداً على التقارير الإعلامية وما تضمنته من اتهامات خاطئة ومضللة عن المملكة."
-"استقبلت المملكة منذ اندلاع الأزمة في سوريا ما يقارب المليونين ونصف المليون مواطن سوري، حرصت على عدم التعامل معهم كلاجئين، أو تضعهم في معسكرات لجوء، حفاظاً على كرامتهم وسلامتهم، ومنحتهم حرية الحركة التامة."
- "منحت المملكة لمن أراد البقاء منهم في المملكة، الذين يبلغون مئات الألوف، الإقامة النظامية أسوة ببقية المقيمين، بكل ما يترتب عليها من حقوق في الرعاية الصحية المجانية والانخراط في سوق العمل والتعليم، حيث تجلى ذلك بوضوح في الأمر الملكي الصادر في عام 2012."
- "جهود المملكة لم تقتصر على استقبال واستضافة الأشقاء السوريين بعد مأساتهم الإنسانية في بلدهم، بل وامتدت جهودها لتشمل دعم ورعاية الملايين من السوريين اللاجئين إلى الدول المجاورة لوطنهم في كل من الأردن ولبنان وغيرها من الدول."
- الجهود شملت تقديم المساعدات الإنسانية بالتنسيق مع حكومات الدول المضيفة لهم، وكذلك مع منظمات الإغاثة الإنسانية الدولية، سواء من خلال الدعم المادي أو العيني."

ولم تكن التصريحات السعودية لتنجح في إقناع النقاد حتى وإن بدأت باستحضار تعبيرات عاطفية مثل "الأشقاء السوريين"، "منطلقات دينية وإنسانية بحتة." أما زهد التصريحات بـ"التباهي" و"الاستعراض الإعلامي" فقد جاء مناقضا ليس فقط للأنماط السلوكية المطبقة في السياسة الخارجية السعودية، ولكن أيضا لفكرة التصريحات ذاتها والأسلوب الذي اتبع في صياغتها.

وقد سارعت منظمة العفو الدولية إلى الرد على التصريحات السعودية بالتشكيك في الأرقام التي أوردتها التصريحات والتأكيد على أنه لا يوجد طريقة يمكن بها التيقن من مصداقية تلك الأرقام. وكانت المنظمة محقة تماما في هذه النقطة لأن رقم الـ2.5 مليون سوري كان مبالغا به إلى حد كبير. وبالمثل، فان الحديث عن استيعاب مئات الآلاف من السوريين في سوق العمل السعودي لم يخلو من تهويل.  وذهبت المنظمة في تبرير عدم قدرتها على التأكد من صحة الأرقام التي أوردتها الخارجية السعودية، دون أن يجانبها الصواب، إلى أن المملكة لا تسمح  للمنظمات المعنية بحقوق الإنسان بدخول أراضيها، ولا تجيب حتى على الاستفسارات وطلبات المعلومات التي ترسلها إليها تلك المنظمات.

وهناك من رأى بأن منح المملكة حق الإقامة للنازحين السوريين كعمال أجانب يجعلهم عرضة للطرد في أي وقت، وذلك بعكس إضفاء وضع اللاجئين عليهم، والذي يجعل من الصعب على الحكومة السعودية  طردهم   قبل أن تستقر الأوضاع في بلادهم. وقد أثبتت الأيام صحة هذا النقد ونفاذ بصيرته. فسرعان ما بدأت المملكة، وإن بأساليب ملتوية، بطرد السوريين واليمنيين وغيرهم عن طريق فرض ضريبة "الرؤوس" على المرافقين وسياسة "السعودة" لبعض القطاعات، ثم أوقفت الحكومة السعودية قبول أبناء السوريين واليمنيين ممن قدموا إلى المملكة بسبب الحروب في بلادهم في المدارس والجامعات السعودية العامة، وانتهى الأمر  بحرمان النازحين إلى السعودية من اليمنيين والسوريين من أي خدمات مجانية.  

وكان طرد السعودية لعشرات الآلاف من المغتربين اليمنيين عن طريق سياسات التضييق المختلفة وبالتزامن مع الحرب التي تشنها على بلادهم والحصار البري والبحري والجوي الخانق الذي تفرضه عليهم حدثا كاشفا لتناقضات السياسة الخارجية السعودية ولمقدار النفاق الذي تنطوي عليه.  وبينما أدعت السعودية، وما زالت تدعي حتى اليوم، أنها تشن حربا على اليمن استجابة لطلب من "الحكومة الشرعية"، فإن تلك الحكومة ذاتها قد طالبت القيادة السعودية مرارا وتكرارا باستثناء اليمنيين من السياسات الدراكولية القاتلة التي تفرضها على الأجانب تقديرا للظروف الاستثنائية التي أوجدتها الحرب  وما ترتب عليها من انهيار اقتصادي، لكن السعودية المستعدة بطريقة عجيبة لإنفاق مئات المليارات على عمليات قتل اليمنيين وتدمير بلادهم وفرض الحصار عليهم، لم تكن مستعدة في المقابل لأن تستثني اليمنيين المغتربين فيها من سياسات التضييق والتطفيش والطرد.  

وصحيح أن السعودية تبرعت لوكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الأخرى التي تعني بالسوريين وخصوصا في عهد الملك عبد الله غير أن مثل تلك التبرعات التي كانت تصل أحيانا  إلى مئات الملايين من الدولارات كانت تهدف في الأساس إلى الدعاية الإعلامية رغم ادعاء السعودية زهدها في هذا الجانب، وبناء النفوذ للسعودية وحلفائها داخل تلك المنظمات والوكالات، وشراء المواقف واستخدام تلك المنظمات كقنوات للحصول على المعلومات، وفي النهاية لم يكن يصل للاجئين السوريين في نهاية المطاف سوى الفتات.        

الجمعة، 28 يونيو 2019

عاصفة الخلافات تهب على السعودية...(غير مسلسل 14)



أدت الحرب التي بدأت في سوريا في عام 2011 إلى موجات متتابعة من النزوح القسري للسوريين. ورغم أن وسائل الإعلام الدولي دأبت على تناول مآسي النازحين بشكل عام والنازحين السوريين بشكل خاص، إلا أنه لوحظ  في أواخر أغسطس ومطلع سبتمبر 2015 ظهور حملة إعلامية دولية مكثفة  ركزت من جهة على ظروف النازحين السوريين وما يلاقونه خلال تهريبهم إلى أوروبا من مشاق، وما تتعرض له حياتهم من مخاطر ، ومن جهة ثانية على ردود فعل الحكومات والمجتمعات الأوروبية على ظهور ما بات يطلق عليه "أزمة اللاجئين."

غرق الكردي

وبلغت تلك الحملة الإعلامية ذروتها في مطلع شهر سبتمبر بوفاة طفل سوري  اسمه آلان الكردي، ويبلغ من العمر 3 سنوات في الـ2 من سبتمبر 2015  غرقا في بودروم التركية. وقد تحولت صورة الطفل الغريق،  الذي أوردت وسائل الإعلام اسمه بصيغ مختلفة، وهو منكفئ على وجهه على شاطئ البحر، بعد أن قذفت به الأمواج، خلال ساعات فقط، إلى رمز مكثف لمأساة 11 مليون سوري نزحوا بسبب الحرب.

وتشير تفاصيل غرق آلان إلى أنه كان برفقة والديه، عبد الله (40 سنة)، وريحانة (28 سنة)،     وأخيه غالب (5 سنوات) على ظهر قارب مطاطي يبلغ طوله 15 قدما مكتظ باللاجئين السوريين الفارين من الحرب المستعرة في  بلادهم، وأن القارب غادر تركيا متجها نحو جزيرة "كز" اليونانية التي تقع على بعد حوالي 4 كم من الساحل التركي، غير أنه تعرض لانقلاب وسط البحر. وحاول عبد الله الكردي، والد الطفل، جاهدا خلال 3 ساعات بين الأمواج إنقاذ زوجته وطفليه غير أن جهوده، كما خلصت إلى ذلك وسائل الإعلام، باءت بالفشل لينتهي الأمر بغرق الآن وأخيه  ووالدته والى جانبهم تسعة آخرين، وقيل أكثر.  



وتظهر الصورة الشهيرة التي التقطت لجثة الغريق آلان بعد العثور عليها من قبل جندي تركي، الرضيع بشعره الأسود الغامق وهو يرتدي قميص نص كم بلون احمر فاتح وبنطلون قصير غامق، بينما انتشرت صورة أخرى لجندي تركي متجهم الوجه وهو يحمل بين يديه جثة الطفل الرضيع.

ورغم أن أزمة اللاجئين السوريين كانت جد حقيقية، إلا أن التصعيد الإعلامي الذي شهده شهر سبتمبر 2015 لم يكن تلقائيا على الإطلاق ويبدو أن أجندات عدة كانت تقف خلفه وأهمها ما يلي:  

1- الضغط على الحكومات حول العالم، والأوروبية منها والكندية على وجه الخصوص، من خلال استهداف عواطف الرأي العام الأوروبي والكندي والدولي، ودفعها للتحرك في عدد من الاتجاهات أهمها:

أ-زيادة مساهماتها المالية في جهود المنظمات الدولية المعنية باللاجئين وفي مقدمتها مفوضية الأمم المتحدة العليا لشئون اللاجئين، وهي الجهاز الأساسي المعني باللاجئين في نظام الأمم المتحدة.   

ب- بلورة سياسة موحدة بالنسبة للدول الأوروبية للتعاطي مع أزمة اللاجئين بشكل عام، واللاجئين السوريين بشكل خاص وتحديد عدد معين لكل دولة من اللاجئين تعمل على استيعابهم وإعادة توطينهم على أراضيها بالتعاون مع المفوضية السامية للاجئين.  ولأن بلورة سياسة أوروبية موحدة بشأن الهجرة لا يمكن أن تكون إلا موضوعا انقساميا في ظل تحول اللاجئين في نظر الكثيرين إلى تهديد أمني، فإنه من غير المستبعد أن يكون الهدف النهائي من الضغط على الأوروبيين لإنتاج سياسة بشأن الهجرة هو تمزيقهم بعد أن تحول الاتحاد الأوروبي إلى عائق أمام سياسات الهيمنة الأمريكية على القارة العجوز.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن رئيس الوزراء البريطاني حينذاك ديفيد كاميرون، وسط خلافات حول العديد من الموضوعات داخل الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها الهجرة، قد تقدم في نوفمبر 2015 برسالة إلى رئاسة الاتحاد الأوروبي يطلب فيها، من بين مسائل أخرى، تعليقا لمدة 4 سنوات للمساعدات والسكن الاجتماعي التي يحصل عليها مواطنو الاتحاد الأوروبي الذين يهاجرون إلى بريطانيا. ومع أن كاميرون حصل على بعض الاستثناءات والإعفاءات، إلا أنه وفي مواجهة الضغوط المتزايدة للرأي العام وأعضاء حزب المحافظين، أعلن في 20 فبراير 2016 إجراء استفتاء في 23 يونيو من نفس العام حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. وقد عقد الاستفتاء في الموعد المحدد وحصل خيار الخروج على أغلبية 51.9% من أصوات المشاركين.

ج- الضغط على الدول التي لا تقبل لاجئين وفي مقدمتها دول الخليج العربي الست الغنية،  لتغيير سياساتها في هذا الجانب، خصوصا وأن 13 دولة عربية بينها دول الخليج الغنية الست لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن اللاجئين التي أقرت في عام 1951، ولا على البروتوكول الاختياري الملحق بها. وتعد اليمن الدولة الوحيدة في المشرق العربي (دول الهلال الخصيب ودول الجزيرة العربية)  التي صادقت على الاتفاقية الدولية بشأن اللاجئين (تم تبنيها في إطار الأمم المتحدة في  28 يوليو 1951 ودخلت حيز التنفيذ في 22 ابريل 1954) وعلى  البروتوكول الملحق بها (تم تبنيه في 31 يناير 1967 ودخل حيز التنفيذ في 4 أكتوبر 1967).   

2- الضغط على الدول وخصوصا المنتجة والمصدرة للنفط لدعم اتفاقية دولية بشأن المناخ تعمل على الحد التدريجي من استخدام مصادر الطاقة الأحفورية (الفحم، النفط الخام، والغاز الطبيعي) المتهمة بالتسبب بظاهرة الاحتباس الحراري، لصالح مصادر الطاقة المتجددة (مثل الرياح والمياه والشمس وحركة الأمواج) و/أو مصادر الطاقة غير القابلة للنفاذ مثل الطاقة النووية. وكان ذلك يعني بالنسبة للدول التي تعتمد في دخولها النقدية من العملة الصعبة على مصادر الطاقة الأحفورية وتمتلك مخزونات هائلة منها أن تبدأ في العمل ضد مصالحها.  ولم يكن من قبيل الصدفة، وفي ظل الربط بين التغير المناخي من جهة، نشوء الصراعات العنيفة من جهة ثانية، والهجرة الدولية واللجوء من جهة ثالثة، أن تظهر الحملة الإعلامية بشأن اللاجئين بالتزامن مع زيارة ملك السعودية إلى واشنطن، أو أن يكون التغيير المناخي على قائمة الموضوعات التي سيناقشها ملك السعودية مع الرئيس الأمريكي في قمتهما المرتقبة في واشنطن يوم 4 سبتمبر 2015.

3- تثبيط جهود النازحين وجعلهم يترددون كثيرا قبل الإقدام على مغامرة العبور بحرا من تركيا إلى أوروبا. ولم يقتصر الأمر في سبيل تحقيق ذلك على غرق الطفل الان الكردي. ففي 8 سبتمبر مثلا سرب مقطع فيديو للمصورة التلفزيونية المجرية في محطة "إن ون" بترا لازلو وهي تركل وتحكول طالبي لجوء في مدينة روسكا على حدود المجر مع صربيا،  بينما كانوا يحاولون الفرار من معسكر اعتقال للشرطة. ويظهر الفيديو اللاجئ السوري أسامة الغضب، وهو يسقط مع ابنه البالغ من العمر سبع سنوات بعد أن تعرض للعرقلة من قبل لازلو. ورغم أن المحطة التلفزيونية ردت فور ظهور المقطع وانتشاره السريع بإقالة لازلو، إلا أن الحادثة ظلت تتفاعل إعلاميا لأسابيع.    

4- تليين مواقف أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في أمريكا بشأن الاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، والذي كان مخططا أن يبدأ مجلسي الكونجرس بمناقشته في الـ7 من سبتمبر.   ففي ظل تنامي أزمة النازحين، وظهور مئات الدراسات التي تربط بين التغير المناخي والصراعات المسلحة والنزوح القسري، انقسامات الأوروبيين داخل كل دولة وفيما بين الدول إزاء الهجرة واللجوء، تحول طالبي اللجوء بكل ما يعانونه من مآسي إلى تهديد أمني من وجهة نظر الكثيرين، والضخ الإعلامي المركز حول كل ذلك، ربما رأى أعضاء الكونجرس أن معارضة الاتفاق حول برنامج إيران النووي السلمي لن يؤدي، في ظل غياب أي بديل معقول،  سوى إلى المزيد من التغيير المناخي، والمزيد من الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط، والمزيد من الملايين من البشر الذين يدقون على أبواب أوروبا وأمريكا الشمالية طالبين حق اللجوء.  

5-لفت الانتباه إلى ما تعانيه تركيا جراء تدفق اللاجئين السوريين عليها واضطرارها إلى إنفاق المليارات لتوفر لهم الطعام والمأوى، وقد ساهمت الحملة الإعلامية في توصل تركيا والاتحاد الأوروبي في أواخر نوفمبر 2015  إلى تفاهمات تعمل بموجبها تركيا على منع تهريب اللاجئين من أراضيها عبر الطريق البحري الذي يربطها بأوروبا مقابل مساهمة الأوروبيين ماليا في جهود تركيا لإطعام وإيواء اللاجئين.    

نتائج الحملة

في 29 فبراير 2016 كشف في آزادي بارك بمدينة السليمانية العراقية عن تمثال من الرخام صممه النحات بختيار هالابجاي للطفل السوري الغريق الآن الكردي. وفي مايو 2017، أعلنت الحكومة الفنلندية بمناسبة الذكرى المئة لاستقلالها نيتها وضع صورة تظهر جنديا تركيا وهو يحمل الطفل الغريق آلان الكردي على عملتها الوطنية. وفي 10 فبراير 2019، أعيد في احتفال حضره عبد الله الكردي والد الطفل الغريق، تسمية سفينة إنقاذ ألمانية تعمل في البحر الأبيض المتوسط باسم الان الكردي.
ورغم الانخفاض الكبير في عدد المهاجرين وطالبي اللجوء في أوروبا خلال الأعوام التالية، فإن المفوضة السامية للاجئين تذكر في بيان صدر في الذكرى الثانية لغرق الكردي، أنه  بين الـ2 من سبتمبر 2015 و الـ2 من سبتمبر 2017 فقد أو توفي، ما لا يقل عن 8500 نازح ومهاجر وهم يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا.